ترى هل يستحق حدث حصولي على الجنسية الامريكية كتابة مقالة عنه؟
مؤكد يستحق اذا تمت معالجته بطريقة حرفية، ومعرفية تربطه بمعاناة الغربة، وقضية الانتماء الوطني للبلد الجديد الذي فتح لي ابوابه واحتضنني، وتسليط الاضواء على جوانب إنسانية يشترك بها كل الناس.

غادرت العراق عام 1991 في أوج فترة التيه العراقي على أرصفة المنافي، واشتداد هوس الجميع بالسفر لغرض الحصول على اللجوء ومايوفره من مزايا، كان عمري (31) ولم أعلم بوجود المفوضية العليا للاجئين تستقبل الهاربين من أوطانهم حتى وصلت الى الاردن وعرفت بالامر، وصُقعت لدرجة الذهول من وجود خدمات اجتماعية إنسانية توفرها دول اللجوء تتمثل بمنحك راتب شهري، وشقة سكنية، وفيما بعد الجنسية وجواز سفر!!

بعد إنتهاء عملية تحرير الكويت، والقضاء على الانتفاضة الشعبية في العراق، خيم إكتئاب جماعي على البلد، وإنسدت الآفاق أمام إحتمالات التغيير السياسي، وظهر صدام حسين لاول مرة بعد طرد الجيش العراقي من الكويت ضاحكاً مع حسين كامل، مشهد لن أنساه طوال عمري، وكان مناسبة ظهوره هو إصدار أوامره بأعادة خدمات الكهرباء والماء للمواطنيين.. ماذا عن الخراب، والموت، والكوارث؟

بعت مكتبتي الخاصة وسددت ديوني، وبقيت مشكلة تدبير تكاليف السفر الى الاردن، كنت عاطلا عن العمل، سافرت من مدينتي كربلاء الى مدينة الموصل لطلب مساعدة احد الاصدقاء الذين تعرفت عليهم اثناء التحاقي بالجيش، أعطاني مبلغ يعادل (50) دولارا وعانقني متمنياً لي الموفقية.

استخرجت جواز السفر بسهولة، كنت خائفاً من المنع بسبب دخولي لفترة قصيرة في حوزة النجف للدراسة، ومعرفة أجهزة الامن بهذا قد تسبب لي مشكلة، لم أكن في يوم ما بطلاً أو مناضلاً، استفقت في احد صباحات شهر آب، وتسللت خلسة من البيت، وسافرت الى الاردن دون أن أخبر أحداً من أهلي، لم أكن أمتلك طاقة الدخول معهم في نقاش وعتاب ووداع، كنت منهاراً كئيباً، أمشي على غير هدى.

وصلت الى الاردن بلا أموال كافية، بلا خبرة في السفر، بلا معارف، وكان جل طموحي هو العمل في مطعم، أو فندق،أو مقهى، وفعلاً حصلت على عمل في أحد الفنادق من دون ان يدفع لي صاحب الفندق اية إجور فقط كان يوفر لي المنام، ويمنحني فرصة بيع الشاي على نزلاء الفندق واخذ ثمنه.

رفض مكتب الامم المتحدة قبولي كلاجئ، ومدة تأشيرة دخول الاردن أوشكت على النهاية، فكان لابد من السفر الى سوريا، وشاء سوء حظي إن الضابط السوري الذي حقق معي على الحدود منعي من الدخول، واعادني الى الاردن، وتأزمت المشكلة، فأنا لااستطيع العودة للعراق لأن جهاز المخابرات العراقية كان متواجداً بكثافة أمام مكتب الامم المتحدة ويقيناً عرف أسماء كل العراقيين الذين تقدموا بطلبات الحصول على اللجوء، وتأشيرة الدخول الى الاردن شارفت على النهاية، تقدمت بطلب الحصول على فيزا من السفارة السورية في عمان، لكنهم أخبروني ان العرب لايحتاجون الى فيزا، وامام بوابة السفارة السورية تعرفت على شخص عرفني على نفسه إنه مسلم من أصول أمريكية، كان يتكلم العربية الفصحى، واعطاني كتيب صغير كتبه عن قصة إسلامه، ودعاني لزيارته في بيته حيث يقيم في عمان، وكان هذا أول مواطن أمريكي في حياتي التقي به.

