علّة العلل في المفكرين والمثقفين والسياسيين العرب بشكل خاص هي أنهم لا يدركون معنى الصراع الطبقي بل ينكرونه إنحيازاً منهم للتآخي والتعاون بين المواطنين بمختلف طبقاتهم، لكأنما الصراع الطبقي ينفي نفياً باتاً كل تعاون بين أبناء الشعب الواحد وبين الطبقات أيضاً. ثمة فقر فلسفي لدى هؤلاء جميعاً حيث أن وحدة الأضداد هي القانون الأساسي في الطبيعة بل السبب الوحيد لوجود الطبيعة فلا تعاون بلا صراع والعكس صحيح أيضاً؛ وللتمثيل على هذه الحقيقة نقول أن صراعاً طبقياً يقوم بين الطبقة العاملة من جهة والرأسماليين من جهة أخرى في فرنسا مثلاً ولولا أن هناك تعاوناً بين الطبقتين في عملية الإنتاج الفرنسية لما كان هناك صراع إذ ليس من صراع بين العمال الفرنسيين والرأسماليين الإنجليز أو الإيطاليين وذلك بسبب فقدان التعاون بينهما. وهكذا فإن الصراع يقتضي التعاون والتعاون يقتضي الصراع كذلك. وثمة بعد آخر أعمق من هذا في معنى الصراع الطبقي يتمثل في إنتاج الحياة نفسها أو إنتاج أسباب الحياة وهي الإنتاج بذاته. يتعاون كل أفراد المجتمع لإنتاج الإنتاج وكلما توسع الإنتاج وتنوع وتطور كلما إزداد تقسيم العمل وتنوعت المهن. وسنّة الحياة الإنسانية هي تحقيق الذات الذي يتحقق فقط بتطوير العمل المنتج أي تطوير المهنة، وتطوير المهنة هو الحرف الأول من حروف الصراع الطبقي. فكل منتج يجهد ليل نهاراً لأن ينتج أفضل إنتاج نوعاً وكمّاً وذلك من أجل أن يعود عليه إنتاجه بأفضل النتائج ولا يتم ذلك إلاّ من خلال دخول إنتاجه في منافسة مع المنتوجات الأخرى في السوق حيث تتحدد قيمته النسبية. هذا هو قدر الناس جميعهم بمختلف طبقاتهم وبمختلف مهنهم في ظل قانون القيمة، القانون الذي يحدد قيمة المنتوج. وهكذا يتبدى واضحاً كل الوضوح أن الصراع الطبقي هو قانون الحياة في ظل قانون القيمة، ولا يمكن إستبدال هذا القانون قبل إلغاء قانون القيمة.
الخباز لا يجهد لإنتاج الخبز الجيد إلاّ ليكسب سوقاً لخبزه تعود عليه بعوائد مجزية. وخبزه في السوق لا يدخل في منافسة مع الأخباز الأخرى فقط بل ومع سائر السلع الأخرى حتى تلك التي لا تتصل بأي علاقة ظاهرة معه كالأحذية مثلاً. هذه هي القاعدة الذهبية في علم الإقتصاد، مثلها مثل معدلات القبول في الجامعات فارتفاع معدل القبول في كلية الحقوق مثلاً من شأنه أن ينعكس مباشرة في انخفاض معدلات القبول في سائر الكليات الأخرى ككلية الهندسة التي لا تربطها رابطة بالقانون. على هذه الصورة يمكن تصور صورة الصراع الطبقي الذي لا سبيل لنكرانه.
من يقول بأن الصراع الطبقي هو المحرك المسئول عن تقدم المجتمعات وتطورها يقول أيضاً وبنفس القوة أن الصراع الطبقي يعمل كذلك في الإتجاه المعاكس فيحد من سرعة تقدم المجتمعات حيث تهدر مختلف الطبقات الإجتماعية جهوداً كبيرة في موجبات الصراع كان يمكن أن تضيفها إلى جهودها الإيجابية في الإنتاج. فلولا الصراع لما لجأ بعض الخبازين إلى تزييف خبزهم من خلال إضافة بعض المواد الغريبة إليه لتعطيه رائحة وطعم الخبز الطبيعي الكلاسيكي.
