قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


هل أمر الرسول أصحابه بانتزاع الدول والممالك من أيدى الملوك والحكام وضمها بالقوة تحت حكم فرد واحد عربى يرثها عنه أبناؤه فيما بعد ملكا دنيويا خالصا سائغا لهم من دون العالمين؟

الهذا بعث الله رسوله الى هذا العالم..؟!!

وهل ذلك هو معنى قوله تعالى: وما أرسلناك الا رحمة للعالمين؟!

ما هو هدف الفتوحات فى أول أمرها وكيف تحولت بمضى الزمن الى أكبر عملية استعمار مسلح فى التاريخ؟

فى هذه الوقفة المتواضعة محاولة للفهم

ربما يتسرع القارئ الكريم بالإجابة التالية

بالطبع لا..... فالرسول أسس دولة يتم فيها العمل بكتاب الله وشريعته تنفيذا لأوامر الله عز وجل ( إذ أن الإسلام دين ودولة ) ، ولو أن الأمر ضل طريقه بمضى السنين وتحولت الخلافة الى ملك وراثى فذلك خطأ فى التطبيق وليس نفيا للفكرة ذاتها.. وهذا الوزر يحاسب عليه أبطاله الكبار عبر التاريخ سواء كانوا حكاما أو علماء..

يا أخى القارئ انا معك.. وأنا هنا لا أناقش كون الحكم دينيا أو مدنيا علمانيا.. بل انى أخالف وأختلف مع ما قاله صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم فى تلك المسئلة.. لكنى أدعوك للرجوع لسؤالى الأول وتأمله جيدا..

هل أمر الرسول بتكوين دولة خلافة كبرى تمتد حدودها من المحيط للمحيط وتضم تحت نفوذها أغلب شعوب البشرية؟

بداية دعونا نتفق مع ثوابتنا القائلة بأن الإسلام يشمل العبادات ونظام حكم الدولة فى نفس الوقت.. ونضرب بذلك بكتاب على عبد الرازق عرض الحائط..!

ما يهمنى وما أريد اثباته الآن هو أن الرسول لم يهدف أبدا لتأسيس ذلك الملك الواسع المدعو.. دولة الخلافة.. ولم يشر اليه فى صحيح ما ورد عنه من أحاديث.. وأنه صلى الله عليه وسلم انتقل الى جوار ربه دون أن ينظم ذلك الأمر أو يقنن له..!! ناهيك عن عدم وجود ما يشير اليه من قريب أو بعيد بين آيات القرآن المجيد.

أخى أريد منك أن تتخيل الآتى

ماذا لو أن ملك الروم قد قبل دعوة رسول الله الى الإسلام... فدخل فيه طوعا وأفسح الطريق للدعاه لدعوة الناس داخل دولته وتعليمهم أمور دينهم.. وترتب على ذلك بالطبع أن يتم العمل داخل تلك الدولة بقوانين وأحكام الشريعة الإسلامية...؟

ترى: هل كان يأمر الرسول أصحابه ( مع ذلك ) بتجريده من ملكه وضم هذه الدولة الى دولة الخلافة الناشئة؟

الإجابة.. لا

ترى.. هل يبقيه فى ملكه ثم يأمره ( والملوك الذين سيخلفونه من بعد موته ) بالخضوع والتبعية لفرد عربى ( قرشى ) من صحراء الجزيرة يعيش فى المدينة أو دمشق أو بغداد يطلق عليه الناس اجتهادا منهم اسم الخليفة فينزل على ارادته.. وإلا عزله؟

الإجابة.. لا.. فلا سند من الكتاب أو السنة يفرض ذلك أو يدعو اليه!! كما أن طبيعة الدين نفسه غير منفرة ولا غبية بهذا الشكل الذى يستفز أى نفس حرة أبية مارست الحكم وذاقت طعم الملك وخاضت المعارك من أجله.. وتعلم معنى حرية الوطن واستقلال ارادته.. حتى أمام رغبة من يلقبه الناس الخليفة

أخى القارئ

تخيل لو أن هذا المثال تكرر هنا وهناك فى أكثر من دولة.. أكان يستبيح الفاتحون حدود هذه الدول.. وينزعون ملكها لتوحيدها تحت راية ما يسمى ب( دولة الخلافة )؟

لا.. لا.. لآ

فماذا كان غرض الفاتحين من البداية؟

الغرض واضح يا قوم

طبيعة هذا الدين مختلفة عن الأديان التى سبقته.. فهو لسائر العالمين.. وكتابه هو المهيمن على سائر الكتب التى سبقته ، والحمد لله الذى أسعدنا وشرفنا بالانتماء اليه..

