فتحت الصحافة الفلسطينية في الأسابيع الماضية ملف الجاسوس الفلسطيني لحساب الموساد، المدعو عدنان ياسين، ومن المهم ملاحظة أنه منذ ترشح السيد محمود عباس لإنتخابات الرئاسة الفلسطينية وإحتمالات فوزه المبكرة، ثم فوزه بشكل رسمي، إتسعت مساحة الحرية في الصحافة الفلسطينية المقرؤوة والإليكترونية، وفتحها ملفات كان هناك في السابق حساسية من فتحها والتعاطي معها، خاصة ملف الجواسيس والفساد، ومن المهم التوقف عنده أن محمود عباس أحال قبل أيام إلى مفتي فلسطين ملفات خمسة وخمسين جاسوسا فلسطينيا محكومين بالإعدام، ليدرسها ويصادق عليها بسرعة لتنفيذ الأحكام بحقهم، وهي مسألة مهمة، فلماذا السكوت الطويل على الأحكام الصادرة بحقهم، وربما ذلك من الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة التجسس لحساب الموساد، وأدت معلومات هؤلاء الجواسيس إلى إغتيال العشرات من القياديين والنشطاء الفلسطينيين في السنوات الأربع الماضية،و توجد العديد من المعلومات المؤكدة التي يمكن إضافتها كي يصبح ملف الجاسوس عدنان ياسين واضحا من كل الجوانب، خاصة أن هذا الجاسوس كان معروفا لمن عاش وعمل في تونس مثل العديد من الزملاء، وممن كان يتردد على تونس بشكل مستمر مثلي، وكان لزاما علينا مراجعة السفارة الفلسطينية، لأن السلطات التونسية كانت ترفض دخول أي فلسطيني إلا إذا وضع إسمه في المطار من طرف السفارة الفلسطينية، وكان عدنان ياسين عادة هو المكلف بملف تأشيرات الدخول والخروج، وتمديد الإقامات في تونس، وأذكر إحدى المرات في عام 1990، كنت قادما من قبرص إلى تونس، وهاتفته مسبقا وأكد لي أن تأشيرة دخولي موجودة في المطار، وعند وصولي مطار تونس، لم أجد إسمي ضمن التأشيرات الواصلة من السفارة الفلسطينية، فرجوت الموظف أن يتصل بعدنان ياسين في السفارة، فقال لي الموظف التونسي : هذه ليست مهمتي، توجد تليفونات عمومية في المطار، إشتري كرت إتصالات وهاتفه أنت. وإتصلت بالسفارة الفلسطينية عدة مرات دون أن أتمكن من الحديث معه، وبقيت في المطار حتى منتصف الليل، إلى أن أصرت سلطات المطار على أن أغادر عائدا، فعدت إلى قبرص عن طريق باريس، وإتصلت به من قبرص، وكان سهلا أن أتحدث معه، فلما عاتبته حول الموضوع، قال لي حرفيا : أنا كنت في السفارة عندما كنت تتصل من المطار، ولكن الإسم إلتبس عليّ، فلم أعرف أنك أنت من كان في المطار، وإلا لأرسلت موافقة دخولك بالهاتف...وبعدين ليش ماكنت واضح معي عندما إتصلت المرة الأولى؟ لماذا لم تخبرني أنك قادم لموعد خاص مع أبو إياد، يعني لازم أعرف من الآخرين...عموما إحجز وتعال أي وقت..تأشيرة دخولك في المطار!!!!.وبعد وصولي المرة الثانية ولقاءي مع أبو إياد، ذهبت لمقر السفارة لأعطي عدنان ياسين جواز سفري اليمني الجنوبي ليجدد لي الإقامة، لأنني سأمكث أكثر من إسبوعين، و لن أنسى مسألتين، ولكن ذلك الوقت لم يلفتا إنتباهي مطلقا، فضمن العمل اليومي الفلسطيني، إعتبرتهما أمرا عاديا :
الأولى : أنه سألني حرفيا : كيف كان لقاءك مع أبو إياد، و لماذا جاء عاطف بسيسو متأخرا إلى الإجتماع؟. وأيضا بشكل غير مقصود، قلت له : أي إجتماع ؟ فقال : شو بتستهبلني؟ اللي كان في المكان الفلاني!!. وحدد عنوان الشقة التي إلتقيت فيها أبو إياد، ولم تكن شقة سكنه المعروفة.
