تُجمع - او تكاد - غالبيّة المقاربات المنزلقة في سياقات توصيف الراهن العراقي على إن مُحدِّدات بناء التوافق الداخلي لهذا البلد أضحت مرهونة أكثر من ذي قبل بإشتراطات ومناخات مابعد مرحلة الأستحقاق الأنتخابي، التي أخذت خطوطها العريضة بالتبلور في بطئ لكنما على نحو سيفضي دونما شك الى صياغات مرحليّة جديدة، لايتوانى طيف ملحوظ من هذه القراءات عن وصفها سلفاً بالـ (منحازة)، بل ويتعدى ذلك الى الجزم - في تقريريّة واضحة - بأن ماستفرزه من مُعطيات لايعدو كونه (مجرد) إعادة توزيع للأدوار في إطار ماهو (قائم بالفعل) من توازنات، باتجاه (تكريس) واقع (مجير أصلاً) لصالح أطراف وجهات باتت معروفة للجميع، في إشارة لاتخلو من الأستنكار لما ستكون عليّة إتجاهات الحكم في مرحلته الأنتقاليّة.
دكتاتوريّة الأغلبيّة
إن قلق التواصل - بهذه الكيفيّة - مع بعض عناصر الصورة والتقاطع مع بعضها الآخر، يكشف عن حجم القسر الذي تتلبسه هكذا رؤى إستباقيّة ممعنة في المباشرة والتسطيح، في تقيمها لطبيعة الحدث، وأكثر من ذلك فهي تفصح عن سعي حثيث لتسويق الذات عبر مواجهة الآخر، حتى لتبدو هواجسها المتقمصة مخاوف الإقصاء والتهميش، وكأنها - وهي كذلك بالفعل - تصدر عن إختزال مغرض للحقائق، و تعاطٍ مُخِلّ مع الواقع، يعمد - في محاولة مأزومة - الى خلق أجواء من التشكيك في جدوائيّة التفاعل مع مايفرزه ذلك الواقع-الحدث من تحولات وإن جاءت مفصليّة، دون الألتفات حتى الى كونها وليدة نتاج مشروع لإجراءات قانونيّة ودستوريّة، يُراد لها أن تتجذر على صعيد الممارسة كفعل دائم، وأن تتموضع عبر إقرارها وتدعيمها كصيغ مرجعيّة تمنهج عمليّة التداول السلمّي للسلطة، وتفعّل حالة الشراكة السياسيّة في إطار من التعدديّة.
من خلال الوقوف على مكامن هذا القلق الآخد بالتنامي لدى هولاء، نلحظ بسهولة متناهية إنه يتمحور في جلّه حول مايمكن أن تقود اليه آليّات تشكيل السلطة بمستوياتها الثلاث (التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة) من صياغات جديدة، في ظل ما ستترشح عنه تحالفات القوائم الانتخابيّة من توازنات، او ماقد تفرضه من خيارات، تدفع بأتجاه إعادة ترسيم المعادلة السياسيّة المُتوارَثة، لتفضي في محصلتها النهائيّة الى (تسيُّد) أغلبيّة ذات لون طائفي او عرقي مُحدد أنماط الفعل السياسي، و(التحكم) في فضاءاته (التي كانت الى الى زمن قريب حكراً على فئة دون سواها)، وهو ماإصطلح عليه فقهاء القانون الدستوري بـ (دكتاتوريّة الأغلبيّة).
في خطابها الممعن في التشكيك بمشروعيّة الأستحقاق الأنتخابي، او ماسيتمخض عنه من تحولات في البنى السياسيّه والأجتماعيّة والثقافيّة للبلد، تجهد هكذا انساق لا منهجيّة من الطرح، لتخطّي الحدث قيد التشّكل والقفز على فواصله الزمنيّة، قصد التوافر على ركيزة إستباقيّة من المعطيات يمكنها أن تُسوّغ لأصحابها - فيما تُسوّغ - إسقاط بعض المفاهيم اوالتوصيفات القانونيّة السالفة الذكر على الواقع الحالي، بغية الآيحاء بجدّية ما يرتهن اليه وجودهم من عقبات لها أن تنسحب سلباً على فاعليّة حضورهم في معادلة الحكم والسلطة، لكن مراجعة بسيطة لنصوص الأطار القانوني الذي تنتظم عبره إيقاعات العمليّة السياسيّة - وهو هنا قانون إدارة الدولة للمرحلة الأنتقاليّة - تكشف عن حجم الضوابط التي تتحكم بمساراتها الأجرائيّة، والتي لاتتوقف عند محدوديّة مايُتاح لمفردات هذه العمليّة - ومنها الأستحقاق الأنتخابي - أن تبلوره من خيارات، بل تتخطى ذلك الى تقييد جميع الفرقاء وأخضاعهم لمنظمومة من الأُسس والمعايير القانونيّة التي لاتفوّض أيّ منهم الأنفراد بضبط (التوازنات) في منأى عن الآخرين.
