من افغانستان الى العراق اين تقف الدبلوماسية الدولية؟

بضع ساعات فقط تلك التي مضت بعدما تحول برجا مركز التجارة العالمي الى حطام، كانت كافية لتعكس العديد من المواقف التي استجابت لاهمية الحدث بتفاوت كبير، فاضطربت مواقف وأتّزنت اخرى وحاول البعض ان ينتهز فرصة الأقتراب من الأمريكان، وبعض راى نفسه متهما رغم برائته، فكانت التصريحات تنطلق كالاعصار، بين هذه وتلك انقسمت المواقف الدولية.
مواقف الكبار
الدول الكبرى لها مواقف ذات اهمية خاصة تلزم المراقب بمتابعتها ورصدها بكل دقة بغظ النظر عما تعبر عنه تلك المواقف في نهاية المطاف، وفي لائحة البلدان العظمى يلوح في الافق نجوم اليورو العنيد، فالاتحاد الاتحاد الأوربي حاول مبدئيا ان يكون متزنا في خطابه بعد احداث الولايات المتحدة الأمريكية ودعا الاميركان للتعقل والتريث في ردود افعالها تجاه ما يحدث مكتفين بشجب العنف وقتل الابرياء حيثما وجد، حينما كانت السياسة الدولية تسمح بطرف ثالث في الساحة الدولية إلا ان التقسيم العالمي ظهر آنذاك والذي جاء على لسان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش ( اما ان تكون معنا او مع الأرهاب ) والموجّه بالدرجة الأولى للدول العظمى في العالم والذي يشكل خطوة واضحة باتجاه نقلة نوعية بأتجاه النظام العالمي الجديد، فأن ذلك التقسيم الامريكي جعل الاتحاد الاوربي في زاوية ضيّقة لا تسمح له بالحياد ( في تلك الفترة كحد اقل ) مما جعل الاوربيين يحسمون امرهم بركوب السفينة الامريكية تحت مظلة ما يسمى بـ( التحالف العالمي الجديد ضد الأرهاب) في ظل غياب الندية بين امريكا ودول الاتحاد الأوربي كما كان يتحر الاتحاد السوفيتي في ايام الحرب الباردة، رغم وجود مساحات فيها هامش التحرك الذي يمشي على استحياء خصوصا من قبل المحورالفرنسي الالماني، وهذا كان ايضا كان حال مواقف بلدان اخرى متقدمة كروسيا والصين او الهند وغيرها،فحينما نرى الموقف الروسي والصيني لا يرفض ( حالياً على الاقل ) التواجد الأمريكي بهذا الشكل في افغانستان او جمهوريات آسيا الوسطى مع ان روسيا والصين يعتبران تلك البلدان حدودا متقدمة، فان ذلك لا يمكن تفسيره الا وفقاً لظاهرة النظام العاملي الجديد.
اما الدول غير الاسلامية من بلدان العالم الثالث فاتخذت مواقفا لا تحسد عليها وهي ليست بعيدة عن السلة الأمريكية في نهاية المطاف الا ان التحرك الذي ابدته السياسة الفرنسية و الروسية ( بدرجة اقل ) فيما يخص الملف العراقي قد اعاد للاذهان ما سحقته احداث الحادي عشر من ايلول فيما يخص توازنات الدبلوماسية الدولية وخصوصا وانها اجبرت الادارة الامريكية على تعديل العديد من المشروعات المقدمة لمجلس الامن بشأن العراق قبيل الضربة الامريكية للعراق وحتى فيما بعد الضربة.
اذن فالملاحظ بشكل واضح تناقضات استراتيجية بين الكبار في هذا العالم حول العديد من الملفات السياسية بشكل عام والملف العراقي بشكل خاص وهذا قد يمنح الاذكياء ومن يبحثون عن الفرص مساحة لاستثمار تلك التقاطعات في المصالح الدولية وتوظيفها من اجل خدمة المصالح الوطنية المطلوبة.
المواقف الشرق اوسطية
فمن خلال المواقف والتصريحات الكثيرة الّتي نسمعها على لسان السلك الدبلوماسي في تلك البلدان نراها اتسمت بعدم الأتزان وبدأ ت كأنها المتهم قبل غيرها بالدمار الحاصل والذي عليه ان يبرأ نفسه قبل كل شئ حتى لو كانت لافتات البراءة بتلك الطريقة التصاغرية المرتبكة في ادبيات العلاقات الدولية، في ظل غياب اي تنسيق سياسي او دبلوماسي بين بلدان المنطقة يؤهلها لأتخاذ القرارات المطلوبة وفقا لمتطلبات المرحلة في المتغيرات الدولية.
