شعرت بصدمة كبيرة عند سماعى خبر إغتيال الزعيم اللبنانى ورجل الأعمال السعودى الملياردير رفيق الحريرى، ونزل الخبر على كنزول الصاعقة، فالرجل كان مثالا يحتذى لرجل الأعمال الناجح الذى لم يتنكر لبلده الأصلى لبنان رغم أنه عاش فى المملكة العربية السعودية نحو 28 عاما وأنعم عليه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بالجنسية السعودية نظير خدماته وانجازاته للكثير من المشروعات الكبرى فى المملكة من خلال شركته للمقاولات،... عاد إلى بلده لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية ليشارك فى إعادة البناء والتعمير بعد الخراب والدمار الذى خلفته الحرب، ونجح فى توظيف أمواله وشبكة علاقاته الدولية فى عالم المال والإستثمارات، وحقق بالفعل معجزة إعادة البناء وخاصة فى العاصمة بيروت، حتى عادت كما كانت قبل الحرب ـ باريس الشرق ـ سويسرا الشرق. رجل كهذا لايستحق أن تكون نهايته تلك النهاية البشعة والمأساوية على يد الإرهاب الأسود الظلامى.

وعندما شاهدت حجم الدمار الذى أحدثه التفجير الإرهابى فى موكب الشهيد الحريرى فى قلب بيروت رجعت بى الذاكرة على الفور إلى حادث إرهابى آخر مماثل لا يقل جرما وبشاعة الا وهو إغتيال الرئيس اللبنانى الشاب بشير الجميل فى عام 1982. الحادث البشع بلا شك هو طعنة الغدر فى وضح النهار لشخصية من أكثر الشخصيات إعتدالا ووسطية على الساحة اللبنانية، وضربة غادرة للأستقرار السياسي وللإستثمار الأجنبى فى لبنان وربما كانت أحد أهداف الجريمة النكراء هو زعزعة الإستقرار وإشعال فتيل الحرب الأهلية الطائفية من جديد بعد ويلات الحرب لأهلية الأولى التى استمرت خمسة عشر عاما (1975 ـ 1990 ) وكان أعظم إنجازات الشهيد رفيق الحريرى هو دوره الكبير فى إعادة بناء وتعمير لبنان وحاز على حب واحترام جميع اللبنانيين على إختلاف مذاهبهم السياسية وطوائفه الدينية ولا غرابة فى ذلك فالكل كان قد إكتوى بنار الحرب الأهلية.

بعد مرور أقل من ساعتين على وقوع التفجير الإرهابى قامت قناة الجزيرة الفضائية القطرية ببث شريط فيديو ظهر فيه شاب ملتح يعلن أنه عضو فى جماعة " النصرة والجهاد فى بلاد الشام " والتى لم يسمع بها أحد من قبل، ويعلن مسئوليتة عن العملية ألإنتحارية، وقد لفت نظرى ونظر كثير من المراقبين والمحللين السياسين سرعة بث الشريط قبل مرور ساعتين على الحادث وكأن من خطط له أراد أن يسدل الستار على الجريمة النكراء ويأمل فى أن ينتهى التحقيق وقبل أن يبدأ، ولكننا لسنا بهذه الدرجة من البلاهة والسذاجة فالحادث بالطريقة التى تم بها ضد شخصية كبيرة بحجم الحريرى وطاقم حراسته وجهاز أمنه يفوق بكثير قدرات وإمكانيات أى جماعة ارهابية ناهيك عن جماعة غير معروفة، ويقطع بأن الذى خطط للتفجير الإرهابى ويقف وراءه لابد وأن يكون جهاز مخابرات له يد طولى ونفوذ وقدرة على إختراق كافة أجهزة الأمن والإستخبارات اللبنانية خاصة إذا ما علمنا أن جهاز أمن الشهيد رفيق الحريرى رئيس الوزراء السابق كان يستخدم أجهزة إتصالات أمنية حديثة جدا وعلى درجة عالية من التقنية قد لا يتمتع بها بعض رؤساء دول العالم.


بعد ساعات قليلة من وقوع الجريمة الإرهابية الشنعاء بدأت أطراف عديدة من داخل لبنان وخارجه تشير بأصابع الإتهام إلى النظام السورى وجهاز مخابراته.،
واليوم (الثلاثاء) إستدعت الولايات المتحدة سفيرتها فى دمشق إلى واشنطن للتشاور، وهى خطوة لا تقدم الولايات المتحدة على إتخاذها بهذه السرعة وقبل مرور 24 ساعة على وقوع الحادث إلا إذا كانت لديها معلومات كافية عن إحتمال تورط النظام السورى فى الحادث البشع، وقد أذاعت شبكة إي بى. سى الإخبارية الأمريكية مساء اليوم نبأ مقتضبا مؤداه أن الشبكة قد علمت من مصادر فى الحكومة لأمريكية أن الشهيد رفيق الحريرى كان قد تلقى مؤخرا تحذيرات من وجود خطر على حياته، ولم تعطى الشبكة الإخبارية أية تفاصيل حول هذا النبأ.


