هل لدى القضاء العراقي الراهن، و هو يتهيأ للحكم على صدام و مساعديه، الشجاعة اللازمة للإنفصال عن السلطة الحاكمة؟ إن حصل هذا فسيكون وحده مؤشرا مثيرا للتفاؤل لأنه سيكون سابقة في تأريخ العراق الحديث و لبنة مبكرة في أساس الديموقراطية.
فمنذ تأسيس الدولة العراقية (1921) لم تسجل للقضاء العراقي أية حالة تشير الى استقلاله عن السلطات السياسية المتعاقبة. هذا بالطبع مرتبط بالثقافة السياسية التي سادت طوال هذا الزمن: فلم نعرف أشياء مثل "فصل السلطات" أو "السلطة القضائية"، إنما كان النظام الحاكم، كما هو الحال اليوم في بلدان عربية عديدة، بمثابة الأب فيما صارت بقية العناصر (القضاء، الصحافة، التعليم، تنظيمات الإدارة الإجتماعية) بمثابة الأبناء الذين يتماهى لديهم الوفاء في التبعية. و هكذا لم يشهد العراق أحكاما قضائية صدرت بالضد من رغبات تلكم الأنظمة، أو من توجهاتها العامة. فكل الأحكام التي طالت ناشطين وطنيين طوال العهد الملكي كانت ذات خلفيات سياسية. المعتقلون أثناء المظاهرات ضد الإحتلال البريطاني و الحكومات العميلة لها لم يحظوا بأية حماية قانونية لا أثناء فترة التحقيق العنيف الذي كان أحيانا يكلف المعتقل حياته و لا في الأحكام الصادرة عليهم. لم يقدم للمحاكمة أي مسؤول أو عنصر شرطة ممن وقفوا وراء جريمة إطلاق النار العشوائي على المتظاهرين في ما عرف بوثبة كانون (كانون الثاني 1948) و راح ضحيتها العشرات. وحين ألقي القبض على قادة الحزب الشيوعي العراقي أواخر الأربعينيات من القرن الماضي لم يحظوا بمحاكمة عادلة فقد كان الحكم عليهم مفروضا مسبقا من قبل رئيس الوزراء نوري السعيد و الوصي عبد الإله، و اقتصر دور المحكمة على تسويغ هذا الحكم و إعطائه الشكل و اللغة القانونيتين، و نفذ في شباط 1949.
و رغم الشعارات الرنانة التي سادت في العراق بعد سقوط الملكية فإن الحال العام للقضاء، و هي التبعية لإرادة السلطة السياسية، قد استمر دون تغيير؛ التغيير الوحيد الذي حصل هو هوية السلطة التي يتبعها القضاء! في تلك الفترة إزدهرت محكمة المهداوي الشهيرة، الشبيهة بمحكمة الثورة زمن روبسبيير في فرنسا. و بلغت هذه المحكمة الحضيض في الأداء القانوني و الغاية في تهميش القضاء، و كثيرا ما وصفت بالعرض التهريجي أكثر منها محكمة، لكنه كان تهريجا خطرا فقد كانت أحكامه تكلف المتهمين السياسيين حياتهم وسط تهليل الجمهور. و بلغ "القاضي" المهداوي ذروة الموقف الدرامي في حياته "القضائية" عندما حضي هو نفسه بأسرع محاكمة رآها في حياته، قام بها "قضاة" آخرون هم قادة انقلاب شباط 1963، حيث أصدروا الحكم عليه و نفذوه في نفس الساعة: "الإعدام رميا بالرصاص"، و هو تعبير لم يبد غريبا على سمعه فلطالما أصدره هو ضد المتهمين.
بعد استلاء البعثيين على السلطة في تموز 1968 تدرجت مسيرة تبعية القضاء بالترافق التام مع تبعية بقية مرافق الدولة و كذلك حزب البعث نفسه: من التبعية للعقيدة في السنوات الأولى من عمر السلطة ؛ الى التبعية للأشخاص الذين يديرون شؤون هذه العقيدة؛ و أخيرا الى التبعية لشخص صدام وحده. هذا التدرج عنى تدرجا في حجم عناصرالمجتمع التي تقرر إفراغها من الإستقلالية: فئات اقتصادية، مجتمع مدني، صحافة، قضاء، حياة سياسية، مكونات قومية و مذهبية أخرى. فيما يخص القضاء فقد تقرر إخضاعه الى "الحزب القائد" جملة و تفصيلا، عبر صدور قانون إصلاح النظام القانوني في العراق (1977)، الذي تضمن علنا تبعية القضاء لـ " وحدة الرؤيا السياسية للقيادة" و اقتصار دوره على طاعة و تنفيذ تلك الرؤيا. و مع استلام صدام حسين الحكم (1979) بدأ القضاء العراقي يأخذ وضعا شكليا ليس أكثر. فقد صارت القرارات الرئاسية تتتابع، مقرّة أحكاماجديدة، ملغية مواد قانونية سابقة و أحيانا قوانينا برمتها، هكذا بجرة قلم من الرئيس. و مثل أي شيء آخر في العراق، ضُمّ القضاء الى قائمة الممتلكات الشخصية لصدام حسين.
