في ليلة باردة من ليالي شتاء عام 1415 هـ من القرن العشرين.. جلست مع صديق في بهو أحد الفنادق وكتبت الستة أسطر الأولى من هذه الخاطرة، وإذا بصديقي يكمل ما تبقى منها. إنها ورقة من أوراقي القديمة: ــــ

حالم كالصباح... ينتظر قدوم شمس، ومعها النهار...

صامت كالليل.... حين يرتمي في أحضان العتمة....

حائر كالغروب... عندما يودع نهارا ويستقبل ظلمة...

عصبي كالطفل.... حينما تتجاذبه قوتان:

قوة الرغبة في اللعب، وقوة النوم والتعب...

هكذا يكون الإنسان الطيب القادم من غفلة !

حينما يرتمي في أحضان الإنسان الخيب الذي يصنع له الغفلة.

الإنسان الخيب: الذي يعتقد في الإدعاء المزيف

وتقمص الشكل لذبح الجوهر

والإسقاط الذي يفرغ قيح النفس الملوثة فوق ظلال الرخام المنقى من الشوائب.

لكن ذلك الإنسان الملوث، لا يعيش ولا يتكاثر سوى في البيئة الموبوءة بأمراض نقص المناعة ضد جراثيم التعليم الفاسد، والإعلام المرائي، والرأي المنافق، والتربية النابعة من جهل.

ذلك الإنسان... الذي يرفض أن يكشف الغطاء عن رأسه، لأنه يؤمن في قدسية الأقنعة ويظن أنه مخلوق جذاب... وهل هناك ما هو أسوأ من قناع العقل ؟!

تنظر إليه الناس بسخرية... فيعتقد أنها ترمقه بإعجاب...

معجب بنفسه... رغم معرفته بضحالة فكره..

مغرور بظله رغم احتقاره لكيانه...

ولا يرى في الكون سوى صورته التي تلعن كل يوم صورته الأخرى في الرف المقابل.

وعندما يقول له الآخر: أنت مخطيء... يثور، حتى يصبح كالثور الهائج، وفجأة يتحول إلى غزالة بريئة تطاردها الكلاب الجائعة.

أي إنسان ذلك... ؟!

ومن أين أتى....؟!

ذلك الإنسان: يدعي البراءة لحظة ارتكابه الجريمة...

يتحدث عن الخير... وهو يمارس الشر...

ينفي ما يتهمه الآخرون به من تهم لا تحتاج إلى برهان مستشهدا بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، في اللحظة التي يعامل فيها البريء كمجرم حتى وإن ثبتت براءته.

سالم اليامي [email protected]