فكيف يكون محمد مرسل للناس فى شتى قارات الأرض بإمكانياته البشرية المحدودة وعمره المحدود... ولا طائرات ولا وسائل اتصالات ولا شبكة معلومات؟.. كيف ينتقل اليهم ويسمعهم صوته كما فعل فى أم القرى ومن حولها؟

ان لى وجهة نظر فى تعريف الصحابة وتعريف وتحديد وظيفتهم التاريخية أقولها لكم..

الصحابة هم امتداد لجسم وعقل ولسان وخلق وسلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين طال بهم أطراف الأرض شرقا وغربا... وانتشر بهم عبر المكان والزمان..

هل أدركت مغزى كلامى وما أرمى اليه؟!

انهم ليسوا مجرد علماء أو فاتحين محاربين

انهم قبل كل ذلك وفوقه الامتداد الطبيعى والحقيقى لرسول الله الذين أتم الله بهم نشر هذا الدين وإبلاغ الرسالة للعالمين... فهم شركاء له صلى الله عليه وسلم فى اتمام هذا الأمر.. ومنزلتهم عند الله ليست كمنزلة أى من التابعين لهم ممن جاء بعدهم

والله ان قلبى ليخفق وأنا أكتب هذا الكلام حبا وهيبة وإجلالا لهم.. وأدرك الآن كيف كان الرسول يحب عمر ويشبهه بموسى ويشبه أبى بكر بإبراهيم الخليل.. وعلمت مغزى قوله عنهم.. (أصحابى كالنجوم.. بأيهم اقتديتم اهتديتم).. وكيف كان الله يؤيدهم بالملائكة تثبيتا لهم وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم.. وكيف كان عمر يرى ببصيرته عندما صاح.. يا سارية..الجبل.. الى آخر مظاهر التكريم والحفاوة الربانية التى نعرفها جميعا..

كان هؤلاء السادة الكرام الأبرار لا يطمعون فى ملك ولا زينة قدر ما كان همهم انفاذ الرسالة واتمام بعثته صلى الله عليه وسلم.. تذكر كيف كانوا يتواصون قبل المعارك بعدم حرق أو قطع النخل أو الشجر وعدم ترويع الآمنين نساء وأطفال ورهبانا وشيوخا.. وألا يهدموا ديرا أو معبدا..!!
انهم كانوا كالملائكة لا يحملون الا رسالة السماء.. ويحملونها لمن؟
لرأس الدولة.. للملك أولا.. الحاكم الأعلى..

تطرق الرسل أبواب الملك: اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين

كانت تلك الطريقة المفعمة بالعزة والكبرياء والثقة المطلقة فى تأييد ونصر الله.. هو مما يليق بجلال الله رب العالمين.. ومنزلة هذا الدين الخاتم فى التاريخ البشرى كله
فإن أبى الحاكم الدعوة.. وأبى أيضا دفع الجزية (أو الضريبة).. صار بذلك ( هو وجيشه ) عقبة كأداء أمام وصول رسالة الله الى الناس من رعايا ذلك الملك المغرور.. ويصبح الحل هو: ازاحة تلك القوة المسلحة من طريق الدعاة الى الله والإطاحة بذلك الملك..

فإذا انتهت المعارك.. كان على الفاتحين تشكيل حكم انتقالى مؤقت يشرف على عملية الدعوة داخل ربوع تلك المملكة ويبدأ فى إعادة صياغة دستورها القديم بما يتوافق مع شرع الله..

فإذا مرت الأعوام وصارت الأغلبية مسلمة.. قام قائد الفتح الأكبر الراشد ( عمر أو أبو بكر مثلا ) بعزل الحاكم العربى الذى تولى الحكم المؤقت فى تلك الدولة وولى بدلا منه من أهل تلك الدولة من هو أكثرهم ايمانا و أتقاهم لله وأصلحهم خلقا وعلما وسياسة وادارة

فيعود للبلد المفتوح استقلاله

وعندئذ يرحل الحاكم العربى بين قواته وقد أنجز أشرف مهمة حملها انسان فى التاريخ بعد الأنبياء والرسل

لعلك تتصور أنى أهذى بهذا الكلام

دعنى أكمل لك

ترى كم تبلغ تلك الفترة الانتقالية من حكم العرب المؤقت للدولة المفتوحة؟

وأجيبك.. ربما خمس سنين.. أو عشرة.. أو حتى خمسين... فذلك يتوقف على ظروف تلك الدولة وأحوال شعبها ومدى خلوها من الفتن والاضطرابات ومدى تحقق الاستقرار السياسى والعقائدى بين أهلها.. ومدى انسجامهم وتأقلمهم مع القضاء الإسلامى وأحكامه المختلفة فى شئون الدين والدنيا...!!

