يملؤني الكلام من الخلايا "الدَوَاعِس" السُفلى، إلى شعرات "النافوخ" العليا، ومع ذلك استكنت بكامل قواي العقليّة، لرغبات "راهب الصمت"، مؤاثراً الانزواء في ملكوته وكهنوته (!).
لم أصدِّق ما أنا عليه، إلاّ عندما قرع المتمرِّد الفلسطيني أسامة عليّان أجراسه في أذني الهائمة، وهو يقطع أثير الصمت، ما بين عمّان الأردنيّة ومدني السودانيّة، قبل ما يربو عن عشرة أيّام. ومنذ هاتف "العليّان" الروحي، وأنا أغالب نفسي ليل نهار، إلى أن انتصرت أخيراً على ذلك "الراهب"، وقرّرت أن أخترق حُجُب الصمت، برغم الأزمة العاصفة التي واجهتني، جرّاء قيامي بتلك المهمّة المُضنِية جدّاً. ومع ذلك، أكمل "عدّاد الغياب" 60 يوماً بالتمام والكمال، منذ آخر مقال، في 10 يوليو الماضي... يا لمرارة الصمت (!).
تصادفت أيّام صراعي الداخلي، من أجل استئناف الكتابة، مع تلاقي رجب وسبتمبر بالمُناصَفة (إذا صحّ التعبير والافتراض)، فحينما بدأ نصف رجب الثاني، انطلق شهر سبتمبر. للحقيقة، لي شخصيّاً دلالات غريبة في التقاء الشهرين، يمكن أن يوافقني عليها من يدرك التناقضات المُذهِلة، بين أشهر الأحداث التاريخيّة، التي ارتبطت بهذين الشهرين.
عموماً، وأنا أجاهد لاختراق حُجُب الصمت، وأجاهد لأمسك بتلابيب لحظة من الحسّ و"الحقيقة" (كما يقول الأديب والدبلوماسي السوداني الراحل جمال محمّد أحمد، مع إضافتي الإجباريّة!)، خلال تلك الفترة ذات الخصوصيّة للمُصافحة الرجبيّة السبتمبريّة، أيقنت أن "أزمتي" الصغيرة في مغالبة "مارد الصمت"، لم تكُن شيئاً أمام أزمات عايشتها من حولي، خرجت من رحم مشاهدات وأحداث محليّة أو دوليّة، تمّت خلال هذه الفترة تحديداً، اختزنتها خلايا العقل والقلب. ولتسمحوا لي بإشراككم في متابعة بعضها، فليس في الأمر افتعال لإثارة "شغب" الكتابة، التي عُدْت إليها دون أحدِّد مشاعري نحوها، بين تبرُّم وارتياح.
.... (1)....
عُدْت للمنزل مساءً يوم الجمعة الماضي (3 سبتمبر)، بعد جولة أُسريّة روتينيّة تحاول قتل رتابة الأيّام. وعند أحد جيراني، علمت بخبر جريمة قتل ذات صبغة خاصّة جدّاً، تكفي لإثارة كافّة المدلولات السياسيّة والثقافيّة والآيديولوجيّة والسيكولوجيّة وغيرها. علمت من ذلك الجار - الذي عاد من زيارة أقاربه في أحد الأحياء الشرقيّة بمدينتي - بأنّ أحد بيوت ذلك الحيّ، استقبل خبراً مُفزعاً، ثمّ جثّة مُقطَّعة دامية، كانت تخصّ طالباً جامعيّاً، ينتمي إلى جامعة سنّار (إلى الجنوب قليلاً من مدينتي الوسطيّة). وفهمت بعد ذلك، أن هذا الشاب، لقي حتفه مع زميلين له - بينما هرب رابعهم - بعد أن ضربهم زميلهم في الغرفة مستخدماً فأساً، وهم نيام.