الثانية : وأنا في مكتبه لتجديد الإقامة، دخل مواطن فلسطيني، ليقدم طلبا لتأشيرة دخول لأحد أقربائه،فتسلم منه عدنان ياسين الطلب، وقال للمواطن : مطلوب ثلاث صور!. فأجابه المواطن : هاي صورتين! ليش ثلاث صور؟. فأجابه عدنان ياسين مازحا : يا قرابتي...صورة للملف وصورة للداخلية التونسية وصورة للموساد!...وضحك كل من في المكتب على النكتة وخفة ظل عدنان ياسين!!.
كان إعتقال عدنان ياسين يوم الإثنين الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 1993، ومعه إبنه الأكبر (هاني )، وكان الإعتقال حدثا مهما لوكالات الأنباء خاصة الفرنسية، التي أوردت يوم الأربعاء، الثالث من نوفمبر لعام 1993، أن الأمن التونسي قد أمسك بخيوط العملية من أجهزة الأمن الفرنسية التي أخبرت الأمن القومي التونسي، بأمر سيارة من طراز مرسيدس محشوة بطريقة سرية بأنواع متقدمة من المتفجرات وأجهزة الإتصالات والتصنت المتطورة للغاية، فانتظرت المخابرات التونسية السيارة بسرية تامة، وعند وصولها للميناء، فوجئوا بأن صاحبها المشحونة بإسمه والذي تقدم للتخليص عليها وإستلامها هو عدنان ياسين، فألقت القبض عليه في الحال، وأودعته سجن خاص للمخابرات التونسية، وبدأ التحقيق معه، وكانت مفاجأة المخابرات التونسية أنه إنهار في بداية التحقيق، واعترف بكل علاقاته مع الموساد الإسرائيلي، وأنه زرع أجهزة تنصت في مكاتب حكم بلعاوي مدير مكتب المنظمة في تونس و محمود عباس وشخصيلت قيادية أخرى. وقد لمحت مصادر امنية تونسية أن إعترافاته ألقت الضوء على عمليات موسادية عديدة منها إغتيال خليل الوزير في تونس عام 1988، وإغتيال عاطف بسيسو في باريس عام 1992، مما يعني أن لعدنان ياسين ضلوعا فيها. وأعلنت المخابرات التونسية رسميا، أنه كان يحتفظ بمحطة إرسال متطورة في منزله، قامت بمصادرتها ومعها ثلاثة حقائب مليئة بوثائق خطيرة للغاية، ومن ضمن إعترافاته للسلطات التونسية، أنه كان يرسل إبنه هاني إلى باريس ليسلم التقارير والمعلومات لعملاء الموساد الإسرائيلي، ربما دون أن يدري الإبن بأن هؤلاء الأشخاص الذين يسلمهم الوثائق تابعين للموساد الإسرائيلي، كما إعترف أن إبنه هو الذي شحن السيارة المرسيدس من باريس إلى تونس، والمؤكد أن إبلاغ المخابرات الفرنسية للسلطات التونسية بأمر السيارة المشحونة بعد إكتشافها في الميناء الفرنسي، وإختفاء الشخص الذي شحنها، ليس لتوجيه صفعة للموساد الإسرائيلي، ولكن لأنها إعتقدت أن السيارة مشحونة لجماعات إسلامية ممن تناهض الحكم في تونس والجزائر، ومخافة إستعمالها ضد مصالح غربية في هاتين الدولتين. وقد صرح مصدر أمني فلسطيني لجريدة الشرق الأوسط يوم الخميس الرابع من نوفمبر لعام 1993، أنه حسب إعترافات عدنان ياسين للسلطات التونسية فقد تم تجنيده للعمل مع الموساد في عام 1991 في باريس أثناء وجوده لعلاج زوجته المصابة بالسرطان.