ديقراطيّة التوافق
لايمكن - لأيّة قراءة واعيّة تتلمس إستشراف مقومات التوافق الداخلي لبلد كالعراق - إغفال واقع التنوع الأثني اوالديني اوالمذهبي المتداخل، والذي فرض حضوره - في مقطع زمني متأخر لايتعدى العامين من عمر الدولة العراقيةً - بقوة يسهل رصدها على أكثر من صُعيد، ربما يكون الإطار الدستورى المتمثل في (قانون إدارة الدولة للمرحلة الأنتقاليّة) أكثرها تجلياً، فتوصيف (المُركَّب الجمعي) كريكزة أساسيّة ربما يكون أحد أهم المقاصد التي سعى الى تأكيدها المُشِّرع عبر ماأختطه من معايير أو ما سنّه من ضوابط تفضي في مُعظم أحوالها الى شكل من أشكال التوازن الدقيق بين مكونات النسيج الأجتماعي للبلد، بغرض تثبيت مبدأ المشاركة السياسيّة و تقنين عملية تقاسم السلطة في مستوياتها المختلفة او مايطلق عليه في عُرف التداول القانوني بـ (ديقراطية المشاركة الأجتماعيّة او الديقراطيّة التوافقيّة)، كرديف موضوعي مُعالِج لمشكلة (الأقليّة والأكثريّة) فى ألمجتمعات متعددة الأطياف، والتي تنظر الى حكم الأغلبيّة - وإن جاء عبر صناديق الأقراع - على أنه نمط من الدكتاتوريّة المقننة التي تشكّل بطبيعتها تهديداً حقيقي لمبدا التعايش ألسلمى .. وهو ماسوف نتبين ملامحه تباعاً.
في تناوله لأليّات تشكيل السلطة السياسيّة، ينص (قانون إدارة الدولة للمرحلة الأنتقاليّة) في الفقرة (ا) من مادته (السادسة والثلاثون) على الزاميّة "إنتخاب مجلس الرئاسة بقائمة واحدة وبأغلبية ثلثي أصوات الأعضاء" كما إنّ "للجمعية الوطنية صلاحية إقالة أيّ عضو من أعضاء مجلس الرئاسة بأغلبية ثلاثة أرباع أصوات أعضائها"، ويورد في الفقره (ج) من نفس المادة مايؤكّد وجوب أن "يتخذ مجلس الرئاسة قراراته بالإجماع، ولا يجوز لأعضائه إنابة آخرين عنهم"، وهو مايعني - عملياً - إشراك ممثليّ الأقلياّت بشكل فاعل في إختيار (تعيين أو إقالة) أعلى سلطة قرار في تركبية مؤسسات الدولة، بلحاظ إستحالة تفرد أو هيمنة أيّ من الجماعات العرقيّة او الدينيّة او المذهبيّة على ثلثي مقاعد الجمعيّة الوطنيّة - وهو النصاب القانوني المطلوب - دون التوافق مع بقية القوى والأطراف، فضلاً عن تمتع هولاء - ضمناً - بحق النقض، إن عبر مجلس الرئاسة (الذي سوف يأتي بالضرورة مُمثِلاً لواقع التنوع والأختلاف)، او تحت خيمة السلطة التشريعيّة، وهو ماكفلته لهم ذات الإشتراطات التي أنتظمت في البنود القانونيّة المذكورة أعلاه والموجبة لنسبه محدودة من الأصوات (الثلث زائدا واحد) يمكن التوافر عليها بيسر لأجهاض أيّ مشروع قرار يتعارض او يتقاطع ومصالح الأقليّة.
