في السعودية حدثان مهمان واقعا خلال فترة زمنية وجيزة لهما دلالة قوية ومعان كبيرة: الأول، التعديل الوزاري الذي أعاد حقيبة التعليم، ممثلة في وزارة التربية والتعليم إلى التيار الديني. والثاني، سيطرة مرشحي النفوذ الديني على المجلس البلدي في العاصمة الرياض. وهنا معضلة كبيرة أنه من خلال مثل هذين الحدثين يمكن قراءة الشأن السعودي برمته، الأول في جانبه الحكومي، والآخر في جانبه الشعبي.
وفي الوقت الذي يرى البعض أن الحكومة أرادت أن تطمئن هذا التيار شديد التنظيم، إلى أنها لا تنوي إدخال أي عمليات تطوير أو تحديث من شأنها أن تقتلع جذورهم أو تهدد مصالحهم وبالتالي زعزعت اعتلاءهم فوق رؤوس خلق الله منذ التأسيس الحديث للبلاد.
وهناك من يقول: إن الجانب الجماهيري والشعبي هو التيار الأكثر تغييب في معمعة الصراع الخفي مع هذه التيارات الدينية المستأسدة على الجميع، فالجماهير تقبع تحت كذبة كبيرة أن هؤلاء هم صفوة المجتمع، وأنهم مصلحون صالحون، وأنهم كلمة الله في الأرض، وأنهم العلماء الربانيون. ساعد في استمرار هذا التغريب والخداع للجماهير، المنابر التي يخطب فيها ممثلو هذا التيار، وأيضا وجودهم في كثير من مفاصل الحياة العامة. واخطر هذه الآراء تلك التي ترجع سبب الانجراف الشعبي إلى تدني ثقافتها بواقعها وسطحية تفكيرها، وعدم وجود برامج اجتماعية تهدف لتنمية معرفة المجتمع بحقوقه الحياتية ونحوها من القضايا. فالمجتمع السعودي يعاني، كما لم يعان أي مجتمع آخر، من خلل في شخصيته، وحيرة واضحة في ممارساته، ففي الوقت الذي يجد فيه رجل الشارع العادي أمثلة واضحة لكذب هذه الفئة( التيار الديني)، وفشلهم البين في إعطاء حلول لكثير من المشاكل التي يعاني منها في مجالات وقطاعات كانوا وما زالوا يديرونها مثل ( تعليم البنات ) إبان ما يسمى " الرئاسة العامة لتعليم البنات" حيث كثرة الشكاوى من ظلم واضح في حركات التعيين والنقل وغيرها، وفي مجال الدعوة إلى الله، حيث توجد وزارة ميزانيتها السنوية أكبر من ميزانية إحدى الدول القريبة، ورغم هذا لا وجود لها أي وجود عالمي أو وجود حقيقي ملموس في العالم، بل لم تقم بأي جهد واضح على الأقل لتحسين صورة السعودية مما علق بها من تشوه لدى الآخرين نتيجة الأعمال الإرهابية، وهناك جهاز هيئة الأمر بالمعروف، الذي حول الإسلام إلى دين عصبي عنيف، يعتمد على القسوة والعنف في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد قالت الحكومة السعودية كلمتها في مسألة تعيين وزير جديد في وزارة مهمة جدا مثل وزارة التربية والتعليم، وقال المجتمع كلمته في مسألة ترشيح ممثليهم في المجلس البلدي، والكثير من السعوديين أيضا لا يملكون إلا أن يقولوا: سمعا وطاعة.. لأنهم لا يحبون وطنا مثل بلادهم.. وفي ظن الكثير ومنهم عدد من المراقبين أن السعوديين لا يعالجون مشاكلهم بشكل قاطع ونهائي لأنهم دوما يضعون مهدئات ومسكنات لا أكثر، فقضية