تبعاً لهذا القانون الأولي للحياة في ظل قانون القيمة في المجتمعات الطبقية، قانون الصراع الطبقي، تتشكل مختلف النشاطات الإنسانية الأخرى من معتقدات روحية وإيديولوجيات سياسية واقتصادية ومن آداب وفنون وعلوم أيضاً، العلوم التي تبدو مجردة من كل علاقة مع النشاطات الإنسانية الأخرى إلاّ أن هذه النشاطات التي تتشكل تبعاً للصراع الطبقي هي ما يحدد مجرى تطور وتقدم العلوم في نهاية الأمر.
تزييف الخبز أقل أذىً من تزييف الفكر. يزيف المفكرون فكراً ضاراً لذات الأسباب التي تدفع الخبازين لتزييف الخبز، وهي كسب السوق وجني الأرباح التي لا يستحقونها. مفكرو الأسواق يبنون نظريات وأفكاراً لا جذور لها في تربة الواقع، نظريات وأفكاراً لا تأخذ بقانون الحياة الأساسي. يبيعون شعوبهم أفيوناً دون أن يخشوا عقاباً أو محاكمة عادلة. يتفشى تزييف الفكر بصورة لافتة بين أساتذة العلوم السياسية والتاريخ في الجامعات العربية. لا يكتفون بإفساد عقول الناشئة من طلبتهم بل تراهم ينشطون في تسويق أفكارهم المزيفة عبر مختلف وسائل الإعلام. وتنافس أساتذة العلوم السياسية والتاريخ في إكتساب الأسواق يدفعهم بصورة آلية إلى فك الرباط بين العلم والسياسة فيتركون العلم في بطون الكتب ويخطفون السياسة إلى السوق يتاجرون بها كما يتاجر باعة الأرصفة بالكتب الرخيصة.
إدّعى أحد هؤلاء التجار بالقول .." لقد تلاقت طبائع العرب مع عناصر الفاشية ومبادئها"وخلص من هذا الإدعاء الكوزموبوليتي إلى أن حركة التحرر الوطني العربية التي أطّرت تاريخ الأمة العربية طيلة القرن العشرين إنما هي حركة فاشية إنبعثت من فاشية موسوليني في إيطاليا ونازية هتلر في ألمانيا !! هذا الدكتور في علم التاريخ لا يخاطب الناشئة من طلابه على مقاعد الدراسة بل يخاطب الرعاع ـ على ما يعتقد ـ في الشارع العربي. يتوقف أمام الحاج أمين الحسيني في فلسطين ورشيد عالي الكيلاني في العراق ثم أمام القائد العربي التاريخي جمال عبد الناصر في مصر وأخيراً أمام عساكر البعث الإنقلابيين. بلغت به الجرأة أن يدرج عبد الناصر في خانة النازية وتحايل في تجاهل الشريف حسين، قائد أول ثورة وطنية في المشرق العربي 1916، وياسر عرفات قائد آخر الثورات في فلسطين، وذلك لأن الشريف حسين قام بثورته متحالفاً مع الإمبراطورية الإستعمارية التي يبشر بعقيدتها الليبرالية هذا الدكتور المتجرئ ضد الإمبراطورية العثمانية غير الليبرالية، أولاً، ولأنه أعلن الثورة حين كان موسوليني شاباً منبوذاً في عالم السياسة الإيطالية، ثانياً. وتجاهل ياسر عرفات لأنه واجه عصابات صهيونية ورثت من النازية كل تراثها البربري.
دعني أصطنع التهذيب البورجوازي لمرة واحدة فلا أشير إلى عدد "إيلاف" الذي نشر الأستاذ الدكتور فيه عرضه لحركة التحرر الوطني العربية خلال القرن العشرين واصماً إياها بالفاشية لأتساءل... أي عار ألحق هذا الأستاذ بالجامعات العربية !! أستاذ للتاريخ، وليس للهندسة أو الجغرافيا، يعرض جهلاً مطبقاً ليس بالفاشية وحسب بل وبالقضية الوطنية للشعوب العربية التي لا بدّ وأن يكون قد عاشها الأستاذ بكل تفاصيلها !! تعلل الأستاذ في إستعراضه لفاشية العرب بعلل لا تساعد ولو بمقدار على تزييف حركة تاريخية كبرى إستغرقت تاريخ أمة بحالها لقرن طويل وصعب. أمة بذلت كل جهد فيها لتتحرر من الإستعمار الإمبريالي وتنتهي ليفاجئها إبنها العاق بالبصق في وجهها وبلعنها بالفاشية وبالنازية !! وإلاّ فماذا يمكن أن يقال عن ابن يلعن والديه لأنهما لم يتركا له ثروة كبيرة بعد أن كدحا طيلة العمر ليوفرا له أسباب الحياة الأولية بجهد جهيد ؟!
