لا شكّ أنّ الخلافات القطرية والضيقة بين الدول العربية كانت تعتبر من الأسباب التي هيأّت للمشهد السياسي العربي الراهن بكل إنكساراته و تداعياته و إنهياراته .
وعدم حلحلة هذه الخلافات والإعتماد الكلي على المصالح السياسية الضيقّة أو الثارات العائلية التاريخية قد أفضى إلى إتساّع الشرخ في الجدار العربي والذي تهاوى كليّة بسبب الإستعمار الأمريكي الخديث المباشر وغير المباشر، وبسبب التمادي الصهيوني إلى أبعد الحدود .
و لم تتمكّن الدول العربية ولحدّ الآن من مواجهة التحالف المقدّس بين الولايات المتحدة الأمريكية و الكيّان الصهيوني اللذين غذيّا إلى أبعد الحدود الإفتراق العربي ودفعا بالخلافات العربية – العربية إلى مزيد من التعقيد و التطوّر الأمر الذي أنتج العديد من الحروب الداخليّة في الجغرافيّا العربية مازلنا نعاني من آثارها إلى يومنا هذا .
وهذه الخلافات الصامتة والناطقة إنتقلت إلى المجال الإعلامي حيث باتت الدول العربية تضبط إعلامها المرئي والمسموع والمكتوب والفضائي على إيقاع حساباتها السياسية .. وكان يفترض أن تجعل الإرادات العربية و صنّاع القرار في العالم العربي الإعلام ينخرط في عملية البناء والمواجهة في آن، بناء النهضة بكل تفاصيلها ومواجهة الغزاة الذين يتربصون بأمتنا ويستهدفونها سياسيا و أمنيا وإستراتيجيا وإقتصاديا وثقافيا وتعليميا و تاريخيا وفي كل تفاصيلنا .
و كان بالإمكان إستغلال الفضائيات العربية التي أصبحت مرجعا حقيقيا في فهم معظم المستجدات عربيا وإسلاميا و دوليّا في إذابة أولاّ الجليد بين العواصم العربية والنهوض بالعلاقات الثنائية بين الدول العربية من جهة، وبناء رؤية سياسية موحدة بعيدة عن ثقافة تصفية الحسابات السياسية الضيقّة التي تتمّ أحيانا بناءا على رغبات أمريكية على وجه التحديد، وأحيانا إنطلاقا من نزعة الإنتقام المتجذرّة في الشخصية العربية و الشخصية البدويّة على وجه التحديد .
وهذا المدخل كان ضروريا لتوصيف حالة الصراع الباطن والظاهر بين الإعلام القطري وعلى رأسه قناة الجزيرة الفضائية و الإعلام السعودي وعلى رأسه قناة العربية و جريدة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن على وجه التحديد، و يبدو أنّ المعركة خرجت إلى العلن وكل طرف يسعى لتصفية الآخر بأيّ وسيلة كانت، ما دامت القيادات السياسية في كل من قطر والسعودية تعتبر هذه الفضائيات من أوراق القوة و يجب إحراقها لإضعاف الخصم السياسي .
وهنا بدأت تتبخّر الآمال الكبيرة التي علقتّها الجماهير في خطّ طنجة – جاكرتا على هذه الوسائل الإعلامية الفضائية التي خرجت من دائرة الإنتصار للشعوب العربية والمسلمة المستضعفة، و من دائرة الإنتصار للشارع العربي و المسلم المكلوم بسياسات حاكميه المحليين و العالميين إلى دائرة تنفيذ سياسات عليا للدوائر الحاكمة والتي تموّل هذه القنوات الفضائية .