هناك أيضا ملاحظة أخرى لا تقل أهمية وهى أن الحادث الأليم قد وقع بعد مرور بضعة أيام من إنعقاد مؤتمر القمة الرباعية فى شرم الشيخ والذى حضره الرئيس المصرى حسنى مبارك والملك عبدالله الثانى عاهل الأردن ومحمود عباس الرئيس الجديد للسلطة الفلسطينية وإرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل، وبالطبع لم تشارك فيه سوريا.


وإذا كانت معظم أصابع الإتهام تشير حتى الآن إلى النظام السورى والذى يتعرض منذ فترة طويلة إلى ضغوط هائلة ومتزايدة لإرغامه على الإنسحاب العسكرى من لبنان خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559، فإن التحليل المنطقى والسياسى أيضا يجب ألا يستبعد تماما إحتمال تورط إسرائيل وجهاز مخابراتها " الموساد " فى الحادث الإرهابى حيث أن إسرائيل أيضا طرف مستفيد من زعزعة الإستقرار ومن نشوب حرب أهلية جديدة فى لبنان، وإذا حدث هذا لا قدر الله فإن ذلك من شأنه أن يعطى إسرائيل وحزب الليكود برئاسة شارون الذريعة الكافية والملائمة للتنصل من دفع إستحقاقات والتزامات طالما تهرب من دفعها واقترب الآن من موعد الوفاء بها (الإنسحاب من غزة)


من ناحية أخرى فإن القراءة الصحيحة للأحداث والتطورات فى المنطقة يجب ألا تغفل طرف ثالث قد يكون وراء الحادث الإرهابى ألا وهو إيران فالمخابرات الإيرانية ناشطة منذ سنوات طويلة فى الساحة اللبنانية من خلال علاقتها الوثيقة العضوية،والطائفية الدينية بحزب الله فى جنوب لبنان. إيران أيضا طرف مستفيد من وقوع الحادث الإرهابى حيث تزايدت فى الأسابيع الأخيرة تكهنات خاصة بتوجيه
ضربة وقائية أمريكية أو إسرائيلية إلى إيران بهدف إجهاض برنامجها النووى


أولا وإسقاط حكم آيات الله ان أمكن ثانيا وقبل الشروع فى تحقيق هذا الهدف فإنه يتحتم أولا إستقرار الأوضاع الأمنية في العراق، إيران ياسادة هي الهدف الرئيسى من الحملة الأمريكية على العراق وما العراق إلا محطة أولى ونقطة إرتكاز للإنقضاض على الهدف الأكبر لأسباب لوجيستيكية واستراتيجية فالولايات المتحدة ليست في حاجة اوهى من السذاجة بحيث ترسل الجيوش وألأساطيل وحاملات الطائرات لكى تسقط رئيس دولة حتى ولو كان صدام حسين هذه مهمة جهاز مخابرات السى أى إيه، هذه حقيقة كان يهمس بها كثير من المراقبين والمحللين السياسيين الغربيين قبل الغزو الأمريكى للعراق وأصبحوا يتحدثون عنها صراحة وعلنا فى تحليلاتهم الصحفية وبرامج الحوار التليفزيونية الكندية والأمريكية، وهذا لا ينفي أو يتعارض مع هدف الرئيس بوش الإبن والرئيس حورج بوش الأب بل وعائلة بوش كلها فى التخلص من صدام حسين واسقاط نظامه وتصفية حساب قديم كان يستحق الدفع فى حرب الخليج الأولى.


لقد حملت شظايا التفجير الإرهابى معها رسائل عديدة لأطراف كثيرة
لعل أخطر هذه الرسائل أن من خطط للتفجير الإرهابى ونفذه فى وضح النهار وفى قلب العاصمة بيروت لقادر على
" عرقنة "
لبنان أو أى دولة من الدول المجاورة للعراق، وعلى إجهاض كل مخططات الولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة من حدوث إصلاح سياسى وديمقراطى أ.وقلبها رأسا عل عقب.!


هل هذا هو السبب فى أن أطراف عربية أعلنت أنها لا تحبذ إجراء تحقيق دولى بشأن الحادث والإكتفاء بالتحقيقات التى تجريها سلطات الحكومة اللبنانية المحلية والتى تخضع لنفوذ وسيطرة النظام البعثى السورى فى لبنان؟


إن هذا النوع من الجرائم التى يخطط لها وتقف وراءها أجهزة مخابرات دول نادرا ما تترك وراءها أثرا أو أدلة إدانة تكشف الجانى وإن كان الفاعل غالبا ما يكون معروفا للكثيرين من الخاصة والعامة، ولكن فى الأوراق الرسمية غالبا ما
تكون نتيجة التحقيق كالآتى:

" يقيد الحادث ضد مجهول ".
كاتب وصحفى مصرى ـ كندى

[email protected]