قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


هنالك الكثير من المفارقات الغريبة على الساحة السياسية العراقية بدئنا نقرأ عنها ونسمع بها بل ونشاهدها على صفحات الأنترنت وشاشات الفضائيات خصوصاً مع أقتراب موعد الأنتخابات سواء في مواقف بعض الشخصيات السياسية أو حتى بعض الأحزاب التي كانت حتى الأمس القريب على حال واليوم هي على حال غير ذلك الحال.. فسبحان مغيّر الأحوال من حال الى حال.

المفارقة الأولى كانت في ما تردد قبل أيام على لسان أحد قياديي حزب عراقي كان حتى الأمس القريب ذو توجهات علمانية وديموقراطية وليبرالية لكنه أصبح اليوم وبقدرة قادر ذو توجهات دينية وطائفية ودخل في تحالفات حزبية مع أحزاب وتيارات وقوى ذات توجه ديني بعيد كل البعد عن التوجه العام لهذا الحزب ولرئيسه الذي كان يعتبر على مدى السنوات التي سبقت سقوط النظام بل وحتى لحظة سقوطه رمزاً من رموز العلمانية والليبرالية ألا أنه سرعان ما تنكّر لهذا التأريخ وأصبح عازفاً من الطراز الأول على الوتر المذهبي والطائفي في سبيل الوصول الى منصب ما في السلطة.. فقد وَصَف ذلك القيادي دور دولة جارة شبه ديموقراطية تقوم اليوم بتدريب منتسبي وكوادر جهازي الشرطة والجيش العراقيين على أنه " مؤذي للعراق " في حين وصف دور دولة جارة أخرى شمولية تقوم اليوم بتقديم العون لقتلة هؤلاء المنتسبين وهذه الكوادر وتسعى يوم بعد آخر لزعزعة الأمن والأستقرار في العراق وتدمير أرضه وشعبه على أنه " حيوي لبناء العراق وترسيخ التجربة الديموقراطية فيه ".. ولا أدري حقيقة كيف يمكن لدولة شمولية ذات نظام راديكالي أن تساهم في ترسيخ التجربة الديموقراطية في دولة أخرى وهي نفسها غير ديموقراطية بل ولا تؤمن بالديموقراطية أصلاً.. المؤسف هو أن يأتي هذا الكلام من شخص عاش جزئاً كبيراً من حياته في الغرب ويدّعي أنه علماني بل وينتمي لحزب كان علمانياً حتى النخاع ولكنها السياسة بواقعها ومتطلباتها التي تَهون عندها المباديء بل وترتدي ثوباً غير ثوبها حتى أذا تحققت الغايات نزعته عنها وأرتدت ثوباً آخر يوصلها لغايات أخرى جديدة في واقع سياسي جديد.

أما المفارقة الأخرى فقد جائت من حزب اليسار الأول في العراق الذي يفترض أن يكون علمانياً أممياً في نظرته الى الأمور بل وفي تعامله معها.. فقد فوجئنا بعد سقوط النظام بدخول هذا الحزب في حسبة طائفية غريبة من أجل المشاركة في الحياة السياسية بدلاً من أعتماده على جماهيريته كونه حزب اليسار الأول في العراق كما كان له دور مخجل من مسألة ألغاء قانون الأحوال المدنية الذي أقره مجلس الحكم بحضور بعض أعضائه ومنهم رئيس هذا الحزب اليساري العلماني الذي أكتفى بالصمت على هذه الجريمة بحق المجتمع المدني العراقي الذي من المفترض أن يكون من دعاته ومن المقاتلين في سبيله ثم أخذ يردد ما تقوله أحزاب الأسلام السياسي من تصريحات حول الأنتخابات وكاد الأمر أن يصل الى حد دخوله الأنتخابات وأئتلافه معها في قائمة أنتخابية واحدة لولا أن الجو العام ليس مهيئاً بعد بالنسبة لجماهير الطرفين.. لذا فمن الممكن بل من المتوقع أن يتم التحالف بين الطرفين فور الأعلان عن نتائج الأنتخابات وربما في أول جلسة يعقدها المجلس الوطني الجديد وأن حدث ذلك بالفعل فسيكون حينها سابقة خطيرة في تأريخ الأحزاب اليسارية في العالم وتنكّر لكل المباديء الديمقراطية التي يدعي هذا الحزب تبنّيها وضربة قاصمة لكل القوى اليسارية والديمقراطية في العراق.

وقبل سقوط النظام وفي ندوة عقدت في أحدى الدول الأوروبية حول الوضع في العراق شَنّ رئيس أحد الأحزاب الرئيسية في العراق والمشارك الآن في الحكومة العراقية المؤقتة في معرض جوابه عن سؤال بخصوص باقي أحزاب المعارضة آنذاك هجوماً لاذعاً وقاسياً وتسقيطياً على رئيس حزب آخر متهماً أياه بموالاة الأمريكان والعمل معهم.. ولكن بعد سقوط النظام تغيّر كل شيء وشاهدنا الرجلين يجلسون جنباً الى جنب في مجلس الحكم ثم بدأت آرائهم السياسية حول مستقبل العراق تتوافق وتتقارب يوماً بعد يوم والآن نراهم يدخلون الأنتخابات في قائمة أنتخابية واحدة على الرغم من أن أحدهم أسلامي والآخر ( كان زمان ) علماني ولا أعلم حقيقةً ( أيه لم الشامي على المغربي ) !

ولا ننسى أن نذكر هنا تلك الأحزاب والحركات التي كانت قبل سقوط النظام السابق في وئام تام مع الأدارة الأمريكية بل وأتفقت معها في الرؤية حول طريقة أسقاط ذلك النظام والتي أصبحت اليوم وبقدرة قادر ترفض وجود القوات الأمريكية في العراق بل وتعتبرها قوات محتلة وتعتبر من يقف بوجهها مقاوم مهما كان ماضيه ومهما أتّبع في مقاومته هذه من أساليب قد تتنافى مع أبسط القيم الدينية والأنسانية.. أن السبب في هذا الأنقلاب أو هذه ( التبديلة ) هو رغبة هذه الأحزاب للحصول على الأصوات ولكسب أكبر عدد منها في الأنتخابات المقبلة أو التي ستليها مستفيدين من النقمة التي بدأت تتسع في صفوف العراقيين تجاه قوات التحالف نتيجة للسياسات الخاطئة التي أتبعتها هذه القوات منذ دخولها العراق في 9 نيسان 2003 وحتى هذه اللحظة والتي تزداد سوئاً يوماً بعد يوم.

خلاصة القول هي أن بعض السياسيين العراقيين ممن كنّا نكن لهم في الماضي أحتراماً كبيراً وبعد دخولهم الى العراق غيّروا قَناعاتهم السابقة الى قَناعات جديدة تتلائم مع تحالفاتهم الجديدة التي صيغت للوصول الى السلطة بعد أن تنكّروا لتحالفات الماضي ولتعهداته التي لم يعودوا بحاجة أليها فأصبح الليبرالي طائفياً والديموقراطي قَبَلياً واليساري يمينياً.. ولكن لاعَجَب فهذه هي السياسة وهذه هي ألاعيبها فأنا لله وأنا أليه راجعون

مصطفى القرة داغي

[email protected]. com