وكان سير الأحداث ابان فترة الخلافة... ( الراشدة )... لا يخرج عن هذا الخيال الذى أرويه هنا..

لكن ماذا حدث بعد ذلك..؟

تحقق فى الناس قول الرسول ( أخشى ما أخشاه عليكم الدنيا من بعدى.. أو كما قال صلى الله عليه وسلم )

فبعد اتساع الدولة فى عهود أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم وبلوغ رسالة الله على يد الفاتحين الأوائل الى مساحات هائلة من الأرض.. بدأ لعاب (غير المخلصين - أو قل المنافقين ) يسيل.. للحكم والملك والدنيا..

انتهى بنهاية عصر الراشدين ذلك العهد الذى كانت فيه الصحابة تقوم بالفتوح لأجل الدعوة وحدها وإبلاغ رسالات الله وخرج معاوية على النهج القويم ففرض نفسه على الدنيا.. وانتزع ملك تلك الأقطار المفتوحة الى الأبد ،... ثم انتزاعه ولاية العهد لابنه ليضمن بقاء ذلك الملك الهائل فى بيته ونسله

السؤال الذى يشغلنى الآن:

حتى لو كان معاوية بارا تقيا عادلا:

هل الشعوب كانت بحاجة لحاكم عربى قرشى يحكمها.. ويطبق فيهم شرع الله.. ليس عاما أو اثنين... بل مئات الأعوام؟

أعجزت تلك الشعوب عن حكم نفسها بنفسها بحاكم من أبناءها ، وتطبيق شريعة الله على نفسها دون خضوعها بالولاء السياسى لحاكم أجنبى عربى كان أو تركى؟!!

لو كنت أنا شخص ضال.. ثم دعوتنى أنت للإسلام فاستجبت لك ودخلته طائعا مختارا.. أيبيح ذلك لك أن تنصب من نفسك واصيا على كل تصرفاتى وأعمالى الى أن ينتهى أجلى..؟! هل أقبل منك تلك المهانة لمجرد أن لك على فضل الدعوة؟.. بالقطع لا..!.. كذلك الحال بالنسبة للشعوب أخى القارئ

أرجو ألا تتسرع فتحدثنى عن تقسيمات وحدود صنعها الاستعمار الحديث وأن الناس فى الحقيقة ما هم الا أمة واحدة.. لا.. فقد جرت سنة الله منذ الأزل أنه وزع خلقه فى الأرض.. شعوبا وقبائل..!! ولم يأمر باتحادهم فى أمة واحدة وانما دعاهم للتعارف والوئام - ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.. ان أكرمكم عند الله أتقاكم).. والتعارف والتواد قابل للتحقق (خلال تبادل التجارة والهجرات لطلب العلم ونشره ومواسم الحج وغير ذلك.. ).... والقرآن يقول.. ( ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة.. ) والآيات فى هذا الباب واضحة ومتعددة..
الناس أمم منذ الأزل يختلفون فى كل شىء - لغة ولونا وموارد وطبيعة أرض يعيشون عليها وحضارة أو بداوة ويختلفون كذلك فى درجة استعدادهم للنمو والنهوض الحضارى وارتياد الآفاق.. الناس مختلفين ولا يزالون مختلفين... وهذا حكم الله!