هؤلاء الأربعة الذين تعرّضوا لـ"ضربات الموت"، ومات ثلاثة منهم، كانوا يمثِّلون مناطق مختلقة من المُقسَّم السياسي والثقافي لما يُعرَّف بـ"الشمال"، في بلادي، بينما كان قاتلهم من "الجنوب"... لكن ماذا حدث (؟).
اجتمع أولئك الأربعة، في إحدى غُرَف داخليّة الطلاّب التي يقطنونها، وجمعهم نقاش سياسي عادي، حول الأوضاع السياسيّة الراهنة، التي تترقّب اكتمال فصول السلام في جنوب السودان، والتي تتعكّر حاليّاً بعاصفة غامضة من الغرب (دارفور). يحتدّ ذلك النقاش أو يهدأ، هذه ليس بالكارثة، وإنّما الكارثة في اللجوء لقرار "الفأس"، لذبح ما يُعدّ افتراضاً كـ"خصم وخصام" (!).
القاتل والضحايا طلاّب جامعيّون، يجمعهم هدف الارتقاء بوعيهم وإدراكهم، ومن ثَمّ الارتقاء بوطنهم، ومع ذلك وقعت الطامّة... لا أحتاج لطرح أيّة أسئلة استنكاريّة أو استدلاليّة هُنا. لكم مُطلَق الحريّة، في طرح ما تشاؤون، فالأمر لا يحتاج إلى تذاكي.
.... (2)....
قبل أقلّ من أسبوعين، وفي أوج أيّام إضراب المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيليّة عن الطعام، علمت بواقعة مشابهة لمعتقلين ليسوا بسياسيين، زجّوا بهم في السجن الكبير بمدينتي. قيل بأن هُناك جرائم تختص بسرقة أبقار وأغنام، بكمِّيات خرافيّة، في إحدى مناطق الإنتاج المميّز للثروة الحيوانيّة، في وسط وغرب ولاية الجزيرة التي أنتمي إليها، مما حدا برجال المباحث بجمع مئات من المشتبهين، ورميهم في ذلك السجن. وأكّد لي أحد الأصدقاء من المحامين، أن أكثر من ثُلثي هؤلاء المُحتجزين، لا علاقة لهم بتلك الجرائم، وقد تمّ تغييبهم عن أهلهم وأعمالهم (أكثرهم يعول أسراً تنتحب وتئن الآن، لغياب عائلها ومُطعِمها!)، دون أن تُوجَّه لهم اتهامات مُحدَّدة، مما حدا بهم في الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام.
وقبل ثلاثة أيّام تحديداً، هوت حافلة ركّاب في مصرف رئيسي ("ترعة أبو سبعين")، في عمق تلك المنطقة المعنيّة بجرائم "الثروة الحيوانيّة". ولا زالت عيون من تابع الحادث، وآذان من سمع به، مشدوهة تماماً بين السماء والأرض، لأن ذلك المصرف الصغير، ابتلع تلك الحافلة غير الصغيرة كليّاً، ولم يتمّ العثور حتّى على شظايا زجاجها، إلى لحظة كتابة هذا المقال. بصفة شخصيّة، قارنت – فوريّاً - بين غموض تلاشي الحافلة، وغموض الاشتباه والاعتقال الجماعي، وغموض ارتباط الحدثين بجذر واحد، فلم أندهش كثيراً، لأنّ القاسم المشترك "دولة غائبة"، لها ما لها من مفارقات مُضحِكة في تحقيق أمن الدولة على حساب أمن المواطن، وفي غلبة الهاجس الأمني على الواقع الإنمائي، بدليل عدم معرفة ما حدث لذلك المصرف، منذ أن تركه المهندس المُستعمِر قبل ما يقرب من 60 عاماً، والإصرار على معرفة دبيب أي نملة، من حلفا إلى نيمولي.