لعنة الفاشية والنازية لا تنسحب على الشعوب الفقيرة طالما أنها الإبنة الشرعية للرأسمالية الإمبريالية التي ظلت عدو العرب الوحيد خلال القرن العشرين. ثقافة العدو لا يمكن أن تكون بحال من الأحوال ثقافة المعتدى عليه؛ والزعم .." بأن الفاشية نمت وسيطرت وترسخت في مجتمعات أسيوية وأفريقية مثل المجتمعات العربية" زعم باطل وأجوف ولا يستند إلى أية محاكمة علمية. الصورة في ذهن أستاذنا الجامعي تقول بأن الطليان والألمان إنزعجوا كثيراً من الحرية والديموقراطية في كل من بريطانيا وفرنسا فتسلحوا بالفاشية والنازية لمقاومتهما !! مثل هذا الهذيان إرتسم في مخيلته على غير وعيٍ منه بالتأكيد إذ أن جميع الذين يحشرون السياسة في خانة الإرادات ويفصلونها فصلاً تاماً عن قوانين الحياة وميكانزمات أسباب العيش العاملة خارج نطاق الإرادات، مثل هؤلاء الناس يجدون أنفسهم في حالات كثيرة، ودون وعي منهم، يهذون بما لا يفهمه غيرهم. فهل للمرء أن يتخيل جاره منزعجاً من الورود والرياحين الجميلة الشذية في حديقة بيته فلا يبدد الجار إنزعاجه إلاّ بتدمير البيت على أصحابه؟!! هذا ما يهذي به أستاذ علم التاريخ التوأم لعلم السياسة. ما أزعج الطليان والألمان ليس الحرية والديموقراطية في بريطانيا وفرنسا بل العكس هو الصحيح، إنه الطوق الإمبريالي الذي فرضته الإمبراطوريتان الإستعماريتان البريطانية والفرنسية حولهم حتى تهددهم بخطر الإختناق. تطور الإنتاج الرأسمالي بسرعة في كل من ألمانيا وإيطاليا وفاقت قدرة الإنتاج على قدرة الإستهلاك في كلتيهما وبات خطر الإختناق الذاتي يتهدد البلدين مما حتم عليهما كسر الطوق الإستعماري الأنجلوفرنسي، فغزى موسوليني الحبشة وليبيا للمرة الثانية وغزى هتلر النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندة قبل أن تنشب الحرب العالمية الثانية. الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية هما ثقافة الغزو الإمبريالي تماماً مثلما كان الدين ثقافة الغزو في الإمبراطوريات الريعية القديمة.
قوى حركة التحرر الوطني العربية ناضلت لتحرير بلادها من الغزو الإمبريالي وليس لتغزو بلداناً أخرى وراء الحدود حتى يتم وصفها بالفاشية. كانت تنادي بالحرية وبالمساواة بين الشعوب كيما يتسنى لها المطالبة بالإستقلال وحكم نفسها بنفسها. نهض العرب حديثاً يطالبون بالإستقلال فواجهوا قوى إمبريالية تدّعي الليبرالية والديموقراطية تنكر عليهم الحق بالإستقلال بحجة أنهم لم يبلغوا درجة من الحضارة تمكنهم من إدارة بلدانهم. فمن هو الفاشي في هذه الحالة ؟؟ ينبري أستاذنا في علم التاريخ ليجيب دون تردد بأن العرب هم الفاشيون وأما الإمبرياليون من إنجليز وفرنسيين هم الأحرار الديموقراطيون !!
