إنني لا أريد أن أتطاول على احد حاشى لله، ولا أريد إن أدوس على طرف احد كما يقول المثل الشعبي، ولكنني أريد أن أفكر، وهذا إحدى خصالي عندما أريدُ أن أفكر، أُفكر بصوت عالي.

لقد طالبت بإجراء الانتخابات في وقتها رغم عدم تفاؤلي في سري، كما طالب بها غيري، وهناك من عارضها لغرض ما، وكنت انتظر الانتخابات كالطفلة التي تنتظر يوم العيد كي تلبس ثوبها وحذائها الجديدين، وتذهب للمراجيح، لكنني أشعر الآن بالندم والحسرة والاه الطويلة كما يقولها المغني صاحب النفس الطويل.

حسرتي على غياب من انسحب من الانتخابات وتركها ليخلو المجال للأنواع الكثيرة التي تجلب علينا الويلات وخاصة نحن معشر النساء اللاتي سنُطمر خلف الحجاب. إنني لا اعترض على الحجاب، بل لي وجهة نظري الخاصة به، والتي أقولها علناً ودون خوف من أحد، ولتلبس الحجاب من تريده، ويتركون اللاتي يعترضن على لبسه. فلبس الحجاب ليس دليل على عدم العفة،والخلاعة والاستهتار،والكفر وعدم الانصياع لأوامر الدين الإسلامي وعدم الاحتشام والخروج على طاعة الله، إلى أخره من التهم التي تُنسب للاتي يرفضن وضع قطعة القماش على الشعر.

الحجاب موضوع طويل وعريض نتناقش به منذ زمن طويل ولم نصل به إلى نتيجة مرضية للجميع، ولا أريد أن أخوض به الآن لأن غايتي اليوم مناقشة أمر أخر غير الحجاب، ولكن كما يُقال الشيء بالشيء يُذكر، لان فرض الحجاب على جميع النساء بالعراق بشكل قانوني هو نتيجة لفوز من فاز في الانتخابات وهو الجناح الديني الذي لديه فلسفته الخاصة في تناول الأمور الحياتية اليومية المتعصبة والمتعسفة التي هي من تخطيط الخط الراديكالي الإيراني. فمهما قالوا ومهما اقسموا فإنهم مصممون على دفع المرأة للخطوط الخلفية كمفرخة وحاضنة، وتغطيتها لئلا تطولها الشمس خوفا عليها لئلا تسوَّد بشرتها.

هذا أمر يحتاج لمقالات وليست لمقالة واحدة وعندما يتسع صدر إيلاف الغالية لقلمي الغاضب، سوف اكتب بكل جوارحي عن الموضوع ذاته. لكنني أريد أن استرسل وأدون مخاوفي مستغلة كرم وسعة صدر إيلاف.

إن ما يرعب الجميع هو تدخل الفئة الدينية في متاهات ودروب نظام التعليم، واخذ يد أبنائنا نحو التطرف والتعصب، وحبسهم في دائرة طائفية ضيقة، كما فعل الجاهل صدام حسين بنظام التعليم، حيث قلبه من أقوى نظام تعليم في العالم العربي، إلى مهزلة حزبية صداميه مملئة كذباً وتحويراً للتاريخ والعلوم الآداب، ومنع الطلبة من الأطلاع على كل ما هو جديد في عالم المعرفة، وضيَّق الخناق على العلماء والأدباء والصحفيين والكُتَّاب، وبعثر بمناهجنا وكتبنا على أيدي جلاوزته، فتخرَّج لدينا جيلين وأكثر والحمد لله شبه جاهل، لا يعرف سوى معلومات حفظها عن ظهر قلب كالببغاء لا يفقة معناه. ذلك الطالب العراقي المعروف بذكائه الحاد، ضاع بين وريقات يحفظها صماً لمبادي وحياة ونذالة صدام حسين. مدرسونا ضاعوا، وطلبتنا تاهو، ومدارسنا انقلبت إلى مراكز تدريب للطليعة والندوات الحزبية الصدامية. وقلنا جاء الفرج، ربما سنقوم بتعديل أو كتابة تعليمنا من جديد ووضعه على الطريق الصحيح لتنشئة جيل يتماشى مع التطور الرائع الذي يحصل في العالم التكنولوجي والعلمي والأدبي والصحفي والكومبيوتر والتسويق والاقتصاد، ومماشاة هذا التطور بالجيل المثقف، وكيف يكون لدينا جيل مثقف إذا لم يكن لدينا نظام تعليمي يتماشى مع النظم العالمية، ونحن والحمد لله نملك طاقات هائلة في البدء بكتابة تاريخ العراق التعليمي من جديد، لكن، واه من لكن هذه، هناك مخاوف من تدَّخل الرجعية الدينية، وليست بشائر بالتطوير الحديث. هناك مخاوف من وضع أيدي فئة أمية، وأقصد بالأمية هنا هي الفئة التي لا تنظر إلى المستقبل إلا من خلال حفظ ما سطره آيات الله بكل أسمائهم المنتهية بالمسميات الإيرانية بعد أن أعلنت بأن الطريق الذي سيسلكونه هو طريق الدين الأسلامي في بلد العلمانية، وعلى يد العلماني احمد الجلبي وغيره.