عندما يدركون الفرق في الأهمِّية بالنسبة للمواطن، فيما بين أمان نتائج الإنماء ونتائج إنماء الأمن، سيفهمون بعد ضياع العقود والسنوات، أنّهم أدركوا أخيراً معنى تشكيل الدولة الحقيقيّة، قانونيّاً ومؤسّساتيّاً (!).
.... (3)....
من أطرف ما شهدته فترة المُصافَحة الرجبيّة السبتمبريّة، هو ما سبق الذكرى الثالثة لحدث "11 سبتمبر" المفصلي بأيّام قلائل، من خلال صراع "ديكي" الرئاسة الأمريكيّة (الجمهوري جورج بوش، والديمقراطي جون كيري)، بعد خطاب "الباشا" بوش في مؤتمر حزبه وتهكُّمه من خصمه، ومن ثَمّ الردّ السريع والفوري من "الكرّار" كيري، وهما يتجادلان حول كيفيّة تناولهما لنصيبها الافتراضي الضخم، من "تورتة العالم": بالشوكة، أمّ بالسكِّين، أم بالاثنين معاً (؟).
بالفعل، كان مشهداً طريفاً مُوحياً، يستدعي كتابة بضعة مؤلّفات تختصر الصراع الثنائي البليد، على رئاسة دولة الديمقرطيّة الأولى في العالم، لأكثر من 200 عام. لا أحتاج إلى استيفاء تعليق مناسب هُنا، سأكتفي فقط بجملة قالها الكاتب المسرحي النيجيري جون بيبر كلارك، وهو يختصر مشاهداته، وما وصل إليه، بعد بضعة سنوات قضاها في نيويورك، حينما قال: "كانت الولايات المتحدة تحمل عصا غليظة تسوق بها الكافرين، وصرّة مال تسوق بها المؤمنين. الصديق والعدو سيّان، مسوقان على اختلافٍ في الوسيلة لا الأداء".
في معرض تعليقه، اضطر كلارك إلى استخدام مفردة "كانت"، لكن الحقيقة "ما زالت" (كمفردة فلسفيّة، واستمرار سرمدي!). والأمر سيّان بين بوش وكيري، وبين مفهوم العصا والصرّة ومفهوم الكافرين والمؤمنين، لا شيء يختلف غير الوسيلة، لا شيء غير الوسيلة، ولا داعي لاستباق نتائج السباق المُنتظر، في نوفمبر المقبل.
.... (4).....
ضحايا من الصبية بالمئات، في تلك المدرسة الروسيّة، التي روّعت العالم شرقاً وغرباً. ومع ذلك لم ينهمر السؤال الأهمّ، مع شلال الدمْ: ما هدف الخاطفين، الذي اغتنموا فرصة ذهبيّة – على حدّ زعمهم – بدخول تلك المدرسة، وتخزين أسلحتهم فيها، بسبب أعمال الصيانة (؟).
مهما كان ذلك الهدف، فقد ضاعت معالمه، بمجرّد اللجوء لقرار العُنف، خصوصاً مع طلاّب علم من صغار السن، ناهيك عن كونهم من زُمرة المدنيين، الضائعين بين أوهام الراديكاليين وأطماع الإمبرياليين. مثل هؤلاء اليائسين اللاجئين لقرارات "القنبلة"، في غير موضعها الحقيقي، لا يملكون ببساطة، حقّ المسير مع الباحثين عن حقوقهم وسط ركام الحقائق. وهُنا لا أتفلسف ولا أحاكم أحداً، ولكنِّي أذكِّر مثل هؤلاء، بما قاله الكاتب الروسي مكسيم جوركي: "إن فقد أحد الإيمان بانتصار الحقيقة، إن فقد أحد الشجاعة على إعطاء حياته وبذلها من أجل الحقيقة، إن ارتاب في المستقبل أحد، وانتابه الخوف من تبعاته، فليخرج من صفوفنا. فالذين لم يدركوا رؤيانا عن المستقبل، لا يملكون حقّ المسير معنا".
* كاتب صحافي سوداني
[email protected]




التعليقات