في مقالنا السابق المعنون مستقبل وهم –مستقبل امل اشرنا الى ان مستقبل العراق رهن بتعزيز مجموعة من الثوابت والتي يمكن ايجازها على النحو الآتي:

• سيادة القانون

• الوضوح السياسي والاجتماعي

• قمع الارهاب ومناصريه

• الانفتاح على العالم

• التعايش السلمي

• تفعيل مكاتب الخدمة الاجتماعية

الانتخابات خطوة باتجاه سيادة القانون

لقد كانت العملية الانتخابية التي جرت في الثلاثين من كانون الثاني بمثابة خطوة باتجاه الطريق الصحيح الذي يمهد نحو سيادة القانون التي تعد عنوانا لأي بلد متحضر رغم محاولات البعض للتشكيك بنجاح هذه الخطوة انطلاقا من دوافع سياسية ونفسية بعضها ظاهر والآخر غاطس في اللاشعور المريض بفعل حقب متواصلة من القمع والارهاب السياسي والاجتماعي ابويا الذي يريد البعض ان يكرسه ويجعله حالة مستديمة متوارثة تقمع اي رغبة في التجديد والانفتاح والتغير.

بعض هذه الاطراف داخلية تنظر بعين الحسرة الى مصالحها المنهارة والتي تكرست بفعل حب السلطة والوصاية دون منازع دونما تفكير بما سيؤول اليه الامر فيما لو تغيرت الخارطة السياسية فتلك الايام نداولها بين الناس كما جاء التنزيل الحكيم. ستحاول هذه الجماعات بقدر المستطاع افشال النجاح الذي حققته الانتخابات وذلك باساليب عدة منها الارهاب والمساومات والاستعانة باطراف خارجية للضغط و بالاعلام الخارجي الذي مازال يرى في العراق ميدانا خصبا للتشويق والاثارة والدس. وهذه الجماعات يجب ان تواجه بحزم لانها لا تبحث عن مستقبل وانما تنظر الى تدمير كل شيء لأنها تعشقت مفاهيم الدم والبدونة ذات المنهج البعثي العقيم، انها تطبق انا وما بعدي الطوفان.

البعض الآخر يخاف ان تؤول الامور الى الطائفة الشيعية وبالتالي الخوف من ان يصاغ الدستور بنفس طائفي ويظهر نوع جديد من القهر السياسي يحمل بصمة شيعية وهذا نلمحه في التصريحات الاخيرة لمسعود البرزاني الذي رفض ان تتركز المناصب الرئيسة في ايدي طائفة معينة وهو يعني بالتحديد الطائفة الشيعية، هذه الفئة تبني توقعاتها استنادا الى تجارب مريرة مع النظام البعثي السابق واعتقد ان حساباتهم مبنية على اسس خاطئة فالطائفة الشيعية ليست طائفة مستبدة وهي تتكون من اطياف عديدة وان كان يجمعها هامش الولاء للمرجعية الدينية ولكنه ليس بامر مطلق. الامر الاكثر اهمية والذي ربما يعطي امانا للقوميات والطوائف الاخرى هو سايكولوجية الطائفة الشيعية ذاتها، فالطائفة الشيعية عانت سنينا من التنكيل والارهاب الذي صادرها حقوقها في ابسط الامور ولذلك هي تعرف معنى الانفراد وسلب الآخرين لحقوقهم. الطائفة الشيعية غزيرة الدمعة وغزير الدمع لا يعرف الحقد والكراهية ولا الانانية والظلم وهذه السايكولوجيا متاصلة في الجذر النفسي والاجتماعي للطائفة. اضف الى هذا طاعة ابناء الطائفة لمرجعيتهم الدينية التي اثبتت انها مرجعية معتدلة عقلانية لاتبحث عن منصب او منفعة دنيوية وهذا ينبع من سمو اخلاقي نهلته المرجعية من الولاء الحقيقي لآل بيت الرسول الكريم. انها تطمح لتكوين عراق موحد متعدد يعطي لكل الطوائف والقوميات الاخرى حقها في الاسهام الفعلي في بناء الوطن. وهذا ما كنت اعنيه بالحكمة السستانية. الطائفة الشيعية ايضا تفهم معنى التضحية في سبيل الآخرين وهذا ايضا متأصل في جذر الفكر السيكوديني والذي ينهل بشكل متواصل من واقعة الطف او كربلاء بحيث اصبحت التضحية الحسينية بمثابة تغذية راجعة لمفاهيم الايثار والبطولة والتسامي بالذات.

اما الاطراف الخارجية فتسعى جاهدة الى تدمير فكرة الديمقراطية لان هذا المفهوم شاذ بالنسبة اليها ولا يمكن لها ان تستسيغه فالدستور في نظرها دستور الفرد الذي يمكن ان يٌفصل وفقا لظروف مرحلية وفردية لا دستور الامة الذي ينبغي ان يشارك ابناء الشعب في صياغته وتثبيته وحمايته، ان لهذه الاطراف مصالح خاصة بجعل العراق في دوامة متواصلة من عدم الاستقرار والعنف لان بوابة الديمقراطية وسيادة الدستور والقانون ستكون بوابة مرعبة للعديد من الانظمة المجاورة للعراق.

ماذا نعني بسيادة القانون؟

ان سيادة القانون تعني الانظباط والتنظيم الذي يقوم على توقعات متبادلة للادوار والمراكز التي يرسم القانون اسسها ويحدد ابعادها وبهذا يستقيم التنظيم لانه يقوم على اسس ثابتة يرتضيها المجتمع وبذلك تستقيم العلاقات بين الافراد والجماعات والتنظيمات الاجتماعية وان تباينت واختلفت لان المرجع الذي تحتكم اليه هو القانون والدستور. لذا لابد من ان يشارك الجميع في الصياغة ان اردنا مستقبلا آمنا ومسالما مع ضرورة استبعاد كل العناصر التي لم ترغب في المشاركة وحرضت الافراد والجماعات على عدم المشاركة لانها نظرت الى مصالحها الضيقة بدلا من المصلحة الوطنية العليا، هذا الخطوة تعد مطلبا وطنيا حتى وأن طالبت هذه الهيئات والجماعات بالمشاركة، ولكن بالمقابل نريد من المجلس المنتخب ان يضع نصب عينيه العراق ككل على انه وحدة واحدة تراعي حالة التنوع التي يزخر بها الشعب العراقي.

ان تاطير المواقع السياسية والاجتماعية بالاطار الدستوري،الذي يحدد الحقوق والواجبات الخاصة بكل موقع مع منظومة القيم والمعايير التي تحدد الظوابط السلوكية لكل دور، يعد الطريق الانسب لتحقيق انتظامية السلوك لانه اي السلوك سوف يكون مبنيا على التوقع الذي هو اساس التفاعل الاجتماعي الرسمي وغير الرسمي. وبموجب هذه الرؤية يصبح القانون منهج عمل يومي فيحفز بدوره نحو اداء افضل بناء على مايتوقعه الافراد من مكافئات وعقوبات مرتبطة بالاداء السلوكي لصاحب المركز او الموقع الاجتماعي.

د. عقيل نوري

[email protected]