يدمغ أستاذنا كلاً من الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني بالفاشية لأن الحسيني حاول الإستعانة بالنازيين في ألمانيا من أجل تحرير فلسطين من الإنتداب البريطاني والعمل على وقف تدفق هجرة اليهود إلى فلسطين، ولأن الكيلاني قام بثورة عام 1941 تهدف إلى طرد الإنجليز من العراق أثناء الحرب العالمية الثانية بين ألمانيا وبريطانيا فاعتبر الكيلاني متعاوناً مع النازيين. هذا لا يكفي لإدانة هذين الرجلين بالفاشية، فالفاشية ثقافة وليست موقفاً سياسياً خاطئاً. أضف إلى ذلك أنه حينما تنسد كل المنافذ أمام الثورة، أية ثورة، ترتكب قياداتها في الغالب أخطاءً فادحة يصعب غفرانها لكن بذات الوقت يصعب إصدار أحكام غليظة بحق مثل هؤلاء القادة. فكلا الحسيني والكيلاني قادا ثورتين وطنيتين للتحرر استخدمت بريطانيا العظمى كل مخالبها وأنيابها الحادة لخنقهما. وحين توضح إنهزام بريطانيا أمام الجيوش النازية إنتهز كلا القائدين الفرصة للتخلص من الإحتلال البريطاني وأبديا إستعداداً لقبول المساعدات الألمانية جهلاً منهما بطبيعة النازية وأهدافها البعيدة المدى وأخذا بقاعدة عدو عدوي صديقي بالضرورة. إننا ونحن ندين تحركهما باتجاه ألمانيا النازية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصمهما بالفاشية طالما أنهما قائدان لثورتين تحرريتين.
في الواقع أنني ما كنت لأتعرض لمثل هذا التزييف في الأفكار لو لم يتجاوز الأستاذ في علم التاريخ كل الخطوط الحمراء ليصل به الأمر إلى دمغ القائد التاريخي العظيم جمال عبد الناصر بالفاشية. ليس لي أن أستغرب عدم فهم جمال عبد الناصر حتى من قبل الناصريين أنفسهم طالما أن للثورة علماً خاصاً بها، فكما أن للسياسة علماً يشتمل على شبكة من القواعد والقوانين فللثورة، وهي أرقى السياسات، علم كذلك تعرض له قادة تاريخيون مثل لينين وستالين وماوتسي تونغ وهوتشيمنه وتشيغيفارا. نعذر الناصريين وغيرهم لجهلهم في علم الثورة لكن يصعب علينا أن نعذر أستاذاً في علم التاريخ لأي قصور في الإحاطة به؛ وبالتالي لا يجوز لنا إطلاقاً أن نسامحه على تحقير أعظم قائد تاريخي أنجبته أمة العرب بدمغه بالفاشية. حجته في ذلك هي أن عبد الناصر لم يكن ليبرالياً، وهذه حسنة وليست منقصة فيه. فلو كان الرسول محمد ليبرالياً لما استطاع أن يصنع ما صنع ويترك قيماً ديموقراطية ما زال المسلمون يتغنون بها بعد أربعة عشر قرناً. جميع قادة الثورات العظمى في التاريخ لم يكونوا ليبراليين. ولو كان عبد الناصر ليبرالياً لما استطاع أن يؤمم قناة السويس ويستعيدها لشعب مصر من مالكيها الإنجليز والفرنسيين، ولما استطاع أن يبني السد العالي بكل ما يدر به على الصناعة والزراعة في مصر، ولما استطاع أن يبني مصانع الحديد والصلب في حلوان وهي أضخم منشأة صناعية في مصر وأفريقيا، وأخيراً لو كان عبد الناصر ليبرالياً لما قام أصلاً بالثورة عام 1952، الثورة التي فتحت أفاقاً رحبة لنهضة عربية متجددة أحدثت إنعطافات كبرى على الصعيدين المادي والفكري في تاريخ المنطقة ومنها تحرير الجزائر والسودان وليبيا واليمنين الشمالي والجنوبي وإمارات الخليج والعراق.
ويعيب الأستاذ في علم التاريخ على عبد الناصر أنه لم يكن ديموقراطياً وعطل الحياة الديموقراطية في مصر وحل الأحزاب وصادر الصحافة. هذا صحيح، لكن ماذا لو كان عبد الناصر ديموقراطياً وأعاد السلطة إلى الإقطاعيين وكبار التجار في قيادة حزب الوفد، هل كان سيتغير شيء في مصر وفي أحوال الشعب المصري البائسة جداً آنذاك ؟؟ هل ترك الجنرال السوداني الديموقراطي سوار الذهب أي أثر في الحياة السودانية ؟ بالإضافة إلى ثورة التحرر الوطني وطرد الجيوش البريطانية من مصر إمتلك عبد الناصر برنامج ثورة إجتماعية في حقلي الصناعة والزراعة لم يكن بالإمكان تنفيذه في ظل حكومات حزب الوفد ومثيلاتها. كان أقوى من وقف بوجه عبد الناصر مطالباً بعودة الديموقراطية هو الإخوان المسلمون الذين يعلنون صراحة وبقوة أن الحاكمية لله (الكتاب والسنة) وليس للشعب، ثم الشيوعيون الذين يؤمنون بدكتاتورية البروليتاريا كما هو معروف.
