ضمن التوجهات العراقية للقيادة الكردستانية التي أحرزت قائمة تحالفها في انتخابات الثلاثين من كانون الثاني المرتبة الثانية بعد الائتلاف العراقي الموحد، عارضت القيادة فكرة إقامة دولة إسلامية على غرار الدول المجاورة للعراق كإيران والسعودية بسبب الغالبية الضئيلة التي حققتها الكيانات السياسية والدينية الشيعية في الانتخابات، والنسبة القليلة التي حصلت عليها الكيانات السياسية من عرب السنة. وجاءت المعارضة الكردية ضمن رؤيتها واستراتيجيتها السياسية الرامية الى إرساء عراق جديد فيدرالي ديمقراطي تعددي، وفق القواعد المعاصرة التي تعتمد عليها بنيان الدولة الحديثة وهي حقوق الانسان وحماية الحريات الفردية، والاعتراف الدستوري الكامل بحقوق القوميات والأقليات، والاقتصاد الحر، والانتقال الديمقراطي للسلطة وفق اختيار الشعب، وفصل السلطات.

وضمن هذا الاتجاه، لبيان رأي القيادة الكردستانية بشأن الدولة الدينية، قال السيد عدنان المفتي عضو المكتب السياسي في الاتحاد الوطني الكردستاني والمرشح لتولي منصب رئيس المجلس الوطني لإقليم كردستان، إن «الأكراد سيعارضون تشكيل دولة إسلامية في العراق في حال مطالبة القوى السياسية العراقية الأخرى لذلك»، وأضاف «نحن شعب مسلم وأي نظام ديمقراطي ينبغي أن يحترم الهوية الإسلامية لدولة العراق، ولا نريد أن نضع الديمقراطية في مواجهة الدين»، وشدد المفتي أن «الدين الإسلامي يجب أن يكون احد مصادر التشريع وليس المصدر الوحيد»، بي يو كي ميديا 17/شباط.

وبهذا الصدد أيضا قال عارف طيفور عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني إن «التحالف الكردي سيكون مع كل الكتل السياسية والقوائم التي تؤمن بحقوق الأكراد وتعترف بالحقوق القومية للأكراد وتعمل على تثبيتها في الدستور الدائم للعراق». وأضاف أن الأكراد «مستعدون للتحالف مع أي جهة شيعية أو سنية أو علمانية أو أي طرف من الأطراف الأخرى». وشدد على أن الأكراد «يريدون احد المناصب السيادية والاعتراف بكردستانية كركوك والعمل على تطبيق المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية، أي تطبيع أوضاع كركوك وعودتها إلى أحضان كردستان». وعن كركوك المدينة التي تعرضت الى سياسة التعريب والتهجير والترحيل والتبعيث على مر حكم الأنظمة العراقية السابقة، أكد أن «كركوك تقع ضمن خريطة كردستان وهذا ليس طموحا فقط، بل نحن ناضلنا من اجل كردستانية كركوك. في المستقبل القريب ستزول آثار التعريب والتهجير التي قام بها النظام البائد وسيتم استرجاعها إلى إقليم كردستان». وضمن اهتمام الكرد بالموصل المحافظة الواقعة في شمال العراق، أوضح طيفور أن الأكراد «لا يدعون بكردستانية مدينة موصل إنما نطالب بكردستانية قسم أو بعض من الأقضية والنواحي في المناطق التي يسكنها غالبية من الأكراد». وبخصوص الدستور القادم للعراق الجديد، أكد ضرورة تبني «دستور علماني» قائلا إن «الشعب العراقي يتكون من قوميات وأطياف واديان مختلفة، فلذا نرى من الضروري أن تكون الحكومة المقبلة حكومة علمانية، ويستفاد في نفس الوقت من الدين الإسلامي في بعض أوجه الحياة». وأضاف أن «الأكراد سيكون لهم دور مميز كما في بداية تأسيس الدولة العراقية في العشرينات، وسيشاركون في المستقبل بكل قواهم وبجدية في كتابة الدستور». وحول وضع الحزبين الرئيسيين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان، أوضح طيفور أن «الحزبين متفقان حول معظم الشؤون الكردستانية وخصوصا توزيع المناصب في الحكومة المقبلة التي يتوقع تشكيلها»، الزمان 2038.

وتوازيا مع هذا الرأي وبيان رأي الكرد بشأن نظام الحكم في بغداد، أكد سامي شورش وزير الثقافة في حكومة إقليم كردستان ـ إدارة أربيل التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود بارزاني، أن «ما يفضله الأكراد هو نظام جمهوري قائم على تداول السلطة بشكل سلمي وعلى فصل السلطات الثلاث». وبين شورش أن «الأكراد يعتقدون بضرورة فصل الدين عن الدولة باعتبار أن الدين هو جزء من الحريات الفردية للإنسان»، الزمان 2038.

ويذكر أن الجهة التي سيتحالف معها الأكراد الذين حصلوا على 75 كرسيا برلمانيا، هي الائتلاف العراقي الموحد الذي حصل على 140 كرسيا برلمانيا في الجمعية الوطنية العراقية والبالغة عدد كراسيها 275، وتشير مصادر المعلومات الى ان هناك تفاهم أولي بين التحالف الكردستاني والائتلاف الموحد على توزيع المناصب السيادية على رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة العراقية، وأشارت الأخبار الأولية الى ان السيد جلال الطالباني مرشح لمنصب الرئاسة، والسيد إبراهيم الجعفري لمنصب رئيس الوزراء.

ومن باب الاستحقاق الحقوقي لمطاليب الكرد، يذكر إن القيادة الكردستانية ربطت كل تحالف مع أي قوة سياسية عراقية فائزة في الجمعية الوطنية بموافقتها على الفيدرالية وضم مدينة كركوك التي تعرضت للتعريب والتغيير القومي القمعي إبان النظام السابق إلى إقليم كردستان، والبيشمركة المستقلة كقوة محررة ومستقلة للدفاع عن الكرد، وهذا ما أعلن عنها زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال طالباني في إحدى مقابلاته، جريدة "الاتحاد" 941.

من هذا ندرك أن محاولات وجهود الطرف الكردي في تحديد الإطار العام للعراق الجديد، تأتي ضمن الإطار الوطني العراقي الهادف الى وضع أسس سياسية رصينة، قانونية ودستورية لحماية العراق من التوجه الديني لتأسيس دولة دينية لا تلائم مع الحياة الحديثة ولا تلائم مع تطلعات قوميات الامة العراقية التي تتركب من ألوان متعددة من القوميات والأديان المذاهب. وجرس الإنذار الذي قرعها القيادة الكردية لرفض انشاء الدولة الدينية واتخاذ مرجع واحد للتشريع الدستوري في العراق، كان بحق صوتا للحكمة السياسية التي تتسم بها القيادة الكردستانية.

* كاتب عراقي كردي

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الاتحاد" وجريدة "التآخي" العراقيتين