أقترح عليّ بعض العراقيين السفر بالطائرة الى سوريا لعل فرصة دخولي اليها تكون أسهل، وبرزت مشكلة جديدة هي عدم أمتلاكي ثمن تذكرة السفر، ذهبت الى صديقي الامريكي المسلم، وشرحت له أزمتي، فقام على الفور بأعطائي المبلغ المطلوب، وفي يوم السفر الى سوريا كانت تنتظرني مفاجأة في مطار عمان اذ رفضت سلطة المطار السماح لي بالسفر لانني لم اقطع تذكرة ذهابا وايابا تحسباً لاحتمال منعي من قبل السلطات السورية واعادتي ثانية، وكانت رحمة الله تعالى تترصدني دوماً في اللحظات الحاسمة فقد تبرع أحد العراقيين الذين تعرفت عليهم في المطار قبل نصف ساعة وسدد ثمن التذكرة، وحصلت المعجزة وسمحوا لي بالدخول الى سوريا، وذهبت فورا الى منطقة تجمع العراقيين.. منطقة السيدة زينب لاسكن في أحد المساجد، وأنا في غاية السعادة.

في سوريا تفرغت للقراءة والكتابة في صحف المعارضة العراقية، وحصلت على اللجوء في مكتب الامم المتحدة في دمشق، وتم قبولي كلاجئ في الولايات المتحدة الامريكية.

عام 1978 كنت جندياً مفلساً بلا أمل ٍسألني أحد الاصدقاء ماهي مخططاتك بعد تسريحك من الجيش، فأجبته بثقة مدهشة سأدخل الحوزة للدراسة، وثم أسافر الى أمريكا وأعيش في مدينة ديترويت، وكانت تلك نبؤة وإستشفاف لآفاق المستقبل، وليست أمنية وأحلام يقظة، وبالفعل دخلت الحوزة، وسافرت الى أمريكا، وانا الان أعيش في مدينة ديترويت!!

وصلت الى أمريكا نهاية عام 1998 وانا أحمل في جيبي مايعادل ( نصف دولار ) فقط وبعض الكتب وملابسي التي ارتديها لاغير، وكنت مصاباً بسوء التغذية بسبب الفقر، ومشاكل في شبكية العين، وكأي قصة حب عظيمة لابد ان يتخللها العديد من الصعوبات، وكانت مشكلة الاولى هي عدم معرفة اللغة الانكليزية، وغياب الحوار مع المكان ومعرفة تفاصيله.

حزنت كثيراً على نفسي لعدم قدرتهاعلى التكيف مع الاجواء الجديدة، ولكن كان لابد ان انتصار حبي الى أمريكا في النهاية حيث بدأت أشعر بالانسجام، والانتماء لامريكا، وكان تاريخها العلمي يسحرني ويجعلني أشعر بالفخر والعظمة حينما اتذكر ان الشعب الامريكي أهدى الى الحضارة البشرية : الكهرباء، والهاتف، والطائرة، والسينما، ولانترنيت، والكثير من الاكتشافات الطبية، والعلمية.

وأصبحت أفرح بصورة تلقائية لاي خبر سعيد عن أمريكا، وأشعر بالحزن حتى لمجرد خسارة فريق رياضي أمريكي، وصار كل تاريخ أمريكا هو تاريخي، وكان انتمائي الوطني للويات المتحدة الامريكية هو من المشاعر التي تدخل الفرح والشعور بالعظمة الى نفسي.

سألني ضابط الهجرة حينما خضت أمتحان الحصول على الجنسية الامريكية.. هل انت مستعد للدفاع عن أمريكا؟

وأجبته : نعم، وكنت أنطلق من التزامي الديني، والاخلاقي في الاخلاص والوفاء للولايات المتحدة الامريكية هذا البلد الذي باركه الله تعالى ووهبه كل أنواع الخيرات والثروات، فشكراً لامريكا التي منحتني شرف الانتماء لحضارتها، وشكراً لله عزوجل الذي رزقني هذا الحظ العظيم في العيش على أرض لطالما حلمت بها وأحببتها.. أرض أمريكا.

[email protected]