تصاعدت الأحداث في لبنان منذ التمديد للرئيس: إميل لحّود، الذي اُستخدِمَ ذريعة في الداخل والخارج، من أجل تأجيج الصراع الداخلي من جهة، وجرّ لبنان إلى قاعات مجلس الأمن من جهة ثانية، ثمّ جاء القرار/1559/ كنتيجة لتقاطع المخططات الأمريكية –الفرنسية في المنطقة، واستغلالها تراكم أخطاء التواجد السوري في لبنان سياسيا وأمنيّا، وأخطاء الأجهزة والحكومات اللبنانية، وقد شكّل هذا القرار غطاء سياسيا ودوليا لاستهداف لبنان.... وكانت محاولة اغتيال النائب اللبناني المدانة: مروان حمادة بداية تنفيذ المخطط الخطير المرسوم له، والذي حصد مؤخرا وبشكل إجرامي رئيس وزراء لبنان السابق: المرحوم رفيق الحريري ممّا وضع لبنان على فوهة بركان، قد يُطلق حممه في الأيام، أو الأشهر القليلة القادمة، إذا لم تتكاتف جهود عقلاء لبنان جميعا من كلّ الطوائف والقوى والأحزاب والأفراد من أجل إخماده بالسرعة القصوى...
القوى والأطراف الستفيدة من تأجيج الصراع، ودوافعها:
أولاً – داخلياً:بالرغم من استتباب الأمن في لبنان بسبب حصائل مؤتمر الطائف (على علاّته )، والتواجد السوري، وهزيمة بعض القوى والتيارات الانعزالية، ثمّ نجاحات المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة " حزب الله "، وتعامله الحضاري مع النصر الفريد والاستثنائي الذي حققه بتحرير الجنوب اللبناني من المحتل الإسرائيلي، وبحصول لبنان على حقه في مياهه، مع تجنّب عقد اتفاقات، و تقديم تنازلات، أو استجداء حسنات مجلس الأمن... غير أنّ بذور الفتنة بقيت قائمة تحت الرماد، لأنّ النظامين السوري واللبناني عجزا عن تحقيق المصالحة التاريخية الحقيقية التي تصون الوحدة الوطنية اللبنانية، وتقاعسا عن التنفيذ الكامل لاتفاق الطائف، وعن ردع أجهزتهما الأمنية عن ممارساتهما الخاطئة، ممّا شكّل تربة خصبة لتلك البذور لكي تنبت، وخاصّة أنّها وجدت مَن بسقيها بشكل مباشر أو غير مباشر من أطراف خارجية...وكان من أهمّ تعبيراتها وتلاوينها: تعطّش العماد ميشيل عون للسلطة، وطموحاته غير المشروعة، وديناميكية قاعدته الشعبية، وتعلّقها بشخصه، وبقايا القوات اللبنانية المهزومة، وحماس شبابها، وبقاء قائدها في السجن وشعورها بأنّ محاكمته ومحاسبته كانت انتقائية وكيدية...وروح الثأر المعشعشة في أعماق وليد جنبلاط لاغتيال والده على يد النظام السوري ( المتهم الأول بذلك )، والشعور الدفين في أعماق بعض اللبنانيين بالنقص والغيرة من " حزب الله " لما أنجزه، ولكونهم لم يطلقوا طلقة واحدة في معارك تحرير الجنوب، بالرغم من (فروسيات) وعنتريات البعض، والعشق المبالغ فيه والمصطنع بلبنان كوطن من قبل البعض الآخر، واستخدامه ورقة للمزايدة، والطعن بالخصوم...الخ، كما زاد الطين بلّة بقاء شرائح هامّة في الصف المسيحي مقاطعا المشاركة في الحكم والانخابات...