علماً أن بعض البلدان حاولت عبثاً ان تشيّد موقفاً متوازنا كما حاولت في السابق فيما يخص افغانستان، بيد انها وكما التحقت في السابق بطريقة انسيابية مع السرب الأمريكي، يبدو انها تفضل السير في نفس الاتجاه، ونشيرفي هذا السياق الى الثلاثة الكبارهم الأيرانيون والمصريون والسعوديون، حيث بدؤا في الأيام الأولى تحركاً سياسياً مشتركاً في محاولة لصياغة استراتيجية جديدة على ضوء المتغيرات الحاصلة بعد احداث الحادي العاشر من ايلول وفقاً لما جاء من تصريحات كبار شخصيات تلك الدولة انذاك إلا ان الواقع يشير بوضح الى خلاف الأهداف المعلنة، بل يؤكد انسيابية ايرانية نحو الأمريكان من جهة وقبضة امريكية تمسك بقوة بالمصريين والسعوديين من الجهة الثانية.
فمصر اشتركت في التحالف ضد افغانستان والعراق حينما فتحت قناة السويس امام الغواصات البريطانية والباخرات الأمريكية بعد الضربة لأمريكا تحت ذريعة اجراء المناورات في بحر العرب الا ان الأيام اثبتت انها جاءت دعماً للحملة الأمريكية ضد ما يسمى بالأرهاب.
اما الأيرانيون فليسوا افضل حال من غيرهم حينما حسموا امرهم بالاصطفاف الى جانب امريكا منذ الزيارة الاولى التي قام بها وزير الخارجية البريطاني اكسترو بعد احداث ايلول بفترة وجيزة والذي اكّد مدخلية التفجيرات في تلك الزيارة اما الزيارة الثانية فكانت تصب ايضا في ذلك السياق خصوصا وانها جاءت بعد شهرين من الزيارة الاولى في وقت لم تحصل اية زيارة من قبل الساسة البريطانيين بهذا المستوى لايران منذ انتصار الثورة، ولعل الزيارة كانت بالنيابة عن الطرف الأمريكي من اجل الوصول الى تحالف الشمال الذي تعتبر ايران من اقرب الأطراف المؤدية اليه من اجل دعم لوجستيكي ضد طالبان خصوصاً ان ايران منزعجة من الفكر الطالباني المتطرف، وفي هذا الأطار جاءت الزيارة الثانية جاكسترو الى ايران اذ كانت تحمل في طيّاتها هذه المرحلة تهيئة الظروف اقليمياً من اجل ترتيب اوراق الحكومة في افغانستان وهو ما رجح كفة ايران على الباكستانيين في تلك المرحلة اي مرحلة تشكيل الحكومة الأفغانية وتوزيع المناصب السياسية بعكس ما كان في المرحلة الأولى فأن الطرف الباكستاني كان المفضل من قبل الأمريكان، خصوصا وان الجماعات التي تدعمهم الحكومة الايرانية يمثلون الطرف الاكثر اعتدالا والذي لا ينسجم مع صيحات العمليات الانتحارية تلك التي شغف فيها السلفيون ولذلك جاءت المواقف الامريكية الايرانية منسجمة الى حد كبير بل شهدت افغانستان زيارة السيد خاتمي ( فبراير 2002 ) والتي كانت تمثل زيارة اول رئيس دولة الى افغانستان بعد سقوط حكومة طالبان، وما يعزز ذلك تصريح السيد خاتمي في تلك الفترة بأن الولايات المتحدة الامريكية لم تكن قادرة على اسقاط طالبان لولا مساعدتنا، الا ان القصة مختلفة تماما مع العراق فهناك تقاطعات واضحة وحادة جدا بين الولايات المتحدة الامريكية وايران وهذا ما عكر صفو الاجواء الطيبة التي خلفها الملف الافغاني.
اما البلدان العربية الاخرى فهي طالما تتحجج بأنتزاع دولة فلسطينية من ضغوط امريكية على اسرائيل خصوصاً بعد الوعود الأمريكية التي تطفح بين فترة واخرى وكذلك بعض التصريحات البريطانية المنصبة في نفس الاتجاه، لكن السؤال الذي ينبغي ان تجيب عليه البلدان العربية والاسلامية بوضوح امام هذاالمنعطف الكبير في المتغيرات العالمية،ان تلك الدوافع وغيرها هل هي كافية لتبرير هذه الارتباكة الواضحة والقبول بجميع الشروط الامريكية؟؟ وهل تحسن دول المنطقة اصلا استخدام اوراق الضغط اللتي بأيديها (وهي كثيرة ) من اجل الحصول على بعض المكاسب السياسية والاقتصادية، فيما تثبت التجارب السابقة بوضوح فشلا كبيرا في توظيف نقاط القوة التي تمتلكها بلدان العالم الثالث، وفي النهاية تحتال الأدارة الأمريكية على الجميع ونصبح بعد كل ذلك في طوابير المفلسين، ففي هذه المرة هل تعود السيناريوهات السابقة ونخسر الصفقة مرة اخرى؟
ام الأفضل ان تخوض البلدان العربية والاسلامية اللعبة السياسية وتفعّل اوراق الضغط اللتي بأيديها بالتنسيق فيما بينها وتوفر الأرادة السياسية اللتي تتكفل بذلك من اجل الحفاظ على ماء الوجه في العلاقات الدولية علما ان منطق العلاقات الدولية لا يحترم من لا يحترم نفسه، ومن لم يكن مؤثرا في السياسة الدولية لن يحترم بكل تأكيد.
جمال الخرسان
كاتب عراقي
[email protected]