وللإيغال في هذا السياق، يمكن لنا أن نتمثّل إيضاح آخر تضمنته أولى فقرات (المادة ألثامنة و الثلاثون) من ذات القانون، والتي نصَّت على أن "يقوم مجلس الرئاسة بتسمية رئيس للوزراء بالاجماع، واعضاء مجلس الوزراء بناءً على توصية من رئيس الوزراء" وأن "يسعى رئيس الوزراء ومجلس الوزراء بعد ذلك للحصول على تصويت بالثقة بالأغلبية المطلقة من الجمعية الوطنية قبل البدء بعملهم كحكومة"، وأضافت في تواصل مُكمِّل بأن "لمجلس الرئاسة الاتفاق على مرشح لمنصب رئيس الوزراء في غضون أسبوعين، وفي حالة إخفاقه تعود مسؤولية تسمية رئيس الوزراء للجمعية الوطنية" والذي "يجب أن تصدق الجمعية الوطنية على تسميته بأغلبية الثلثين" وإذا "تعذر على رئيس الوزراء ترشيح مجلس وزرائه خلال شهر يقوم مجلس الرئاسة بتسمية رئيس وزراء آخر"، الأمر الذي يُفهم منه على نحو بيّن إن مبدأ التوافق السياسي كآليّة لصنع القرار سوف يكون حاكماً - لايقل أهمية عن بطاقات الإقتراع - في تحديد مستوى التمثيل او طبيعة التوازنات، التي من المُحتّم أن يخضع قوامها - باستدعاء ماتم توصيفه من حيثيّات - لشراكة فاعلة يتقاسم مفاصلها الجميع، ووِفق حجومهم الفعليّة.
أشكاليّة الأنتماء
فضلاً عن كون التحولات الجارية محكومة بالأساس بواقع التنوع الأثني والديني والمذهبي، فأن في ماتوافر بناءاً على المعطيات السالفة، مايؤكد إرتهان العمليّة السياسيّة بمجملها - أياً كانت نتائج أُولى إستحقاقاتها - الى كمّ مُلزِم من الشروط والمعايير والضوابط المنصوص عليها عبر أطر قانونيّة أضحت محل ُتوافق عريض، لايتأتى - عملياً - لأيّ طرف أن يتجاوز تطبيقاتها بما يفضي الى تغليب مصلحة فئة دون آخرى، وهو مايُعد - الى جنب نصوص قانونيّة اخرى وإلتزامات أخلاقية مُعلنة - ضمانة واقعيّة لحقوق (الأقليّة)، يُفترض أن تدفع بها الى التماهي مع مفردات العمليّة السياسيّة بلا وجل او تردد، والركون الى موائمة خطابها ومتطلبات تشكيل النسيج الأجتماعي دون أدنى قسر.
لكن المفارقة جاءت صارخة حدّ الغرابة، فعوضاً عن أن يتم التعاطي مع هكذا مُحدِدات على إنها كوابح لها قوة القانون تحول دون (طغيان الأكثريّة)، راحت تتمظهر إزاها سلباً - وللأسباب عينها - مواقف البعض ممن فشل في أن يتجاوز أزماته وعقده حيال الآخر، او أن يتعداها الى الإقرار بحقيقة التنوع القائم على الأرض، و ماتفرضه من إستحقاقات، و بالتالي ما أستطاع أن يتكيّف - الى الآن - مع واقعه، لينتهي به الحال الى عسف واضح ماأنفك يلازمه في ماينفرد به من آراء او عبر مايتبناه من مواقف، تتبدى لاموضوعيتها بوضوح جليّ في نزوعه المحموم لتهويل حدِّة الفواصل في دائرة الفعل او المشاركة السياسية أو الأجتماعيّة بما يوهِم بالتهميش او الأقصاء، ومن ثمّ السعي لتوظيف تداعيات هذا التباين المُفتعل على نحو أنتهازي لمضاعفة مايترصده من إستنثناءات نفعيّة في إطار عمليّة التحول الى الديقراطيّة.
بلال الناصري - تورنـتـو
[email protected]




التعليقات