كل بشرى له وعليه حتى الرسول الكريم عاتبه الله فى بعض من آياته عندما مثلا "عبس وتولى". والرئيس مبارك بشر يخطىء ويصيب، وليس فى ذلك ما يشين إلا إن أصم أذنيه عن النقد وأصر على أنه لا يخطىء، وفى هذه العجالة نشير الى بعض مما للرئيس وبعض مما عليه بدون تتبع ولا إحاطة لجميع تصرفاته منذ تربع على قمة السلطة فى مصر حتى يومنا هذا.
للرئيس مبارك حسنات لا ينكرها إلا جاحد. منها أنه عمل على استقرار السياسية الخارجية لمصر فأصبح لها منهاجا لم يكن لها منذ زمن، فلا نذكر له الإنحراف بمسار تلك السياسة إنحرافا دراماتيكا بين يوم وآخر كما كان يفعل مثلا عبد الناصر الذى كان يعلن الحرب يوما ثم يطلب وقف إطلاق النار من قبل أن تغرب الشمس... والذى كان يتردد بين فتح أبواب البلاد للإتحاد السوفيتى وقتها مع قبول مبادرة روجرز فى ذات الوقت... والذى كان يتهجم ويغذى نزعات إنقلابية فى دول مجاورة ويخطب ودها عند الحاجة...
كذلك أيضا يختلف مبارك عن السادات الذى قاد الدولة بعقلية زعيم عصابة مملوء مكرا، لا تعرف إن كانت تصرفاته تصرفات رئيس دولة أم زعيم مافيا، ونحن لا نعرف حتى اليوم على وجه اليقين إن كان قد أشترك فى إغتيال أمين عثمان أم لا، ولا نعرف إن كان عميلا للبوليس السياسى من قبل إنقلاب يوليو أم لا، الشىء الوحيد الذى نعرفه أنه ذهب للسينما ساعة الإنقلاب حتى يجهز دفاعه فى حال فشل الإنقلاب... نعرف أيضا أنه طرد السوفييت وأنه صاحب قرار العبور، وفى ذات الوقت هو الذى ذهب للقدس ووقع كامب ديفيد وتصالح مع الأمريكان وأدخل الوهابية للمجتمع المصرى المسالم ليحارب بها الإشتراكيين والشيوعيين فى حلف غير مقدس مع الجماعة المنحلة إياها... وقد أنتهت لعبته بالثمن الذى دفعه من دمه.

على الصعيد الداخلى. يحسب للسيد مبارك عدم تقييده لقوانين محاربة الجريمة ولو كان مرتكب الجريمة من الكبار (وهذا من أنصع ما له على الصعيد الداخلى) يحسب له أيضا المحافظة –إلى حد ما- على السلام الإجتماعى ومحاربة الفكر المتطرف والإرهاب – وإن كان متأخرا جدا-، وحمايته لحرية الصحافة حتى وإن كانت فى منتهى الإصفرار، أيضا محاولاته الدؤوبة لتحسين الإقتصاد المصرى والإهتمام بقدر الإمكان بالطبقات الفقيرة. كما يحسب له الإهتمام بالبنية التحتية من إتصالات وطرق ومياه شرب وصرف صحى، وهذه الأخر لا يحسها إلا المسنين الذين يتذكرون كيف كانت تطفح المجارى وتنقطع مياه الشرب والكهرباء وتموت الإتصالات التليفونية بالأشهر أحيانا، حتى أن مصر تختلف فى واقعها الحالى إختلافا كليا عما كانته منذ الستينات وحتى أواخر الثمانينات.

ما للرئيس مبارك كثير سواء على المستوى الخارجى أو الداخلى للدولة المصرية، ولأن الرئيس بشر يصيب ويخطىء فعليه أيضا بعض العلامات الغير مضيئة على المستوى الداخلى بالأخص، وهو ما نركز عليه فى هذه العجالة. أولا أنه رغم محاربة الجريمة وأن كان مرتكبها كبيرا إلا أن غياب فلسفة متكاملة لمحاربة الفساد والفاسدين يجعل الأمر بمثابة محاربة الناتج والبعد عن محاربة المنتج، فالجريمة فى المجتمع المصرى لها أسباب وجذور فكرية وفلسفية إن لم تحارب فستظل منتجة للجريمة والمجرمين الى ما شاء الله. وأهم الأجهزة التى نال منها الفساد ونضح منها على غيره هى الجهاز القضائى والذى بدون إصلاحه فلا إصلاح ولا أمل، وفى رأيى المتواضع أن القاضى الذى يتقبل أن يزيد راتبه عن عشرة أضعاف قرينه فى إحدى الوزارات أو الهيئات الأخرى هو قاض بدون ضمير، وفى تقبله لمنة الدولة –التى لا تدفع لأحد من جييبها الخاص وإنما هو ناتج عمل دافعى الضرائب- بداية الطريق الى موات ضميره والى تقبله للرشوة المقنعة والصريحة إلا من رحم ربى منهم. أيضا الإستمرار فى رشوة القضاة رشوة غير مباشرة عن طريق إصطفائهم بالكثير من المميزات كتوريث أبنائهم المراكز القضائية، وكتخصيص قطع منتقاة من الأراضى لهم بسعر بخس، وإعطائهم أفضل المواقع على النيل والسواحل لبناء فيللات واستراحات ونواد لهم، وإعطائهم تيسيرات وإعفاءات وتخصيص شقق من وزارة الأوقاف لهم. واخيرا ما سمعناه من إتجاه لفصل ميزانية القضاة عن ميزانية الدولة، بمعنى أن يعمل القضاة على تحصيل مدخول من المتقاضين باسم رسوم تقاضى وغرامات وخلافه ليقوموا من بعد ذلك بتوزيعها على أنفسهم فهذه والله ما سبقهم اليه مجتمع ولا دولة محترمة أو غير محترمة. يبدو –والله أعلم- أن الدولة ترغب فى جعل القضاة مستفيدين شخصيين من نظام الدولة فيتجهوا فى أحكامهم الى الدفاع عن ذلك النظام ولو بطريقة لا شعورية، وهذه السياسة من أشد البقع سوادا فى مسيرة الرئيس مبارك الداخلية، ومنها ينبع الفساد الذى استشرى فى كثير من أجهزة الدولة وهيئاتها.
عادل حزين
نيويورك
السيد المحترم رئيس تحرير إيلاف
تحية من القلب وبعد
المرفق مقال أرجو أن يكون مستحقا للنشر.
وتفضل بقبول فائق الإحترام
عادل حزين
نيويورك