قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تعيش منظمات المجتمع المدني في عراق اليوم سواء تلك التي تشكّلت في المهجر قبل سقوط النظام السابق أو التي تشكلت في داخل العراق بعد سقوطه وضعاً صعباً وقاسياً ويكاد يكون نجاح مساعيها في نشر الديموقراطية وبناء مجتمع مدني متمدن في العراق ضرباً من ضروب الخيال في ضوء الواقع المرير الذي يعيشه المجتمع العراقي.
أن أسس بناء المجتمع المدني في عراق اليوم هي غير موجودة تقريباً وأن وجدت فهي صعبة المنال نتيجة لطبيعة تركيبة هذا المجتمع أضافة لما تعرضت له هذه التركيبة أصلاً من تشويه متعمد على يد بعض مستعمريها تارة وبعض حكامها تارة أخرى..
فتركيبة المجتمع العراقي الدينية التي يغلب عليها الطابع الطائفي وتركيبته الأجتماعية ذات الطابع العشائري أضافة لقرون القهر والأضطهاد التي عاشها
العراقيون أيام الأستعمار العثماني ومن ثم تسلط مريدي المدرسة الناصرية القومية الذين سطو على حكم العراق بعد 8 شباط 1963 ولم يتم تخليص العراق منهم ومن شرورهم ألا بعد 9 نيسان 2003 خلّفت بعد هذا التأريخ مجتمعاً عراقياً مشوهاً الى حد بعيد ومليئاً بالأمراض والعقد النفسية والأفكار المشوشة التي يعجز عن علاجها عمالقة علم النفس البشري كفرويد وبافلوف.. وبات على هذه المنظمات التعامل مع هذه التركة الثقيلة من المشاكل ومحاولة أنقاذ ما يمكن أنقاذه من بقايا هذا المجتمع من أجل البدء ببناء مجتمع مدني جديد لعراق جديد يصلح لأن يكون وطناً لجميع أبنائه.
لقد بدأت تباشير المجتمع المدني تظهر في كل من مصر والعراق في نفس الوقت تقريباً وذلك أبان العهد الملكي الذي حكم البلدين في النصف الأول من القرن المنصرم بسبب ظهور نخب التنوير الواعية والمثقفة آنذاك والتي تبنّت حينها وبشجاعة مهمة تأسيس وبناء مؤسسات هذا المجتمع لكن ظهورالأحزاب ذات الطابع الشمولي وأنخراط أغلب الشباب ومن ثم النخب في هذه الأحزاب جعلها تخوض مع بعضها البعض صراعاً كان في أغلب الأحيان دموياً وتحول حوار المفاهيم الذي كان من المفترض أن يجري بين أبناء الوطن الواحد الى حوار للدم بين هؤلاء الأبناء على حد وصف المرحوم طالب شبيب الذي كان أحد الذين شاركوا في حوار الدم الذي طغى لونه على العراق طيلة عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.. ونتيجة لهذا الحوار والصراع الدموي الذي لا يزال البعض يتغنى بأيامه ويصفها على أنها أيام نضال أنهارت أسس المجتمع المدني في العراق وضاعت ملامحه التي بدأت بالظهور بشكل واضح في المجتمع العراقي قبل ظهور هذه الأحزاب الدموية.. أما في مصر فقد كان الأمر مختلفاً بعض الشيء أذ على الرغم من أنخراط بعض النخب المصرية في الأحزاب الشمولية لتلك الفترة ألا أن بعض هذه النخب ظلّت وفية للمباديء الديموقراطية والليبرالية ولفكرة المجتمع المدني الذي ناضلت من أجل تأسيسه في بلدها وظلت تخوض صراعاً مريراً من أجل هذه المباديء مع السلطات والحكومات المصرية المتعاقبة لذا فأن ملامح المجتمع المدني ومؤسساته لا تزال موجودة بشكل واضح في المجتمع المصري على الرغم من عدم فاعليتها على المستوى الشعبي والجماهيري.
أن منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في أي مجتمع تمثل حالة وسط بين العام المتمثل بالحكومة أو السلطة التي تحكم هذا المجتمع عن طريق دوائرها وأجهزتها الأدارية وبين الخاص المتمثل بالمجتمع بكافة مؤسساته وأشكاله المعروفة لذا فعليها بالنتيجة أن تحارب على جبهتين مختلفتين وضد توجهين مختلفين في كل شيء بأستثناء النظرة الشمولية التي تطغي على عقلية كلا الجانبين في أغلب الأحيان..
فعلى منظمات المجتمع المدني في عراق اليوم أن تكون الرقيب الأمين على عملية تشكيل النظام السياسي وبناء السلطة السياسية للدولة العراقية بعد عقود من سيطرة فكر شمولي مشوه ونظام ديكتاتوري بشع على مقدرات البلاد والعباد لمنع وقوعها مرة أخرى في فخ الفكر الشمولي والسلطة الديكتاتورية.. كما عليها أن تتعامل الآن بحذر مع مجتمع أبوي كالمجتمع العراقي عاش لقرون في ظل حكومات مستبدة ومتسلطة وتحكمه علاقات أجتماعية قبلية وعشائرية وتتحكم في معتقدات أبنائه الدينية سلطة الأب التي يمثلها رجال الدين الذين يتمتعون بسطوة على عقول وأفئدة هؤلاء الأبناء لدرجة لم ولن تستطيع تجاوزها أي شخصية وطنية عراقية مهما كانت تمتلك من كاريزما خارقة. أن مصطلحات ومفاهيم كالديموقراطية والعلمانية والمساواة وحقوق الأنسان وحق المواطنة والحريات الفردية هي اليوم مصطلحات تعتبر غريبة ودخيلة على المجتمع العراقي الذي أصبحت نسبة كبيرة من أبنائه تراهن على الأسلام السياسي لكي يكون الأساس الأول والأخير لمفهوم السلطة السياسية في بلدها بعد أن جرّبت وخاب ظنها في غيره من الآيديولوجيات السياسية سواء كانت قومية أو يسارية.. لذا فأن مهمة منظمات المجتمع المدني في عراق اليوم وكما ذكرت سابقاً تبدو صعبة جداً وربما مستحيلة على المدى القريب بسبب أنبعاث التطرف الديني وعودة النزعات الأثنية والعشائرية والقبلية في المجتمع العراقي الذي كاد أن يتحول في يوم من الأيام
الى مجتمع مدني لولا أنقلابات العسكر المشؤومة.

مصطفى القرة داغي
[email protected]