ثانياً – خارجيا:
1- إسرائيلياً: إنّ الانسحاب الإسرائيلي المذلّ من جنوب لبنان بفضل تضحيات المقاومة اللبنانية يُعتبر سابقة لم يعهدها تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، وقد شكّل انتصار المقاومة وتحرير الجنوب دون التزامات أو اتفاقات تكبّل إرادة اللبنانيين حافزا وعاملا هامّا في اندلاعة انتفاضة الأقصى واستمرارها وصمودها، وقدّم جرعة أوكسجين أنعشت الجماهير العربية من احباطاتها المتكررة في ظل الأنظمة العربية المتخاذلة والمستبدّة والمهزومة...وهذا ما كانت الحكومات الإسرائيلية تتجنّبه، لأنّها كانت حريصة كل الحرص عبر تاريخها على عدم إفساح المجال للعرب من إحراز أيّ مكسب معنوي صالح للتوظيف في عملية إنهاض الأمة وجماهيرها من أجل التصدّي للمشروع الصهيوني، ودحره... ولذلك فإنّ خلط الأوراق في لبنان، وبث الفتنة بين صفوف أبنائه مهمة دائمة على جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية،تستهدف إنهاك لبنان، وتصفية "حزب الله" عدوّها اللدود، والثأر من انتصاره في الجنوب، وكسر جدار (توازن الرعب) معه من خلال تدمير شبكة صواريخه التي أصبحت تطال أعماق فلسطين المحتلة، وبذلك صارت تُعتبر قوّة الردع العربية الوحيدة التي تحسب لها (إسرائيل)ألف حساب، وتحمي ليس لبنان فحسب، وإنّما سورية وإيران أيضاً، ممّا حجّم سطوة التفوّق الإسرائيلي العسكري بعض الشيء، وإذا تذكّرنا عِبََرَ الماضي نجد أنّ الاجتياحين الإسرائيليين للبنان تمّا في عامي 1978 و 1982، أي خلال الحرب الأهلية اللبنانية... واليوم وغدا ستبقى النوايا العدوانية الإسرائيلية مستهدفة لبنان حتى يتمّ نزع سلاح "حزب الله"، وبالتالي فإنّ النفخ في نيران الأزمة اللبنانية الراهنة، وتوجيه التهم جزافا لهذا الطرف أو ذاك، ودفع الأمور نحو الاقتتال اللبناني – اللبناني هو هدف ثابت للكيان الصهيوني....
2-أمريكيا ً: كما هو معلوم، يوجد تحالف استراتيجي أمريكي – إسرائيلي، وقد تعزّز وتدعّم خلال فترة الإدارة الأمريكية المتصهينة الحالية، وخاصة بعد أن غرقت في المستنقع العراقي، ولذلك فإنّ مصالح الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية تتقاطعان في استهداف لبنان عامة،و"حزب الله " خاصة، باعتبار لبنان الساحة المناسبة للضغط على سورية وإيران، وتجريدهما من حليف مشترك لهما، بهدف شلّ وتغييب أي دور لهما في العراق، وإبقاء المقاومة العراقية البطلة معزولة عن محيطها العربي والإسلامي، وتقاتل منفردة دون سند أو دعم، ولو امتلك النظامان السوري والإيراني إرادة نضالية حقيقية، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وثقة بالنفس، لأوجدا معادلة الدعم المطلوبة للمقاومة العراقية، لأنّ تحالفهما معها هو أقصر وأفضل الطرق للدفاع عن أمنهما، وإحباط المشروع الأمريكي في المنطقة...لأنّ المحافظين الجدد "واللوبيات" الصهيونية المهيمنة على القرار الأمريكي قد تعتبر أنّ من واجبها اغتنام فرصة هيمنة أمريكا على العالم، والانحطاط العربي الراهن لتصفية الحساب مع أيّ بلد أو جهة، أو قوّة تشكّل عدوّا جديّاً للكيان الصهيوني ( قائماً أو محتملاً)، ولهذا لن يستفيد النظامان في سورية وإيران من إتباع سياسة المهادنات والتنازلات، لأنّ سلسلة المطالب والابتزازات الأمريكية والصهيونية ليس لها حدود...
