قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يقبل العراق على أهم تجربة ديمقراطية بتاريخه ألا وهي الانتخابات، وحينما نقول أول مرة بتأريخ العراق فإننا نقصدها فعلا وليس دعاية لعملية الانتخابات، ففي تاريخه القديم قرأنا في المثيولوجيا التي عكست الواقع البائس للشعب بظل حكم الطاغية، ففي ملحمة جلجامش الخالدة نجد وصفا لجلجامش العظيم كما كان يسمى :

ثلثاه اله وثلثه بشر،
ما لهيئة جسمه من نظير
كثور وحشي
يرفع رأسه عاليا
بأس سلاحه بلا شبيه
وعلى صوت الطبل يوقظ رعيته
ثار أهل أوروك في بيوتهم
لا يترك جلجامش ابنا لأبيه
ماض ٍ في مظالمه ليل نهار
وهو الراعي لأوروك المنيعة
هو راعينا القوي الوسيم الحكيم
لا يترك جلجامش بكرا لأمها
ولا ابنة لمحارب أو صفية لنبيل.....
إلى آخر صفات الاستبداد التي قلدها ملوك وقادة هذه البلاد بعده عبر التأريخ..فنبوخذ نصر كان قد سمى نفسه ملك الجهات الأربع، ووحد بسيفه غصبا أقواما وشعوبا غير متجانسة ولا يمكن صهرها بساعة نصر إلا تحت سياط الذل والعبودية، يعني أننا نستطيع أن نلخص ما مر بالعراق ونقول انه لم يشهد بتاريخه القديم والحديث استراحة ديمقراطية طويلة في تأريخه ليتعلم ويتذوق طعم الحرية والمساهمة برسم سياسة البلد، فكل العصور التي مرت على شعبه منذ القدم مرورا بالفترة الإسلامية التي حكمته بها ولاة وأمراء لا يختلف اثنان على الشهادة ببطشهم وإجحافهم بحق الناس، كالحجاج بن يوسف الثقفي، صاحب مقولة : أرى أرؤسا قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها، وكان الحجاج يدهدي الرؤوس بين سيقان الناس ويقتلهم رعبا وإرهابا، وأبو العباس السفاح، وغيرهم الكثير، فالقائمة تطول ولا يمكن حصرها وآخرها أبشع طغاة التأريخ، صدام حسين.
من هنا تكون المساهمة بالعملية الانتخابية هو أول عرس للشعب العراقي مع الديمقراطية، مهما يكن أسلوب هذه العملية، ومهما تكن النتائج فلابد للشعوب من أن تجرب حتى وإن أخطأت وتعثرت أو لم تكن النتائج كما توقعناها، فستبقى تجربة أولى نتعلم منها معنى الديمقراطية التي نسمع بها ولا نراها طوال التأريخ، ولتكن لنا درسا نستفاد منه للمستقبل الذي نريده ديمقراطيا مشرقا بعد سنوات القهر والحرمان المريرة.
لكنني هنا أريد الحديث عن مشاركة المرأة العراقية التي تشكل ابرز أعمدة العملية الانتخابية، فهي الفئة العظمى للشعب العراقي، كانت مساهمة المرأة منحصرة في منظمة نسوية قسرية وحيدة تابعة لحزب البعث ونظامه،لكن ما إن رحل الديكتاتور حتى قفزت نسبة المشاركة النسوية الفاعلة في الأحزاب إلى أرقام قياسية،مضاف إلى هذا دورها الأساسي الحالي في أكثر من 500 منظمة نسوية
كما اكدت ذلك السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية في العراق حسب الدراسات المتوفرة، وذكرت أن ما نسبته 80% من النساء العراقيات كن يعرفن القراءة والكتابة قبل عام 1978، وكادت الأمية أن تختفي لولا صدام حسين وسياسته الرعناء وحروبه غير المنتهية إلا بانتهاء حكمه، إلا أن تلك النسبة تراجعت إلى 60% في إحصاء عام 2003، لكن رغم هذه الانتكاسة الثقافية، فمازالت المرأة العراقية تحتفظ بتراث كبير وعميق لنساء رائدات مكافحات مصممات على السير قدما في الدفاع عن حقهن بالمساواة والحياة الحرة الكريمة.