العراق بحاجة لاستعادة صحته وعافيته، وان يعود عراق العراقيين، وليس عراق أمريكا وإيران وكل من هب ودب. أن يعود العراق لعراق الشعب الذي يدين بالولاء للتربة الطاهرة، وان يُشفى من الحزبية والتبعية والطائفية والعنصرية والتميز الطبقي، وإلا كل الذي حصل هو تغير الأسماء فقط، والسياسة تزداد سوءا لضياع هوية السياسيين. أن يكون العراق كما كان بلداً علمانيا يعترف بكل الديانات والطوائف وان يتخذ العلم والمعرفة الحديثة سياسته التي يجب انتهاجها.

إنني ابحث هنا عن هوية السمة الاجتماعية العراقية الحقة والطابع العراقي الواضح بين من هم فاز بالكرسي، وظهور صفة غلبة الشخصية العراقية الثقافية ذات السبعة ألاف سنة، وليست السمة الأجنبية الأصولية الدينية المتطرفة الطائفية مهما يكن لونها وشكلها ولغتها وحضارتها. ففي العراق ما يكفي من الألوان واللغات واللهجات والطوائف والعقائد والمبادئ تجعل منه فريدا وذا خاصية فريدة. فنحن لسنا بحاجة لاستيراد أي زى يفرض على المجتمع باسم القانون والدين والى آخرة من المسميات القهرية التي يتفنن بها الاسلاميون السياسيون في استعمالها لاستعباد الشعوب بأسم الدين.

نحن لا نريد الحرب أو العداء مع أي فئة او حكومة، ولا أن نرتمي في أحضان أي حكومة من الحكومات وندفع ثمن التبعية المقيتة. ولكنه، ولحد الآن لم يظهر ان مؤشر يدَّل على استقلالية الرأي ذا الصبغة العراقية الواضحة. والذي يثير الخوف أكثر هو ضياع الهوية الخاصة بالعراق كدولة مستقلة فكرياً وثقافيا وعقائدياً بعد أن فاز بها مجموعة تريد جرها إلى وقت يتعارض مع كل الموازين والنظريات والعلم الحديث، وتأخذها إلى وقت كانت فيه الشمعة تنير الظلام الدامس للبيوت والعقول، بدلا من فتح أبواب الحضارة الحديثة لتندمج مع تراث وحضارة العالم ليخطو العراق خطوات صحيحة ثابتة وليست عرجاء بعيدة عن الواقعية غارقة في التطرف الديني الطائفي الذي سيقضي على ما حصل عليه الفرد العراقي من ثقافة وأدب وعلم، وإنهاء ما حصلت عليه المرأة العراقية من تقدم باسم الدين حتى لو كان بسيطاً.

سيضيع العراق بين صراع الزعامات التي كما ذكرها احد الكتاب فخورا بالكلاو والكوفية والعقال. لا مانع من هذه الأزياء الشعبية التراثية شريطة أن تحافظ على هوية العراق كعراق وليس كتابع للون جديد. مهما اعتمر رئيس الدولة الجديد، ومهما وضع على رأسه من غطاء يحميه من شدة حر شمس عراقنا التي لا ترحم، عليه أن يضع نصب عينيه عراقنا الخالد للعراقيين. نحن لا نريد أن نتعلق بجمال غترة الياور، أو بدلة أياد علاوي أو عمامة الحكيم، أو حتى بلحية الجعفري أو عباءة خامئني، نحن نريد حاكما سلطته من هوية شعبه، وقوله من منفعة شعبه، وتفانيه من أجل التربة التي يحيا عليه الشعب الذي انتخبه، وليس قلبه في مكان خلف حدود العراق، وجسده جالس على كرسي عراقي.

الدكتورة خولة الزبيدي

الثلاثاء 22 فبراير

[email protected]