أرجو أن تتقبل كلامي هذا بكل سعة صدر وتثبت لي بأنك تؤمن بالديمقراطية والشفافية. ودعني ابدأ قولي:

وما أحلى التغزل بالديمقراطية التي استوردناها من الشعوب الراقية نحن الذين نسوق الماعز والبعير. وما أروعنا عند التهجم على الحضارة العربية التي تصفها يا سيدي الدكتور بكل صفات الهمجية، والتي يستطيع أن يفهم مغزى كلامك الحماسي حتى الجاهل البليد.

فعندما نتكلم يا سيدي الدكتور عما يحصل في عالمنا العربي والذي هو نتاج صريح وواضح لما تعمله الحضارات الراقية بنا. نحن نقول دوما عندما نتكلم بالسياسة أو الدين أو الفنون، علينا أن نوضح بدقة أن هناك فواصل علينا أن لا نخلطها وآلا ضاع كل ما نقوله وسنقوله.

إن كلامك عن همجية الحضارة العربية لهو أمر مخيف. ولا أريد أن أقول لك كنا وكنا وكنا، ونحن وضعنا الأسس الأولية للرياضيات والكيمياء والجبر والطب، ولا أريد إن أقول نحن أول من أسس المكتبات في وقت كانت الحضارات الراقية التي تقصدها والتي اعرفها ويعرف الجميع من تقصد غير موجودة أصلا، تعيش في عالم مظلم جاهل. لا أريد أن أقول لك نحن ونحن ونحن برعنا في الهندسة المعمارية، ولا أريد أن أقول لك عن المعلقات العشرة وكل شعرائنا لو ذكرتهم هنا لاحتللت إيلاف كما احتل الأمريكان وطني يا سعادة الدكتور.

سيدي الدكتور: هم قطعوا شوطا كبيرا وطويلا في التاريخ السياسي، ونحن الذين نسوق البعير والماعز ما زلنا حفاة عراة في الصحراء نغني على ليلى ونبكي على لبنى. دعني أسألك سؤالا أتمنى أن تجيبني بنفس البهجة الرائعة التي سادت مقالك ومقالاتك السابقة بالتعظيم وتقول لي هل ترك لنا أصحاب التاريخ السياسي الرفيع وقتاً لإعادة تسطير مجد امتنا العربية دون زرع حماتهم بين ضلوعنا، وتدخلهم حتى في شرب استكان ( بالمناسبة هذا اسم رجعي لكوب الشاي ) الشاي. زرعوا اسرائيل في كبدنا، وأعطونا كل ما جادت به أياديهم من عباقرة الحكام العرب ليقضوا مضاجعنا في منتصف الليالي، ويحرموننا من النوم الهنيء والراحة والأمن والسلام. أعطونا صدام حسين وهذا يكفي الذي ادخل كل امراض كتب الطب لعراقنا واصيب به شعبنا العراقي المناضل من سرطان واكتئاب وحث فلا حرج. فلا أريد أن أتدخل بسياسة أي دولة عربية مطلقا فاصحاب الدار أولى بسادتهم وهم الذين سوف يتناغون ويتغازلون معهم. لكن يا سعادة الدكتور أنا أحترم شدة نشوتك بالانتخابات العراقية التي صنعها الشعب العراقي البطل والذي دفع ثمنها أرواحا طاهرة راحت ضحية لها، لكنها هي انتخابات عراقية حلُم بها الشعب العراقي من اجيال، و رغم اندهاشي من مقالتك الهجومية على حضارتنا العربية، هنا أؤيدك أنها درس لكل العرب بترك انتخابات القائد مدى العمر وفوزه بنتائج باهرة 99.99%. إنها حقاً لدرس مفيد صادر عن العراقيين وللعراقيين.

إن تاريخ الشعب العراقي ملئ بالشفافية والنضال ضد حكامه الأوباش، والذي يقرأ تاريخ ونضال العراق رجاله ونساءه يُبهر به، إنه ليست المرة الأولى ينتفض ويعطي هذا الشعب ذو سبعة آلاف سنة حضارة حقة- وليست حضارة القتل والتمييز- دروساً للغير، إنه الشعب الذي أعطى درسا قاسيا للإنكليز في ثورة العشرين. إن الشعب العراقي المتميز بتكوينته العرقية والجغرافية والتاريخية يتمتع بشفافية مستديمة مهما حصل له.

صحيح إن لي اعتراض على من سيحكم خوفا من عدم العدالة، لكنني مع شعبي ووطني بشفافيته ونضاله وتاريخه العريق، لأنه لم يستعير من دول الحضارات الراقية أي شيء.

إن الدرس المفيد الذي يجب أن يعمله من فازوا بالانتخابات الديمقراطية التي نهلل لها، هو لم شملهم وجعل هذا الفوز عرس البناء والوطنية الحقة، ووضع جدولة زمنية جادة في إخراج الجيوش المحتلة للعراق، وإعادة الحكم بيد أصحابه، وبناء العراق على مبدأ الاستقلالية والسيادة الوطنية وحفظ كرامة العراقي، وإعطاء حق المرأة كاملاً وعدم تقديها بقيودٍ بالية أكل الدهر عليها وشرب، وإنقاذ ما تهدم وما أكثر ما تهدَّم وأهمها نفسية الشعب العراقي المتعب، لان بناء ناطحات السحاب والشوارع المبلطة سهلة التعويض، لكن نفسية الإنسان التي رزحت تحت حكم دكتاتوري خانق بغيض مدمر واستعمار في الوقت الراهن ليس بالسهل إصلاحها.

إن تفاؤلك بنوعية الدولة التي ستقام غير مضمون لحد الآن، فكيف تضمن قيام دولة مستقلة تحت ظل الاستعمار، ولا تقل لي إنهم جاؤوا لأنقاذ الشعب العراقي من حكم الطاغية حباً لسواد عيون الشعب العراقي!!!! إن الذين سيحكمون ليس لهم الإرادة على اتخاذ ابسط القرارات، لان العراق يا سيدي الدكتور النابلسي بلد مستعمر من قبل جيوش جرارة، فما هو هدف تواجدها في العراق غير السيطرة عليه؟ هل جاءت لتقضي فصل الشتاء عندنا تخلصاً من موسم الثلوج عندهم، أو لتصطاف في مرابع العراق؟؟؟؟ لننتظر ما الذي سيحصل، فإن غداً لناظره غريب ( قريب ). ولنجعل فوز الانتخابات العراقية معولا بناءاً وقدوة للشعوب العربية، وليست وسيلة وأداة نتهجم بها على الدول العربية، وكان الله في عون عبادة أصحاب النية الطيبة.

الدكتورة خولة الزبيدي

الأربعاء 23 فبراير

[email protected]