تميّز شخص عبد الناصر بأمانته للثورة معتبراً أن الثورة ملك للشعب وليس له أو لأي جهة أخرى؛ ومن منطلق الأمانة التامة للثورة كان عبد الناصر لا يتردد في الإعتراف بأخطائه أمام الشعب صاحب الثورة دون خشية على هيبته الشخصية وهذا ما لم يفعله أحد من القادة العظام عبر التاريخ. بمثل هذه الأمانة الفريدة رافق عبد الناصر الثورة وتقدم الرفيقان، عبد الناصر والثورة، بتأثير متبادل حتى غدا جمال عبد الناصر أعظم زعيم في العالم تقف خلفه كل قوى التحرر الوطني في العالم كله وليس في العالم العربي فقط. لقد ساهم جمال عبد الناصر مساهمة كبرى في تصفية كل أشكال الإستعمار في كل زوايا المعمورة وهو ما أعلنته الأمم المتحدة في إعلان تاريخي لها عام 1972.
أما بخصوص فاشية حزب البعث فإنها في الحقيقة شبيه الفاشية وليست الفاشية بذاتها. والتشابه بين الإثنتين لا يعفي أستاذ التاريخ من ملامة التقصير. منذ بداية ستينيات القرن المنصرم بدأت حركة التحرر الوطني العالمية بالتقهقر وكان ذلك بفعل تراجع الثورة الإشتراكية العالمية بدءاً من موسكو. وفي بداية السبعينيات سدّت كل الآفاق أمام حركة التحرر الأمر الذي شجع أنور السادات إلى القفز من قيادة الثورة العالمية للتحرر إلى حضن الإمبريالية الأميركية. في ظروف الجزر الثوري على الصعيدين الوطني والإشتراكي بشكل خاص لا مفر من انحلال مختلف فصائل قوى الثورة ومنها أحزاب البعث العربي والأحزاب الشيوعية أيضاً. إرهاصات الإنحلال تتمثل بداية بالتشظي الذي عانت منه أحزاب البعث في المشرق العربي كما عانت منه الأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية. إنشقت أحزاب البعث إلى مجموعات متباينة دون أن يكون هناك حتى أدنى الخلافات العقائدية بينها. وبتنا نجد زمراً بعثية في سوريا والعراق والأردن لا تمتلك برنامجاً وطنياً أو قومياً متكاملاً، زمراً متفككة يسهل إختراقها من قبل أقوى أعضائها يعوّضها حتى بنزواته الفردية الدنيئة عما فقدت من إرث وطني وقومي. ومن مقاومتها للإنحلال تتولد في هذه الزمر أفكار تآمرية إنقلابية تمكنها من السطو على سلطة الحكم. مثل هذه الزمر لا تحتفظ بالسلطة المختطفة إلاّ بإبادة مختلف القوى التي ترى فيها تهديداً لسلطتها دون أن يردعها رادع حتى ولو أبادت كل الشعب. السلطات النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا لم تصل بشاعة جرائمها الحدود الدنيا من جرائم زمر البعثيين مثل إبادة مدن كاملة بالغازات السامة. كان الفاشيون يخرقون القانون الدولي وينتهكون السلم العالمي جاهدين لكسب رضا شعوبهم أما زمر البعثيين فلم تكسب من شعوبها إلاّ السخط والكراهية. ثقافة الفاشية هي ثقافة الرأسمالية الإمبريالية أما ثقافة زمر البعث، وليس البعث، فهي ثقافة البورجوازية الوضيعة المفلسة مادياً وأخلاقياً والفرق شاسع بين الثقافتين. زمر البعث هي شبيهة الفاشية وليست الفاشية ذاتها، وإن شئت، فالفاشية هي شبيه زمر البعث.




التعليقات