وقد أصبح همّ هذا الإعلام السعودي أن يطعن الإعلام القطري ممثلا في الجزيرة التي أوجد علاقة بينها وبين الإرهاب ورموزه من خلال أسامة بن لادن حينا و الزرقاوي في العراق حينا آخر، كما أنّ الإعلام القطري ممثلا في الجزيرة قائم على تعريّة النظام السعودي والتقرّب من معارضي هذا النظام وإفساح المجال أمامهم وفي أحيان كثيرة تتحوّل أخبار تتعلّق بالسعودية إلى عناوين أبرز الأحداث في قناة الجزيرة، وهذه العلاقة المتوترّة بين الإعلام السعودي والإعلام القطري أضرّت إلى أبعد الحدود بالخارطة الإعلامية العربية وإفرازاتها لسبب واحد وبسيط هو :
أنّ قطر والسعودية هما فعليّا حاليّا المسيطران على الإعلام العربي بفضل الجزيرة والعربية وتمتّع هاتين القناتين بهامش من الحريّة و الحرفيّة، وهذا لا يعني أنّه لا يوجد فضائيات عربية أخرى، بل هي موجودة لكنّها رسميّة إلى أبعد الحدود و ملتزمة بالأدبيات السياسية الرسمية لقيادتها السياسية و هي بالتالي تعبّر عن أقلية حاكمة وليس عن هموم الشارع العربي والجمهور العريض الذي يبحث عمن يترجم همومه السياسية و الإقتصادية والفكرية وما إلى ذلك .
ولأنّ الأمر كذلك سيصبح نوع من الإنتحار و بداية فقدان المصداقية إذا إستمرّ الإعلام السعودي والقطري في سياسة الضرب تحت الحزام والتخطيط للإجهاز على الآخر لأنّه وبهذه الطريقة ستلتحق هذه الوسائل الإعلامية بالقيادات السياسية الممقوتة من قبل الشارع العربي وتفقد كل بريق و جاذبية .
والأخطر من ذلك أنّ جمهور الصحفيين العرب الذين لا يملكون مصدر رزق آخر غير العمل الصحفي تخندقوا وحفاظا على لقمة العيش خلف المعسكرين فمنهم من يتحرّك في الخطّ القطري ومنهم من يتحركّ في الخط السعودي و كان الأولى بهم أن يتخندقوا في خطّ الأمّة للدفاع عن قضاياها الكبرى و لتوحيد الجهود لمواجهة المشروع الأمريكي الطاغي .
و لم يكن الإعلام الصادق في يوم من الإيّام هو تنفيذ لسياسة عليا بقدر ما هو إنسجام مع الحدث الذي تصنعه الجماهير، ومتى ما أصبح الإعلام إنعكاسا لنفسية صناع القرار وترجمان لرؤاهم فسيصبح عندها بوقا ممجوجا من قبل الجميع .
وهنا أبدي إستغرابي من الأستاذ وضّاح خنفر مدير قناة الجزيرة كيف يبرمج لقاءا مع العقيد معمّر القذافي الذي كان يجب تكليف مترجم عربي يترجم لنا كلامه بلسان عربي مبين في عشية قطع العلاقات السعودية – الليبية و الحديث عن خطّة لإغتيال وليّ العهد السعودي الأمير عبد الله، وهل عقمت الأرحام في الساحة العربية و خلت هذه الأخيرة إلاّ من القذافي، كما أبدي إستغرابي من الإستراتيجية الجديدة التي يتبناها رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط الشاب طارق الحميّد الذي إنتقل من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم وراح يعدّ ملفات تنأى بحملها الجبال ضدّ قناة الجزيرة .
الشارع العربي في حاجة إلى قناة الجزيرة و إلى قناة العربية، وفي حاجة إلى جريدة الوطن القطرية كما إلى جريدة الشرق الأوسط، لأنّ إختفاء هذه الوسائل الإعلامية بعد المنار سيبقي المجال مفتوحا أمام فضائية الحرة و إذاعة سوا وإيديعوت إحرنوت و جروزيلم بوست وذلك هو المطلوب أمريكيا وصهيونيّا .
- آخر تحديث :




التعليقات