الإنتخابات العراقية التي إنتهت بنجاح مذهل في داخل العراق وخارجه، يوم الأحد المجيد الموافق الثلاثين من يناير لعام 2005، اصدرت عدة رسائل أساسية و مهمة، موجهة في الأساس للأقطار العربية شعوبا و حكاما، على مدى إستيعاب هذه الدروس يتوقف مستقبل المنطقة العربية التي مازالت فعلا تعيش خارج التاريخ المعاصر، مما دعى رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني، أن يوجه نداءا للشعوب العربية أن تستوعب الدرس العراقي، وتحاول الخروج من حياة القرون الوسطى التي تعيشها. إن أهم هذه الرسائل – الدروس التي خطتّها الإنتخابات العراقية، هي :

أولا: إصرار الشعب العراقي على الخروج من سطوة ممارسات البعث الفاشية التي حكمت العراق بالدم والقتل والمقابر الجماعية والأسلحة الكيماوية، أربعة عقود من الزمن، كانت من أسوأ السنوات التي مرت على العراق طوال تاريخه، وقد عبر الشعب العراقي من كافة الطوائف والقوميات عن شجاعته المتناهية بخروجه بالملايين لصناديق الإنتخابات، رغم تهديدات القوى الإرهابية المجرمة، بأنها ستحول شوارع العراق إلى برك من الدماء، فكان ردّ الشعب العراقي أن رفع في مقابل الإعلان الإرهابي هذا، شعار الحضارة العراقية الطامحة للحرية ( سنحمل أكفاننا ونذهب لمراكز الإقتراع )، وقد كان ذلك فعلا، فالعديد من العراقيين ذهبوا لمراكز الإقتراع وهم مرضى، وبعضهم على كراسي متحركة أو عكازات يستعينون بها على المشي، وبعضهم وهم جرحى من رصاص المجرمين المتلحفين بشعارات إسلامية وبفتاوي من بازار الفتاوي الأكثر إرهابا...هذا الإصرار العراقي الشجاع، كان يعلن الرؤية السياسية للمرحلة القادمة، عبر شعار واحد وهو : لا عودة لزمن الطاغية وقمع الحريات، وانفتح زمن الحريات المطلق بدليل معارضة بعض القوى علنا للإنتخابات وعدم مشاركتها فيها، دون أن يعتقلها أو يقتلها أحد، وليت هذه القوى والأشخاص يسألون أنفسهم، هل كان بإمكانهم إتخاذ مثل هذا الموقف إزاء إنتخابات المجرم صدام، التي كانت تتوجه رئيسا بنسبة مائة في المائة؟. هذه الرسالة تحديدا شاهد حي على نوعية العراق بعد تحريره من الديكتاتور وعصابات البعث الإجرامية – الكيماوية.

ثانيا : الرسالة الموجهة للقوى الإرهابية ذاتها، وهي أن محاولاتها المستميتة لإفشال الإنتخابات باءت بالفشل، كما أن إصرارها على إفشال الإنتخابات دليل صارخ على أنها قوى إجرامية ظلامية قمعية، فمن في العالم يحترم إنسانية الإنسان ويرفض الإنتخابات؟. حتى في باقي الأنظمة العربية القمعية، عندما يقرر نظام من هذه الأنظمة إجراء إنتخابات نزيهة، لا تجد أي قوة أو حزب في ذلك القطر يعارض هذه الخطوة، لأنها دليل على أن النظام يحاول أن يغير نفسه، ويسير في الإتجاه الصحيح، كما أن هذه القوى الإرهابية لو كانت واثقة من ثقة الشعب فيها وإلتفافه حولها، لشاركت في الإنتخابات وفازت بالسلطة، ولكن لأنها متأكدة أنها قوى هامشية، لذلك تسترت بالإرهاب والجرائم، لتبقى على الساحة عبر دماء العراقيين الشرفاء البسطاء، ولكن هؤلاء البسطاء، أثبتوا عبر الملايين التي زحفت نحو صناديق الإنتخابات، أنهم ما عادوا يقبلون حياة الدم والقمع وخنق الحريات، وهذا وحده يعني النهاية القريبة للقوى الإرهابية التي تحاول خطف شعب بكامله، بعد أن خطفت الإسلام كدين مستعملة إياه غطاءا لإرهابها، بمساعدة شيوخ دين، أثبتوا أن فتاويهم جاهزة حسب الطلب والبيع لمن يدفع أكثر، بدليل أنه لم تصدر فتوه في الخمسين عاما الماضية، إلا وصدرت في مقابلها فتوى مضادة!!.

ثالثا : الرسالة الثالثة كانت موجهة من الشعب الكردي في العراق، أنه يصوت لحريته ضمن عراق واحد موحد تتعايش فيه القومية الكردية مع القومية العربية، على قدم المساواة، دون طغيان قومية على أخرى. وإن كان المعيار في الإسلام ( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى )، فالمعيار في السياسة ( لا فضل لكردي على عربي أو عربي على كردي إلا بالتميز في خدمة العراق وبنائه )...كما أن الإستقرار والأمن الذي يعيشه إقليم كردستان، درس إضافي مفاده أن القوى الإرهابية لاتجد لها ملاذا آمنا أو ترحيبا لدى الشعب الكردي الذي عانى من قمع ودموية وكيماوية صدام وبعثه. وهذا الأمن والأستقرار مع التنوع السياسي والحزبي في كوردستان، لا بد أن يكون حافزا لباقي القطر العراقي لنبذ القوى الإرهابية، وعدم توفير ملجأ آمن لها.

الدرس الرابع : موجه لدول الجوار خاصة ذات الأنظمة الشمولية الديكتاتورية، وهذا الدرس مفاده أن رياح التغيير هبت من العراق، ولن تستطيع هذه الأنظمة أن تسير طويلا عكس التيار..فقمع الحريات والسجون التي هي أكثر من المستشفيات والتعذيب بكل الأساليب الإجرامية، ما عاد السكوت عليه ممكنا بعد الرياح العراقية، والدليل على ذلك تصاعد الرفض اللبناني للإحتلال السوري بشكل علني، وعصيان بعض حلفاء سورية بالأمس كوليد جنبلاط وشقهم عصا الطاعة..وكم كان جميلا أن يرفض وليد جنبلاط قبل أيام أن يجتمع مع ضابط المخابرات السوري، الذي يقوم بدور المندوب السامي السوري في لبنان..وكذلك تصاعد نضال الشعب الكردي في سورية، فما عاد هذا الشعب الذي يشكل القومية الثانية في سورية أن يعامل كمواطنين من الدرجة الثانية كما كان سائدا طوال نصف قرن تقريبا من حكم البعث السوري العنصري!.
نعم..إن هذه الرسائل التي أصدرتها الإنتخابات العراقية، سوف تؤثر بشكل إيجابي على عمل كل القوى الديمقراطية العربية، لتخرج جماهيرها من سيطرة القرون الوسطى ممثلة في هذه الأنظمة المستبدة، كي تدخل هذه الجماهير بداية القرن التاسع عشر، والعالم الحر في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين !!
* كاتب وأكاديمي فلسطيني، مقيم في أوسلو [email protected]