هذا وقد إستدعت السلطات التونسية حكم بلعاوي مدير مكتب المنظمة في تونس آنذاك، لسماع أقواله في مقر وزارة الداخلية التونسية، لأن الموضوع كان مهما و حساسا، وقد كان إنشغال حكم بلعاوي مع السلطات التونسية حول الموضوع سببا في تغيبه في اليوم التالي عن حفل السفارة الجزائرية بمناسبة ذكرى الثورة الجزائرية، وحضره محمود عباس، وأكد مصدر فلسطيني آنذاك أن لجنة التحقيق الفلسطينية التي تم تشكيلها، لم تضم حكم بلعاوي لمزيد من الحيادية، كون عدنان ياسين كان من موظفي مكتب المنظمة المهمين، الذين يعرفون أغلب أسرار السفارة والقيادات الفلسطينية و زوارها السريين الذي يأتون من مختلف العواصم. كما أثبتت التحقيقات الفلسطينية أن عدنان ياسين، كان قد إلتقى عاطف بسيسو في فندقه في باريس قبل ساعات من إغتياله.
وبعد إنتهاء التحقيقات التونسية معه، تم تسليمه للسلطات الفلسطينية مع الطلب بإخراجه من تونس، لأن الموساد كان قد هدد عن طريق طرف ثالث السلطات التونسية إن أقدمت على إعدامه، أو إن أعدمته السلطات الفلسطينية على أراضيها، فنقلته السلطات الفلسطينية إلى اليمن، وكانت المفاجأة أن السلطات اليمنية، أخبرت السفارة الفلسطينية في صنعاء، بأنها تعلم بأن جاسوسا للموساد، نقلته السلطات الفاسطينيه إلى أراضيها، وهي تطلب من السلطات الفلسطينية عدم إلحاق أي ضرر به فوق الأراضي اليمنية، وطرح آنذاك رأي مفاده أن يتم نقله في زورق خارج المياه الإقليمية اليمنية ويتم إعدامه في المياه الدولية، لكن السلطات اليمنية رفضت هذا الرأي، فتم نقله إلى الجزائر التي بقي فيها دون المساس به، خوفا من تهديدات الموساد، إلى أن تم نقله لاجئا إلى السويد لأسباب إنسانية وليست سياسية كما نشر، ومن المؤكد أن السلطات الإسرائيلية قامت بترتيب هذا اللجوء...والمعلومات المتوفرة، تشير إلى أنه تم تأمين سكن له في قرية سويدية نائية، تبعد عن العاصمة إستوكهولهم حوالي خمسمائة كيلومتر، وعدد سكانها السويديين لا يتجاوز الخمسمائة شخص، وتخلو تماما من أي مقيمين من الشرق الأوسط، وقد قام عدنان ياسين ربما بمساعدة جهات أجنبية بتغيير شكله، ولكن المحاولات الصحفية في الوصول إلية قائمة، من صحفيين عرب وأجانب خاصة بعد أن أصبحت القرية السويدية التي يقيم فيها معروفة لبعضهم، وربما أنا واحد منهم!!!.