3- فرنسيّاً: إنّ تعاظم النفوذ الصهيوني في أوربا، والنزعة الاستعمارية الدفينة في نفوس بعض حكامها وسياسيّيها، وتنافس الدول الكبرى على مناطق النفوذ، دفع / شيراك / إلى الحنين لاسترجاع دوره في لبنان لاعتبارات تاريخية وطائفية معروفة للجميع، ولذلك سعى وبادر للتنسيق مع الإدارة الأمريكية في استصدار القرار 1559، وتصعيد الضغوط على الحكومتين السورية، واللبنانية. ( وهذا ما وضّحته مفصّلاً في مقال سابق )....
التجليّات العمليّة المحتملة لتنفيذ المخطط الامبريالي –الصهيوني في لبنان:
- نظراً لاستمرار انتفاضة الأقصى ما يزيد عن أربع سنوات وأربعة أشهر، واستنزاف الكيان الصهيوني عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً طيلة هذه المدّة...فإنّ الدور العسكري الإسرائيلي المباشر تراجع إلى حدّ كبير، أي أنّ (إسرائيل) لم تكن قادرة موضوعياً على إرسال قواتها إلى خارج فلسطين المحتلة في فترة استمرار الانتفاضة، وفي الوقت نفسه فإنّ المقاومة العراقية مستمرة في استنزاف القوات الأمريكية المحتلة منذ حوالي عامين، كما إنّ الوضع في أفغانستان لم يستقرّ بعد، وقابل للتصعيد في كل وقت، إضافة إلى أنّ الاقتصاد الأمريكي في أسوأ حالاته، والحالة الشعبية الأمريكية ابتدأت تفكّر بعقلها بدلاً من الانجرار العاطفي الشوفيني لإدارة بوش وعصابة المحافظين الجدد، ولذلك فإنّ الإدارة الأمريكية عاجزة موضوعيا عن فتح جبهة حديدة والغرق في بؤرة توتر واستنزاف أخرى قبل هدوء الأوضاع في العراق، والتحكّم القوي بها... وبما أنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أطلقته تلك الإدارة ليس ترفا ً سياسياً بالنسبة لها، وإنّما هدف استراتيجي تطمح إلى تحقيقه من أجل إعادة صياغة المنطقة، وتوظيفها في صراعاتها الدولية لضمان استمرار تحكّمها الراهن بالعالم إلى أمد طويل...وإذا تفحّصنا واقع الشرق الأوسط نرى أنّ الأوضاع في كلّ من سورية ولبنان وإيران لا تزال غير مهيّأة بالشكل المطلوب لمشروع الشرق الأوسط الكبير، بالرغم من أنّ النظام السوري قد تمّ تطويعه إلى حدّ كير، ولكنّ عقبة استعادة الجولان المحتلّ كشرط أساسي لابدّ منه للانخراط أكثر فأكثر في المشروع الأمريكي بقي دون حلّ،، ومن الصعب تحقيقه في المنظور القريب،حتى ولو شاءت الإدارة الأمريكية ذلك ( وهي لم تشأ حتى الآن ) بسبب عدم رغبة شارون من جهة،وعجزه عن تنفيذ خطوة هامّة بالنسبة للإسرائيليين من جهة ثانية، نظراً لمتاعبه السياسية داخل حزبه وخارجه، فهو – وبصعوبة بالغة – يمكن أن يُتاح له تطبيق خطته في غزّة هذا الصيف وفقط...ولهذا كلّه فإنّ التحالف الأمريكي - الصهيوني يبدو أنّه اعتمد الأسلوب الأوكراني في عملية التغيير في المنطقة، وفي حال عدم نجاحه ستكون( إسرائيل ) جاهزة خلال هذا العام للقيام بدور عسكري فعّال خارج حدود فلسطين المحتلة بعد أن تمّ إيقاف الانتفاضة بثمن بخس...وبما أنّ المعارضة السورية بكل شرائحها الوطنية والقومية والإسلامية واليسارية رفضت أن تكون أداة بيد أمريكا، أو حليفة لها. فإنّ الأسلوب الأوكراني لم ينضج بعد، ولذلك فإنّ إيلام النظام السوري والضغط العسكري والأمني والسياسي عليه سيكون في لبنان، وتحويل هذه الساحة من ورقة ضغط وقوّة في يده إلى شوكة موجعة في خاصرته لاستنزافه وإضعافه...