مثل "الإرهاب" تتم تغطيتها والتصالح معها، ولا أدل على ذلك مما عانته السعودية منذ فجر تأسيسها، فحربها الداخلية الأولى كانت مع ما يسمى "الإخوان" وهم عبارة عن تيار ديني متشدد، وتلاها مع مطلع القرن الرابع عشر الهجري فيما عرف بحركة " جهيمان" وهي أيضا تيار ديني متشدد، والآن ما يعرف بـ "الإرهاب" وهي حركة دينية أكثر تعصبا، ووقعها كان أكثر الما وفي كل الأحوال لم يعان بلد من التيار الديني القاسي العنيف، مثلما عانته السعودية، حيث يملك هذا التيار خاصية التكيف والسبات لسنوات قبل أن يخرج للنور بحقيقته المشوهة القاسية، فهو يغير جلده ولونه حسب المرحلة، وفي ضوء معطيات الواقع، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما أعلن رسميا وحكوميا عن أهمية الحوار، بل تم تدشين مركز متخصص لتبادل الآراء والحوار الوطني، سمعنا أخيرا من ثلة ممن وضعت نفسها وصية على كلمة الله في الأرض تقول: أن الحوار ورد في القرآن الكريم في أكثر من خمسمائة موقع، وأن من فوائد الحوار بيان الأخطاء والبحث عن المواضع المشتركة وتحريك الطاقات الكامنة للأمة.
لقد أصبح الحوار اليوم يسمى تبادل الآراء، وبالتالي فأنت حر في رأيك ووجهات نظرك، فلا شيء يدعوك للخوف أو الوجل من أن تبدي ما تراه بكل حرية وشفافية، فلن يتم إيذاؤك بحكم شرعي تم تفصيله على مقاسك، ولن يتم طردك خارج وطنك لكتاب ألفته أو منجز أدبي وضعته. لقد أصبحت ساحة الحوار متسعة للجميع الآن، أما من هرب بفكره خارج وطنه أو تم طرده أو سجنه أو نحوهم فهم من الماضي السحيق! لا شيء يدعو حتى لتذكرهم.
إن من مكر هذا التيار أنه يقوم بسرقة إنجاز كل من يدعو للإصلاح والحرية، وإضفاء عدد من النصوص الشرعية، والزج بها للجماهير، فمثل قضية الحوار لم نسمع بها من أي تيار ديني ينادي به، بل إنهم ساهموا في اضطهاد وظلم أي أقلية طائفية تعيش بيننا ولم يكتفوا بذلك، بل كفروها وأخرجوهم من سياج الإسلام، فأي حوار يشاركون فيه ويدعون إليه، وقد أصبحوا الآن يشكلون السواد الأعظم من المتحاورين وأغلب رموزه وأكثر المناقشين فيه.
إن قضايا مثل الفقر كانت مغيبة من خطاب هذا التيار، حتى تم تبنيها رسميا وحكوميا، وفي الإطار نفسه يثار لديك سؤال حول حماسهم الشديد ومسارعتهم لغوث ومساعدة البعيدين من المسلمين، بينما لا تجدهم يسارعون بالحماس نفسه لأبناء جلدتهم، فلم نر أو نسمع حضورا قويا لأحد رموز هذه التيارات الدينية ليشحذ الهمم وينادي بالناس للتبرع لصندوق الفقر الذي تم إنشاؤه.. هل تعلمون لماذا؟ لأنه لم يطلب منهم رسميا القيام بهذه المهمة!
بات مؤكدا أن هذا التيار يتنامى، يساعده قرار حكومي، وجماهير لا تقرأ واقعها بشكل صحيح، جماهير تنسى دوما من الذي يسيء لها، لكن المرجو، وكطلب متواضع، أن يكون القانون والعدالة مطلقين مع الجميع، لأن هذا التيار لا يوفر أي تهم أو صفة سيئة ليلصقها بكل من يخلتف معهم.
- آخر تحديث :




التعليقات