الايديلوجيا التي نمت وترعرعت في أحضان القمع والاستبداد تعتبر ايديلوجيا استبدادية كالنظام الاستبدادي الذي ينمو ويترعرع تحت غطاء ايديلوجي استبدادي.
وكلاهما: النظام الاستبدادي، والايديلوجيا الاستبدادية، لا يستطيعان العيش خارج الوسط الاستبدادي لكل منهما. مما يولد علاقة بين الطرفين، بحيث تصبح الايديلوجيا وسيلة لإظفاء الشرعية على ذلك الوسط سواء كان نظاما سياسيا أو غيره، ويكون النظام وسيلة تصل عبرها الايديلوجيا إلى غاياتها السلطوية.
لكن أيا من الايديلوجيا الاستبدادية أو النظام الاستبدادي يموت مجرد أن يعيش أي منهما منفصلا عن الآخر، خاصة إذا كان الوسط الجديد المحيط بأي منهما وسطا غير استبدادي، ومتنوع الأطياف الفكرية. وهذا ما يجعل كل ايديلوجيا استبدادية وكل نظام استبدادي محاربين للحرية والديموقراطية.
أما الايديلوجيا التي تؤمن في تعدد الأطياف الفكرية والدينية والسياسية، فإنها لا تموت حتى وان قدر لها أن تعيش فترات من عمرها تحت حكم نظام استبدادي لا يتبع فكرها، وتظل محافظة على قوتها، وكلما سنحت لها الفرصة أن تعيش وسط أجواء أكثر حرية، كلما اتسع نطاق تأثيرها وازدادت المساحة التي تستوعب انتشارها.
القمع والاستبداد وحب التملك: هو العامل المشترك بين نظام استبدادي، وايديلوجيا استبدادية، وكلاهما يؤمن في العنف والإقصاء من اجل السيطرة، وفي الدين، أو اللادين، كوسيلة لشرعنة العنف والإقصاء. وعلى مر التاريخ، تحالفت الأنظمة الاستبدادية مع ايديلوجيا الاستبداد، متخذين من العنف سلاحا لفرض النظام والايديلوجيا، ومن الإقصاء منهجا لمنع بزوغ أي فكر يختلف مع فكر النظام والايديلوجيا الاستبداديتين.
وغالبا ما يسقط النظام بعد فشل الايديلوجيا المتحالفة معه في المحافظة على قوتها، نتيجة بروز فكر آخر أكثر تحررا وتسامحا وانفتاحا. وكلما تمسك النظام الاستبدادي بالايديلوجيا الاستبدادية التي تعلن إفلاسها، كلما أقترب ذلك النظام على الانهيار. وما انهيار دولة عظمى في حجم الاتحاد السوفيتي إلا دليل على انهزام الفكر الشيوعي كايديلوجية استبدادية متحالفة مع نظام استبدادي، أمام الفكر الليبرالي الممثل للعالم الغربي الحر والديموقراطي. ولم تنفع كل محاولات قورباتشوف في إنقاذ ذلك النظام السوفياتي بعد أن تيقن من موت الايديلوجيا التي قام على أكتافها النظام الاستبدادي. لأن مجيء قورباتشوف جاء متأخرا فلم تنفع كل محاولاته لإنقاذ ذلك المريض الذي جاء إليه كمعالج ربما كان مناسبا ولكن في الوقت الخطأ. وقس على ذلك سقوط كل نظام استبدادي قام على شرعية ايديلوجية استبدادية متحالفة معه على قواعد من القمع والإلغاء والعنف.
وإذا أراد أي نظام يقوم على القمع والاستبداد البقاء في الحكم، فليس له من حل سوى عبر أمرين:
أن يتخلى عن تلك الايديلوجيا الاستبدادية واستبدالها بأخرى أكثر تحررا وانفتاحا وتسامحا، أو تطوير تلك الايديلوجيا بما يجعلها تغير جلدها الاستبدادي وتلبس جلدا يجعلها أكثر تعايشا مع غيرها.لكن تناقضها مع حقيقة تكوينها الأصلية يفضحها ويعريها مما يجعلنا نقول أن سقوط كل فكر إقصائي عنصري هو أمر حتمي وسنة من سنن الكون. لذا فإن التخلي عن ايديلوجيا القمع والاستبداد أفضل من تطويرها، وسوف يتغير النظام الاستبدادي من حالة القمع إلى حالة التسامح مجرد أن يعتنق ايديلوجيا متحررة من عقد التاريخ وفكر السيطرة والإلغاء بما يجعله نظاما قابلا للحياة والبقاء بعيدا عن ايديلوجيا قمعية مصيرها السقوط والهزيمة.
كل نظام: قناع لايديلوجيا، كلما انكشفت غاية الايديلوجيا، انكشف وجه النظام، وكلما أوغل النظام في تلميع وجهه متنصلا عن قبح الايديلوجيا، كلما كان أكثر التصاقا بها. فإذا سقط القناع تعرت الايديلوجيا، واذا تعرت الايديلوجيا سقط النظام. وعادة ما يتسابق النظام الاستبدادي والايديلوجيا الاستبدادية لخيانة بعضهما البعض، عندما يستشعران خطرا يحدق بهما، عبر التحالفات الخفية مع أوساط خارجية، كل منهما يتعهد بتغيير مبادئة بما يرضي الوسط الخارجي مقابل طلب الحماية والبقاء. لكن ذلك الاسلوب لا يجدي نفعا، بل أنه يساعد على انهيار النظام والايديلوجيا معا.
إن البقاء للنظام الاستبدادي مرهون بتغيير ايديلوجيته، أما الايديلوجيا الاستبدادية الآيلة للسقوط فلا بقاء لها مهما بحثت عن نظام يتبناها ويحتويها، وهذا ما يجعل انهيار أي نظام استبدادي أمرا حتميا لا جدال فيه، إن إستمر ذلك النظام في التمسك بايديلوجيا منهزمة فكرا وأخلاقا وقيما وحضارة!
لو غير صدام حسين ايديلوجية نظامه بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية، لربما نجا من تلك الهزائم المتتالية، ثم الانهيار المحتوم. لكن مشكلة بعض الانظمة الاستبدادية: تكمن في تورطها في الكثير من القضايا المناهضة لحقوق الانسان، مما يجعلها تخاف من التغيير أكثر من دخولها في الحرب.
والاتحاد السوفياتي لم ينهزم في معركة عسكرية مع الغرب وهو يملك أكبر ترسانة عسكرية قادرة على تدمير الكرة الأرضية بكاملها، وانما انهزم في فكره الذي لم يستوعب التغيرات ولم ينبع من ايديلوجيا تتسع للتنوع، وتؤمن في الحرية كحق إلهي لا يستطيع أحد أن يحتكره دون غيره للأبد!!
سالم اليامي [email protected]




التعليقات