-وعموما، فإنّ ماجرى ويجري في لبنان مرتبط بما تمّ في فلسطين، حيث تمّ اغتيال عرفات مسموما، ووصول أبو مازن إلى رئاسة السلطة، وإيقاف الانتفاضة...ثمّ جاء لقاء شرم الشيخ لتبييض شارون المجرم (بأبو عومري ) يريد ( السلام)، والخروج بتفاهمات شرم الشيخ...الخ وهذا كلّه يعني أن أعباء المجابهة الطويلة مع الانتفاضة قد نزل عن كاهل (إسرائيل )، وبالتالي يصبح جيشها قادراً على تنفيذ مغامرات شارونية خارجية جديدة...
- إنّ بروز الشهيد الحريري كشخصية سياسية فاعلة في الساحة اللبنانية، وتربّعه على كرسي رئاسة الحكومة مدة طويلة تفوق أي سياسي لبناني آخر بعد دخوله المعترك السياسي تمّت في ظل النفوذ السوري في لبنان، حيث كانت علاقاته حسنة معه، بالرغم من بعض التوترات اللبنانية الداخلية التي كانت قابلة للحلّ بزيارة واحدة إلى دمشق، وإذا عدنا إلى آخر استقالة له بعد التمديد لرئيس الجمهورية، والتي صوّرها البعض بأشكال مغايرة عن دوافعها الحقيقية، بينما كانت في جوهرها خطوة سياسية ذكية،لأنّه أراد أن يستريح من أعباء ومشاكل مرحلة انتقالية قصيرة مليئة بالمهام الصعبة، وبالتالي يكون جاهزا لتولّي المسؤولية

ثانية بعد الانتخابات المقبلة، وفي الوقت نفسه لم يثر مسائل جوهرية لسبب الاستقالة
وعلى كل حال، بقي الحريري يمثل خطاً وسطا في السياسة اللبنانية، فهو من جهة احتفظ بعلاقة حسنة مع سورية، ولم تذهب معارضته الداخلية بعيدا كبقية الأطراف، ولكنّ الآخرين من المعارضة كانوا يسعون جاهدين لكسبه بشكل كامل لوزنه الدولي، ولحاجتهم الماسّة إليه في بناء اصطفاف سياسي قوي معارض يجابه تحالف جبهة الحكم في لبنان، ويكون منسجماً مع مضمون القرار 1559، أي رفع سقف المطالبة بشكل يتجاوز فيه سقف الطائف... إذ بدونه ستتمكّن هذه الجبهة من الفوز في الانتخابات المقبلة، ممّا يعقد الأمور في وجه المعارضة، غير أنّ الحريري أصرّ على موقفه وهو العمل السياسي تحت سقف اتفاق الطائف وبكل جوانبه، وهذا ماصرّح به عدة مرّات قبيل جريمة اغتياله، وكان يدرك جيدا أنّه بعلاقاته المتوازنة بين أطراف الصراع على الساحة اللبنانية سيبقى مركز الاستقطاب الأساسي للجميع، وهذا ماعبّر عنه للصحفي وليد شقير في آخر يوم من حياته، حين سأله: "المعارضة تقف هنا... والموالاة هناك... وأنت أين؟" فأجابه: أنا في الوسط، وسيأتي الطرفان إلى عندي...وهذا التوصيف صحيح ودقيق جدّاً،