ومن المهم ذكر أن أسباب سقوطه في خدمة الموساد، كان محيرا للسلطات الفلسطينية والتونسية، خاصة أنه كان ممن يعيشون في تونس في بحبوحة تصل حد البذخ الذي كان موضوع حسد وتندر لغالبية الفلسطينيين المقيمين في تونس والمترددين عليها، وكان موقعه في السفارة الفلسطينية مهما وعاليا، وأنفقت منظمة التحرير الفلسطينية حوالي ربع مليون دولار على علاج زوجته، كما صرح مصدر فلسطيني لجريدة الشرق الأوسط يوم الرابع من نوفمبر من عام 1993. ومن الآراء التي طرحت آنذاك مبررة سقوطه، هو عدم تشدد السلطات الفلسطينية مع حالات سابقة، عندما لم تعدم أشهر جاسوسة فلسطينية للموساد المدعوة أمينة المفتي، وتم تبادلها مع إسرائيل بسجناء فلسطينيين لديها، والأهم هو ما قاله الجاسوس نفسه للسلطات التونسية، حول أسباب تجسسه للموساد، إذ قال : من خلال موقعي في السفارة الفلسطينية كنت أعرف أن جهاز الأمن الفلسطيني في تونس، برئلسة صلاح خلف كان يرسل أغلب تقاريره ومعلوماته للسفارة الفرنسية، وأحيانا كنت أنا من يوصلها، وأبلغنا صلاح خلف أن ذلك يتم حسب إتفاقية أمنية لتبادل المعلومات، بين الجانبين الفلسطيني والفرنسيو وعندما فكرت في الموضوع، تأكدت أن ما يصل للمخابرات الفرنسية، يصل بدوره للمخابرات الإسرائيلية، لذلك قررت التعامل مع (المعلم ) الإسرائيلي مباشرة، وأنا من إتصل بهم عبر سفارة إسرائيل في بون بألمانيا، ولم يوقعوني في شباكهم عبر المال أو النساء كما هو شائع و متعارف عليه.وقد أكدّ لي هذه المعلومات صديق حميم، عمل فترة مديرا للمخابرات في الضفة الغربية، وكان من مسؤولي الأمن الفلسطيني في تونس. المهم إنسانيا أن عائلة عدنان ياسين، ليست مسؤولة عن تجسسه ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )، فقد أكدّ لي أحد مستشاري الرئيس الراحل ياسر عرفات، أن إبنة عدنان ياسين الكبرى، قابلت الرئيس عرفات في تونس أثناء وجوده في السجن الفلسطيني في تونس، و قالت للرئيس عرفات حرفيا : أريد أن أعرف الحقيقة، فإن كان والدي جاسوسا، فأعطني الفرصة لإعدامه بيدي!!!.
إن التهاون في أمر التجسس للموساد، هو ما يفسر إكتشاف العديد من عملائه وإعدامهم في غزة والضفة، مع أن الطريقة التي يتم فيها إعدامهم عن طريق التنظيمات الفلسطينية غير مقبولة لدى العديد من وجهات النظر، التي ترى ضرورة تسليمهم للقضاء ومحاكمتهم علنيا، لكشف وقائع تجسسهم، ليكونوا عبرة لكل من يفكر في السقوط في نفس الطريق...أما التكهن بأنه ربما يظهر عدنان ياسين قريبا في إسرائيل، فهذا ليس مستبعدا ولكن مستحيلا، لأن الموساد عندما يستنفذ عملاءه، يرميهم كالزبالة..فقد كان يريد معلوماتهم، فعندما أصبحوا غير مجدين في هذا المجال، ففي أفضل الحالات تعويضهم عدة آلاف تافهة من الدولارات، ثم يتركهم لمواجهة مصيرهم المجهول، و ما زلنا نسمع الذل والمهانة التي يعاملون بها جيش لحد، بما فيهم كبار وصغار الضباط... وفي ذلك عظة ياأولي الألباب!!!.والمهم الآن الوصول إلى عدنان ياسين في منفاه السويدي، والفوز منه بحدبث صحفي، يكشف فيه المجهول من ملف تجسسه، وفي الغالب يصدق المثل : ( إن المخفي أعظم )!!!.
* كاتب وأكاديمي فلسطيني، مقيم في أوسلو [email protected]