إن المرأة العراقية عانت الكثير خلال السنوات الماضية فقبل عام 1978 كانت المرأة تمثل 48% من المجتمع وهي ألان تمثل 55%. وما جاءت تلك الزيادة إلا بسلسة حروب بائسة ومقابر جماعية امتزجت فيها عظام لخيرة رجال العراق ومناضليه، استطاعت المرأة العراقية تجاوز محنتها تلك، مثلما تغلبت على كل المآسي والانتكاسات السياسية التي مرت بالعراق، ودخلت السجون والمعتقلات، حملت السلاح واستشهدت أسوة بأخيها الرجل، وقد خرجن رغم كل ما حل بهن إلى الحياة ليفكرن ويكتبن ويناضلن، مما يجعل ثقتنا بقدرات المرأة العراقية كبيرة ولا تتزعزع، إنها تخرج اليوم من الأنقاض لتمزق السواد شيئا فشيئا وتشمخ كتمثال الحرية في وسط ظلمات الإرهاب والفكر السلفي السائد في بلدان الدكتاتوريات العريقة.
لقد منح قانون إدارة الدولة للمـرأة حقها في المشاركة بنسبة لا تقل عن 25% في الجهاز التشريعي والتنفيذي وبهذا أتاحت تلك التجربة ما يدفع بالطموح إلى الأجمل لتحقيق دورها الفاعل والمؤثر في العملية الانتخابية القادمة.
إن حصاد كل نضال المرأة العراقية وطموحها المتشوق للنور لا تحققه إلا القائمة التي تطرح برنامجا يرفع شعار المساواة بين المرأة والرجل، فالقائمة التي طرحت فكرة المساواة رغم شيوع الأفكار السلفية التي يرعاها الإرهاب، ورغم قطع الرؤوس والتفجيرات والدمار الذي تشيعه قوى الظلام الراغبة بإبعاد المرأة عن المساهمة بالواقع السياسي، وخلق نموذج اقرب ما يكون إلى نموذج المرأة في أفغانستان طلبان، هي القائمة التي تستحق أن تحصل على أصواتنا نحن النساء، وهي القائمة التي يستطيع من يطرحها حتما على تحقيق حلم المرأة، والقائمة التي تطرح المساواة تضم ذات العراقيين الذين اسقطوا قرار 137 الداعي إلى إلغاء قانون الأحوال الشخصية والعودة بنا لقوانين وأعراف القرون الوسطى.
أناشد بنات العراق جميعا، أن لا ينخدعن بشعارات بعض القوائم التي تريد شراء أصواتنا بكلمات معسولة، حيث يطرح البعض كلمات ناعمة مثل " المرأة هي ألام الحنون والزوجة الحبيبة " وغيرها مما يدعون أنها تكريم للمرأة وما هي إلا مجرد كلام معسول وجمل ترددت في قواميس العرب منذ اكثر من أربعة عشر قرنا، كلمات لم تحرر شيئا ولم تشرع لنا ما يحفظ ابسط حقوقنا عبر العصور، وها أننا نرى حياة النساء في بعض البلدان الاسلام ولنتعظ من بعض القوائم التي تريد بناء مجتمع على هذه الشاكلة، لا يزيد المرأة إلا عذابات ودخول إلى نفق اكثر عمقا وعتمة واشد حلكة.
يا بنات عراقنا الذي يولد من جديد، لنعطي صوتنا لمن شهدت الأحداث انه يريد لنا فعلا الحرية والمساواة ومساهمة اكثر من نصف المجتمع العراقي بقيادة العراق صوب السلام والحياة الحضارية الكفيلة بأمومة وطفولة هانئة، بحياة لا حروب ولا استعباد للمرأة فيها، حياة قائمة على أساس حقوق الإنسان، المساواة والعدالة الاجتماعية، فصوتنا يمكن أن يغير العديد من المفاهيم خلال الانتخابات القادمة، فعلينا أن لا نتجاهل أهمية هذا سيما وان تمثيل النساء في البرلمان العراقي بين 25% على الأقل و33% من إجمالي عدد أعضاء البرلمان العراقي البالغ 275 عضوا، وهو بهذا يحقق للديمقراطية العراقية تمثيلا نسويا ورقما عالميا في أعلى نسبة تمثيل فاقت حتى كندا التي وصلت إلى 21.1%.
الأبواب مفتوحة على مصراعيها لنساء العراق اللواتي أعطين الكثير، أراملنا، ثكالانا، وبناتنا المحرومات من ابسط حقوقهن، أطفالنا اليتامى الخمسة ملايين، كل ذاك سينهض، لابد وان ينفض عنه غبار الحزن لينظر إلى المستقبل وليساهم وليختار الحياة والحرية والمساواة.
فيا بنات الرافدين، يا أخوات وزوجات وبنات الشهداء، لنتحمل معا مسؤولية كوننا الرائدات اليوم في تجربة المشاركة في العملية الانتخابية في العراق التي ستكون أولى تجارب الشرق الأوسط وأهمها على الإطلاق.
لنمزق الشعارات الخداعة ولنرفع الشعار الأوثق والأكثر جرأة ألا وهو مساواتنا مع أخينا الرجل، لنقطف بعد التضحية شيئا نستحقه من الثمر، وليهطل في العراق المطر.....

13-1-2005