وهكذا فإنّ ثبات المرحوم الحريري على موقفه السياسي هذا أصبح ضارّاً بمفهوم الذين يخططون لإحداث الفتنة في لبنان، وصار يشكّل عقبة في طريق تجاوز سقف الطائف، ومن هنا جاء القرار الإجرامي باغتياله، لأنّ تغييبه يخلط الأوراق في لبنان، ويزرع الفوضى فيه، ويقدّم ورقة للتحالف الأمريكي –الفرنسي حول لبنان وسورية، ومعه الحكومة الإسرائيلية من أجل تصعيد الضغوط على الحكومتين السورية واللبنانية، بدلا من السير على طريق حشد القوى المعارضة لإيصال برلمان لبناني تحلم باستخدامه لتنفيذ القرار1559...وأنا على قناعة بأنّ تقاطع السياسة الأمريكية مع السياسة الفرنسية شكّلت غطاء بهذا الشكل أو ذاك للجهة التي تقف وراء الاغتيال، وهذا يذكّرنا بالتفاهم الأمريكي –الأوربي حول اعتبار حركة حماس والجهاد الإسلامي حركتين إرهابيتين، وكيف استغلّ شارون هذا التفاهم وبالسرعة القصوى لاغتيال قادة ورموز هاتين الحركتين المناضلتين في غزة...وهنا لست بمعرض الدفاع عن النظام السوري، أو غيره، وإنّما أرفض وبشكل مطلق أن أكون شاهد زور ضدّ أيّ خصم سياسي، وفي أيّ مكان وزمان، بالرغم من إدراكي بأنّ النظام السوري يعتبر من أصحاب السوابق في مجال الاغتيالات ( اغتيال المرحوم: اللواء محمد عمران في طرابلس اللبنانية، والمرحوم الأستاذ: صلاح البيطار في باريس، والمرحوم: الأستاذ كمال جنبلاط...الخ وقد أقدم على ذلك في مرحلة صعود من تاريخه، عندما كان يتلقى دعما سياسيا من الدول الغربية، وماليا من الأنظمة الخليجية، أي كان قادرا على تحمّل عواقبها وبمساعدة مَن يتابعونه ويحاسبونه الآن في مجلس الأمن وخارجه...أمّا الآن فالصورة تبدّلت لتغيّر المصالح والحسابات، ولأنّه بات ضعيفاً، وموضوعاً تحت المجهر، وفي دائرة الضوء، ولذلك أستبعد أن يكون النظام السوري وراء عملية الاغتيال، وأرى فيه المتضرّر الأكبر من انعكاساتها وتبعاتها وتوظيفاتها وتسخيرها لخصومه في لبنان وخارجه، لا بل أنّ غياب الحريري أغلق قناة صالحة وهامة لترشيد مطالب المعارضة، وإبقائها تحت سقف الطائف الذي أصبح مظلّة (أمان) للنظام السوري نفسه، ولحلفائه في لبنان أيضاً، ولا غنى عنها...
ويضاف إلى هذا كلّه، فقد علّمتنا العبروالدروس بأنّ أحد مفاتيح الكشف عن المجرم هو معرفة أكثر جهة مستفيدة من الجريمة، وهي في واقعنا الراهن، تشير كل الدلائل إلى الكيان الصهيوني، وأمريكا، وخاصة أنّ خبرة الموساد كبيرة في عالم الإجرام والاغتيالات، ويمتلك قدرات فنية متقدّمة وخطيرة، لذلك أعتبره المتّهم الأول حتى يثبت العكس، ولاسيّما أنّ تنفيذ جريمة الاغتيال ودقتها، وقوّة المتفجرات المستخدمة، والتقنية المتقدمة التي استطاعت إبطال مفعول الأجهزة التكنولوجية الموجودة ضمن عتاد حراسة المرحوم الحريري، والتصفيح القوي لعرباته المصمّمة لتفادي الصواريخ والألغام... ولهذا كله، من الصعب لأي طرف آخرفي المنطقة امتلاك هذه القدرات.