وإلا لو ظهرت الثروات الطبيعية فى بقعة من الأرض.. هل على الحاكم العام للعالم أوالخليفة أن يأخذ من هذا المكان ليغرق أدغال أفريقيا التى تملأها المجاعات.. وذلك طبقا لمبادئ العدالة.. أليسوا أبناء بلد واحد ، وهو يحكمها؟

نستطيع أن نمضى فى هذه الفروض وكلما مضينا تبين لنا استحالة قبول العقل لمثل هذه الدولة العالمية الهائلة لأنها ستكون عقبة ضخمة جدا فى سبيل النمو الحضارى الطبيعى الذى لا يقوم كما أثبت التاريخ إلا على القوميات والشعور الجارف بحرية الإرادة والاستقلال.. بل والشعور بالخطر وضرورة الاستعداد له.. والدخول فى حروب اذا لزم الأمر

سوف يكون حكم الخلافة المركزى العام ( الذى يطبق قوانين موحدة ) غير صالح للتطبيق باختلاف المكان والبيئة ودرجة النمو الحضارى.. فكلنا يعلم قصة الإمام الشافعى وما كان من تغييره من مذهبه لمجرد انتقاله من بغداد الى مصر.. وذلك لما وجده فى مصر من ظروف جديدة ومستجدات لم يكن يعلمها من اختلاف طبائع العمران وقوانينه واختلافات البيئة والأنظمة المتبعة فى حياة البشر الاقتصادية والمعاشية.. والسؤال.. ماذا لو ذهب الشافعى للإقامة فى الهند أو أدغال افريقيا المسلمة أو جنوب القارة الأوروبية...؟
نرى من ذلك أنه.. سيتحتم على الحاكم العام لدولة الخلافة المزعومة اذن أن يغير من المذاهب والشرائع الحاكمة لأجزاء دولته باختلاف المكان والموقع الجغرافى وطبيعة البشر وإلا فسد أمرها

أو باختصار

ستكون دولا متعددة.. تحكمها مذاهب وقوانين تزداد اختلافا بازدياد عوامل تباينها...

وتسقط عندئذ كل مبررات قيام دولة واحدة..

أيها الإخوة

لقد قام الإسلام بتحرير الرقيق من قيود وأغلال أدمت أعناقهم وكرامتهم عصورا مديدة.. لكن ما حدث أن المسلمين استبدلوا ذلك باستعباد شعوبا وأمما بأسرها باستحداثهم فكرة الخلافة
لم يكن لسان عمر بن الخطاب مجانبا للصواب عندما قالها مدوية لعمرو بن العاص نصير معاوية:

(((..... متى استعبدتم الناس.. وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!!..... )))

أيها الإخوة.. لم يكن ما حدث خلال كل تلك القرون الا احتلالا مسلحا لأمم وشعوب كل جنايتها أنها رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا..

كان الثمن حرمانهم من استقلالهم وحريتهم وقوميتهم ( وكلمة - قوميتهم - هنا ليست كريهة.. فهى تنطوى على كل يتميز به أهل بلد ما من مواهب طبيعية وتراثية وجسمانية وعقلية.. الخ )..

ماذا يعنى أن تبقى دولة أوروبية كالأندلس تحت حكم حاكم عربى يتحكم فيها وفى مقدراتها مئات السنين ( حتى لو طبق كل مبادئ العدل والرحمة ).. هل كان الأسبان بحاجة لرجل من صحراء الجزيرة كل تلك القرون ليحكمهم؟

وثمة سؤال أخير:

ألم يثبت التاريخ أن الأغلبية الساحقة ممن ظهروا من الفقهاء والعلماء والفلاسفة عبر تاريخ هذه الدولة الاستعمارية الكبرى.. كانوا من أصول غير عربية.. أو من الموالى كما كان يحلوا للعرب تسميتهم؟

أهؤلاء الموالى كانوا عاجزين عن تطبيق حدود الله وشريعته.. ( كل شعب داخل حدوده ) دون اهدار لكرامته وكبريائه على هذا النحو..؟
وفوق ذلك.. ألم تعانى شعوب الأرض تحت حكم تلك الدولة من الفقر والجهل الشديدين طوال فترة عمرها المديد.. وحتى دخول القرن التاسع عشر..؟
فأين هى تلك الحضارة والازدهار... والشعوب جائعة عارية جاهلة.. اقرأوا التاريخ بضمير حى

ليست الحضارة هى مجلس الرشيد والمأمون أو بعض الخلفاء المعدودين على الأصابع.. والشعوب محلك سر. قرونا وقرونا والوضع على ما هو عليه.. بالله أى حضارة تلك.. وأين كانت عندما نهض الأوروبيون أكبر نهضات التاريخ واجتاحونا ذلك الاجتياح المخزى..

لا تبكوا على ضياع دولة الخلافة ولا تتغنوا بأمجاد بائدة زائفة.. استغفروا ربكم وانظروا ماذا فرطتم فى جنب الله واعملوا لغد فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

حسن عبد اللطيف - الولايات المتحدة الأمريكية