عدنا إلى مدينة جدة... وذهبنا إلى أحد فنادقها لنبات ليلة استعدادا للذهاب إلى منطقة نجران في اليوم التالي، وقد ذهلنا عندما عرفنا أن حجز الرحلة من جدة إلى نجران على الخطوط ال لم يتأكد بالرغم من أننا حاجزون قبل أكثر من ثلاثة
أسابيع " انتظار ".
قال لي زميل الرحلة فلنذهب اليوم التالي إلى مطار جدة ومن هناك سوف نجد الطائرة خالية.
قلت له : أمجنون أنت؟! إنهم يقولون حتى الحجز على الانتظار لم يعد مسموحا به .
قال : لا يهمونك أعرفهم جيدا، هكذا يتعاملون مع المسافرين في كل رحلة.

ذهبنا في صباح اليوم التالي إلى مطار جدة وانتظرنا في طابور حجز الانتظار لأكثر من ساعة كاملة أمام موظف الحجز وعندما أصبحنا في مواجهته قال لنا الموظف : من المستحيل أن تجدوا حجزا لكنني سوف أسجل أسماءكم في قائمة الانتظار. ثم عاد وقال : لكنني أفضل أن تذهبوا إلى موظف الدرجة الأولى لعله يسجلكم في قائمة المنتظرين على الدرجة الأولى. وذهبنا إلى موظف الدرجة الأولى الذي حولنا إلى موظف الدرجة الأولى الآخر الذي يقوم بتمرير العفش ومنح البوردنق باس. وهناك فتح الموظف جهاز الكمبيوتر ليجد كما بدأ من ملامحه أن هناك العديد من الكراسي
الخالية بقسم الدرجة الأولى. حينها قال لنا : اذهبوا بسرعة وغيروا تذاكركم من سياحية إلى درجة أولى حيث الرحلة على وشك المغادرة. وذهبنا مسرعين إلى الموظف المسئول عن تغيير التذاكر وطلبنا منه تغييرها بسرعة ثم دفعنا له الفرق ستمائة ريال إضافية، وعدنا مسرعين إلى موظف الدرجة الأولى فإذا به يفاجئنا بقوله :
لقد تم تأكيد حجزكم على السياحية.
قلنا له : لكننا اشترينا تذاكر الدرجة الأولى.
قال : لا يهم اذهبوا على الدرجة السياحية وسوف يتم منحكم تذاكر درجة أولى لاحقا عندما تسافرون على رحلة أخرى.
قلنا له : لكننا نريد أن نسافر على الدرجة الأولى مادام أننا قد دفعنا الفرق.
قال : لا نستطيع. وذهبنا مرغمين على دفع المبلغ المادي الخاص بالدرجة الأولى ولكننا مسافرون على الدرجة السياحية بعد مضي ما يقارب الساعتين من العذاب النفسي والجسدي داخل المطار. حيث لم يتمكن أحدنا من الإفطار ولا الراحة حتى وجدنا أنفسنا داخل الطائرة مغادرين إلى نجران وكأننا منتهون من ماراثون رياضي شاق داخل صالات المطار.
والغريب في الأمر أن أكثر من ثلاثين مسافرا كانوا في طابور الانتظار قد تم تأكيد حجوزاتهم في اللحظات الأخيرة بعد أن عانى كل منهم ما عانيناه من انتظار لا داعي له.
وكنا دائما نتساءل : كيف لشركة خطوط كبيرة " كالخطوط ال " أن تشتكي دائما من تراكم ديونها في
الوقت الذي تمتليء فيه صالات المطارات ال بالمسافرين الذين لا يجدون لهم حجوزات؟! كيف يقال لمسافر داخل وطنه أنه ليس بإمكانك السفر إلى مدينتك في اقل من أسبوعين ؟!
لماذا لا تقوم هذه الشركة بزيادة أسطولها من الطائرات بما يستوعب حركة المسافرين داخل المملكة وبما يحقق الربح للشركة، أو أن تكون هناك شركات منافسه تستطيع فك الاختناق على الحجوزات التي تعيق حركة العمل والسياحة داخل البلد، وتخفف الضغط على الخطوط ال التي تعاني من عدم استيعاب كل الرحلات دون أن يشعر المسافر بالتعب والإرهاق الناتج عن تزاحم المسافرين وتراكم حقائبهم داخل المطارات وخاصة مطار جدة!
لكن أكثر ما زادنا اندهاشا واستغرابا أننا بعد صعودنا للطائرة وجدنا أن هناك كراسي خالية أيضا!!
كانت رحلة شاقة.... تلك الساعات التي قضيناها داخل صالات مطار جدة بحثا عن مقاعد سفر. لم نتمكن خلالها من شراء بعض الهدايا من أسواق المطار ولم نتمكن من الاسترخاء قليلا قبل الصعود إلى الطائرة، وقد نسينا كل ايجابيات السفر ومتعته وأصبحنا حينها لانناقش سوى رغبتنا في معرفة السبب الرئيسي وراء تلك المعاملة التي لا تليق بشركة كبيرة يرجى منها أن ترقى بمعاملتها إلى ما يتناسب والعصر الذي نعيشه،حيث تتنافس فيه الشركات التجارية في كل مكان لأجل كسب رضا الناس كشرط هام لتحقيق مكاسب مالية!

أذكر أنني في الثمانينات الميلادية ذهبت إلى أحد المطارات الأمريكية وقد حجزت على أحد شركات الطيران المتعددة قبل السفر بساعة " درجة الضيافة " وعندما وصلت المطار متأخرا قالوا لي لقد فاتتك الرحلة، لكنني تذمرت قليلا فإذا بهم يتأسفون لي وكأنهم المخطئون، ثم خيروني أن أذهب في رحلة بعد ساعتين " درجة أولى " أو أن أذهب على طائرة صغيرة سوف تقلع بعد قليل تستوعب اثنا عشر راكبا وأعود على نفس الرحلة التي حجزت عليها،وقبلت العرض وذهبت على الطائرة الصغيرة كأمتع أنواع الرحلات.
هكذا يتم التعامل مع الناس... للطامحين إلى تطوير تجارتهم، منطلقين أولا من مبادئهم التي تضع الإنسان فوق كل اعتبار تجاري.
على الخطوط ال أن تعي أن العصر قد تغير وأن احتكارها لرحلات السفر الداخلية لا يمنحها الحق في عدم اللحاق بركب الشركات الجوية التي أصبحت تعامل المسافر بدلال فائق وتسعى جاهدة لإرضاءه.

الاحتكار : عندما يكون بتلك المعاملة لاينتمي إلى حضارة القرن الرابع عشر!!

سالم اليامي [email protected]