الآفاق المحتملة في لبنان بعد تغييب الحريري:
- لاشكّ فيه أنّ القرار 1559 سيبقى سيفاً مسلّطا فوق رأسيي النظامين السوري واللبناني، وصالحا للتخويف والابتزاز من قبل أطراف داخلية وخارجية، وفي الوقت نفسه قد يشكّل بداية ومنطلقا لسلسلة لاحقة من القرارات التصعيدية الخطيرة، وفقاً للمدى الذي ستأخذه التفاهمات الأمريكية – الفرنسية والخطط المنبثقة عنها حول منطقة الشرق الأوسط... كما أنّ الاستغلال العاطفي والوطني والإنساني لجريمة الاغتيال من قبل المعارضة اللبنانية، وتواجد عناصر شبابية ملتهبة الحماس، وصالحة للحقن السياسي وفق رغبات وتوجيهات مرجعياتها وقياداتها، يجعل الأوضاع في لبنان قابلة للتصعيد والانفجار، ولكنّ العقلاء والحكماء مازالوا كثراً فيه، حتى الآن والحمد لله، كما أنّ دروس وعبر الحرب الأهلية المأساوية لاتزال ماثلة أمام أعين الجميع، وتشكّل كابحاً أمام غير المتهوّرين والطائشين والمرتبطين... فموقف الرئاسيات الثلاث في لبنان، و البطريرك صفير، ومفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد القباني، والشيخ حسن نصر الله، وسليم الحص، وتمام سلام، وبقية وجهاء وعائلات بيروت العريقة، وغيرها، تصبّ جميعاً في اتجاه التهدئة ولملمة الجراح.... ولكنّ الاستمرار في التهاون من قبل السلطة بعد مرور أسبوع المرحوم الحريري مع أولئك الذين يرفضون التقيّد بالقوانين اللبنانية، وبأخلاق العمل السياسي النظيف سيفسح المجال لتوسيع دائرة المعارضة وتعميقها جماهيريا، ليس لصحّة وعدالة منطلقاتها( بعضها صحيح وعادل )، وإنّما لإحساس بعض الناس أنّ هذه السلطة أصبحت ضعيفة ومرتبكة، وفي هذه الحالة فإنّ جرثومة معاداتها ومعارضتها تنتشر بسرعة من باب تسجيل المواقف المسبقة بشكل انتهازي قبل سقوطها، أو لشعور المواطنين الوطنيين الشرفاء أنّها أصبحت غير صالحة للاستمرار في تسيير دفة الحكم، وغير قادرة على ضبط الأمور، ومنع الفوضى، والوقوف بقوّة في وجه الفتنة، وعلى كل حال فإنّ التحدّي الملحّ والعاجل الذي يواجه السلطة في لبنان هو ضبط الوضع الأمني الداخلي، و السرعة في تجنيد كل طاقاتها الداخلية والخارجية لكشف هويّة مرتكبي جريمة الاغتيال، ومعاقبتهم، وهي مهمة شاقة ومعقدة،ومن الصعب إنجازها بالسرعة المطلوبة...
أمّا بالنسبة للنظام السوري، فإنّ تصاعد الضغوط عليه من كل حدب وصوب ضيّق هامش المناورة لديه، وجعله جاهزاً للتعامل بإيجابية مع الملف اللبناني، والاستماع إلى نصائح حلفائه في لبنان وخارجه، والإصغاء إلى بعض مطالب المعارضين له، وهذا يتطلّب منه الإسراع الجدّي في تطبيق اتفاق الطائف، وإنهاء كل مظاهر الوجود الأمني لأجهزته في لبنان، والكف عن التدخل اليومي في شؤونه السياسية، وإقامة علاقات أخوية معه قائمة على الاحترام الكامل لإرادته، بما يخدم مصالح القطرين الشقيقين على درجة واحدة من التكافؤ والندّيّة، لأن تصحيح العلاقة السورية -اللبنانية أصبح حاجة ضرورية ملحّة لا غنى عنها من أجل الحفاظ على العلاقة الأخوية بين البلدين، وضمان أمن ومصالح الشعبين، ودرءاً لأيّة أخطار وتدخلات خارجية محتملة لاتُحمَد عقباها.. وفي الوقت نفسه، يجب على النظام السوري عدم إغفال الملف السوري الداخلي بحجّة صعوبة المرحلة وتصاعد الضغوط الخارجية عليه، لأنّ مكافحة الفساد، وإطلاق الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المنفيين، أو مَن بحكمهم،...الخ هي في حدّ ذاتها تشكّل لبنات أساسية في تعزيز وتمتين الوحدة الوطنية وتماسكها في وجه الضغوط والتحديات الخارجية الخطيرة...
- في: 24/ 02/ 2005 -