مررت سريعا بهذه المحطات لأقول بأننا في العراق ليست لدينا خلفية من قضاء نزيه نعتمدها في محاكمة أقطاب النظام الساقط. و يبدو كما لو انه يراد محاكمة هؤلاء على يد قضاء لم يُعَد بناؤه بعد. غير ان الظروف العامة قد قدمت، من خلال المحاكمة المنتظرة بالذات، فرصة لهذا القضاء لكي يقوم بخطوة، بل بقفزة، كبيرة ليبني ذاته في وقت قياسي. فالحكام القادمون للعراق يملؤهم الثأر من صدام، و هم في الحقيقة لا يريدون محاكمته و إنما تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه مسبقا و باطنيا. و على هيئة المحكمة القادمة أن تقف بوجه كل تيار العواطف هذا لتكتسب شرعيتها. عليها أن تبين للجميع، و قبلهم لصدام نفسه، ما إذا كان يحاكم باسم معارضيه أم باسم العراق، ما إذا كان الأمر تصفية حساب مما اعتادته حياتنا السياسية أم انه مشروع إنهاء تام لهذه السلوكية.
ان ما حدث لصدام لحد الآن هو في صالح القضاء العراقي الجديد. فلأول مرة في تأريخ الحكومات العراقية يحضى الرئيس المخلوع بحماية و حقوق قانونية بما فيها حق توكيل محامين للدفاع عنه. بل لأول مرة يحال رئيس مخلوع الى محكمة مدنية أصولية. هذه بدايات مشجعة. لكن إذا كان بانتظارنا في هذه المحاكمة أشياء عديدة تستحق أن تدعى تأريخية فإن واقعة انفصال القضاء عن السلطات السياسية، لو حصلت، ستكون قطعا واحدة منها. و هذه الواقعة المأمولة ستستحق أن تسجل بوصفها يوم القضاء العراقي، اليوم الذي تتأسس فيه بالفعل، و لأول مرة، سلطة مستقلة تحمل هذا الإسم.
ما نتطلع اليه في هذه المحكمة هو:
ـ تمكنها من أن تصير مثلا محترما في التحضر و العدالة و التشدد القانوني؛
ـ تعاليها على ميول الثأر و الإنتقام و استغلال الضعف الإنساني؛
ـ حصانتها ضد الخطابات و الضغوط و المنظورات السياسية، و ضد كل سياسة؛
ـ إعتبارها صداماً مواطنا عراقيا له ما لغيره من بقية المواطنين من حقوق، و متهما له ما لغيره من المتهمين وفق القانون العراقي من الحقوق، و عليه ما عليهم من اعتبارات.
بذلك ستسدد ضربتها الأخلاقية القاضية لصدام شخصا و ظاهرة و لكل الملهمين به. فالأمر الرئيسي في هذه المحكمة ليس ما ستخرج به من حكم على المتهم صدام حسين، و إنما الكيفية التي سيجري فيها ذلك.
أن يحضى مجرم، دموي، قمعي، في أقصى حدود الأنانية، محتقر لكل إنسان عداه، بمحاكمة عادلة، نزيهة، و معاملة إنسانية كريمة، و ممن؟ من ضحاياه أنفسهم، لهو ذروة الإنكشاف الأخلاقي لكل هذا الذي جرى و يجري في العراق، الإنكشاف للجميع و ليس للمتهم فقط. و هذا الموقف، لا دبابات الإحتلال، هو ما يمنح سقوط النظام الصدامي شرعية و ضرورة. حتى صدام نفسه (و هو بعد كل شيء إنسان) سيظهر له هذا الكشف جليا؛ ستتاح له فرصة لأن يرى نفسه من خارج نفسه، و أن يرى الناس، أولئك الذين ما رآهم من قبل أبدا.

سمير طاهر
ستوكهولم ـ 2005
[email protected]