قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ذهبت إلى مركز الانتخاب في روتردام، ليلتها لم انم تقريبا، مع إنني وقــّت المنبه على الساعة السابعة...
اليوم سبت وهو يوم عطلة عندي ومن المعتاد أن أنام به إلى وقت متأخر و لكن اليوم، هو أول يوم بحياتي انتخب به من أريد، أول يوم بحياتي اشعر أنني أساهم باختيار نوع الحكومة، وأول يوم اشعر أن هناك شيئا جديدا ما قد حصل بالعراق فعلا، أيقنت اليوم أن العروش قد سقطت وهذا أول الغيث، تذكرت اخوتي العرب، تذكرت د. شاكر النابلسي، ابراهيم المصري، زياد خداش، مريم نجمة، جريس الهامس، عيسى مخلوف، وغيرهم من الأخوة العرب الذين وقفوا معنا وفهموا قهرنا، تذكرت حرصهم على حرية الشعوب، وحبهم لأجمل قيمة إنسانية، ألا وهي الحرية، وكم تمنيت للعرب ما نحن به، المشكلة هي دموعي، أين أخبئها، وكيف؟
أفقت الساعة السابعة وأنا ارتدي ملابسي، أحسست انه يوم عيد لابد من شيء مختلف، كنت قد اشتريت علبة شوكولا، لأحتفل بها ولأوزعها على من أراه من العراقيين أو الهولنديين العاملين في مراكز الانتخابات، كان معنا بالباص الذي يقلنا مجموعة من الطيبين وجدت أولهم الدكتور عبد الصمد تقي، وهو باحث وكاتب ومخترع وكسيح في آن، عرفت انه في الأسبوع المقبل سيلقي على طلاب المدرسة العليا في لاهاي محاضرة بعنوان( حياة افضل، منافسة وثورة ) أي قدرة عند هذا الرجل العراقي وأية قوة يمتلك ليوظف كل حواسه وعقله المدهش من أجل الإنسان؟ أي نموذج رائع هذا الذي يجعله ينسى عكازا ته الراقدة بجانبه لينطلق نحو إعطاء الشباب في الجامعات الهولندية، ثقة بالحياة ورغبة بالثورة على كل ما هو متخلف ومقيد للطاقات البشرية؟
ربما الجواب هو انه عراقي، والتوضيح الباقي يفهم من قراءة التأريخ..
تقدمنا من مركز الانتخاب، وجدنا العيد العراقي يطل من دبكة الكرد الذين قهرتهم الدكتاتوريات عقودا، لفرحة شيعة وسنة ومسيح وصابئة العراق، في الأسبوع الماضي كنت في باص الاخوة الصابئة وفرحهم بتجديد الحياة واندحار البعث الذي أساء لهم أيما إساءة، ففي سوق الشيوخ، حين كان صوب الصابئة يعج بالفرح والطقوس الصابئية وبجمال الناس وطيبتهم وتسامحهم في تلك البقعة البهية، يقولون لي أهلي اليوم :
أن صوب الصابئة ما عاد كما كان، والصابئة هجروه هربا وخوفا من البطش بهم على أيدي جلاوزة البعث،الحزن بات هو الطقس الوحيد بعد ما فعله البعث بنا.
اليوم ها أنا اجلس بباص معي مختلف أطياف العراق، شيعة مقهورين وممقبورين بالملايين جماعيا، وأكراد مؤنفلين ومذبوحين، وسنة ومسيح وتركمان واكراد فيلية وصابئة ومن كل طيف عراقي ذاق ما ذاق على يد الطاغية، كان الحب هو قاسمنا المشترك والفرح يجمعنا ولا يفرقنا اليوم أحد.
دخلت، قوبلت بحفاوة، طلب مني البعض قصيدة، وجدت الوقت غير مناسب إلا لإنتخاب، وضعت يدي بالحبر، ضحكت تذكرت أن هناك مقولة عند العراقيين يقولونها لمن يكون حظه سعيدا " أيدك بالدهن" قلت أن " أيدي بالحبر" فما أسعدني كعربية، في طريق العودة استوقفني مشهد امرأة كردية كبيرة بالسن وعاجزة، لكنها أبت ألا أن تعطي صوتها لمن تثق بهم من الشرفاء، دموعي لم تسمح لي، إنها تكشف لي عن ضحايا حلبجة والأنفال.
عدت للمنزل بعد أن رفع زميلنا في الباص علم العراق فرحا منه بالمناسبة، وازداد فرحا حين على الطريق صادف عراقيا رفع له يده بعلامة النصر،
واه علينا نحن أبناء العراق، وواه مما رأيناه
اعود للمنزل وافتح التلفزيون يقابلني صوت سميرة الركابي باكية فرحا، وهي شاعرة شعبية من البصرة تبكي وتغني في آن وهي تنشد
فرحنا واليحبنا يفرح ويانا
هذا اول فرح شفناه بدنيانا
هل امتلك بعد كل هذا، القدرة على أن لا أبكي وأن اكمل المقال؟.......

29-1-2005