لم يعد خافيا على المراقب السياسي أن السياسة السورية تلاقي بؤساً في علاقاتها الخارجية، رغم قيام الرئيس بشار الأسد بزيارات عدة إلى دول أوربية وتركيا وروسيا، خلال السنوات الماضية. وعلاقات سوريا مع كثير من الدول معرضة للتراجع والتقهقر نتيجة تحليلاتها للسياسة الخارجية اعتماداً على عقلية الثمانينات وما قبلها، وتجاهلها - قصداً أو عن سوء فهم – للتطورات الإقليمية والدولية وعدم قدرتها على مسايرة تلك التطورات. والزيارة الأخيرة لبشار الأسد إلى ثلج روسيا كانت تهدف استعادة الدفء لعلاقاتها التي خسرتها مع أوربا بعد التمديد لرئيس إميل لحود في لبنان. لكن الدّب الروسي نفسه يعاني حالة مشابهة في علاقاتها الخارجية. فالاعتماد على روسيا التي باتت في أمس الحاجة إلى ترقيع علاقاتها مع أوربا والولايات المتحدة رهان قد لا يأتي بنتائج مجدية، بعد تخلي حليفاتها القديمات عنها والاتجاه نحو البيت الأوربي سواء بالانضمام إلى الاتحاد – كدول أورا الشرقية - أو عن طريق حدوث الانقلاب البنفسجي في داخلها لرسم مستقبلها بعيداً عن وصاية الدّب العجوز كجورجيا وأوكرانيا. وبذلك نحاول هذه الدول دفن الإرث السوفيتي الثقيل الذي لحق بها. وظلّ هكذا ظروف مالذي تعول عليها سوريا في علاقاتها مع روسيا غير شطب الديون الناتجة عن صفقات الأسلحة الصدئة سابقاً.
ويعود بؤس العلاقات الخارجية السورية إلى جملة أسباب:
1 – القراءة السورية غير الموضوعية لأحداث وتطورات الحاصلة بعد 11 من سبتمر والتدخل الأميريكي في أفغانستان والعراق. وما يهمنا هنا هو الملف العراقي الذي يتاخم سوريا من الشرق فالقراءة السورية للواقع الشرق الأوسطي والقفز فوق الملف العراقي من الأخطاء السياسية الاستراتيجية، ومحاولتها جرّ العربة التاريخية إلى الوراء ضربٌ من الأوهام، وتُدخِل سوريا في متاهة البحث غير العقلاني عن مواقع فقدتها. فالنظام العراقي بات في خبر النواسخ الفعلية، وفَقدَ التنظيم البعثي بريقها العروبوي، وأصبح العراق أمام تحولاتٍ ديمقراطية عميقة وتاريخية بعد الانتخابات المخملية لم يشهد العالم العربي مثيلا لها منذ استقلال دوله في القرن الماضي، كما يجدر الذكر الإشارة إلى الثورة الوردية في لبنان الأخ الأصغر لأوكرانيا، و قد تؤثر تلك التطورات في مجمل الأوضاع الشرق الأوسطية خلال سنوات قليلة، والتجاهل السوري لهذا الواقع وعدم التعامل معه بموضوعية يضع سوريا أمام خيارات صعبة، ويفرض عليها عزلة إقليمية، وربما دولية. والتعويل على الأعمال الإرهابية تحت مسميات وطنية ودينية لم يعد في صالح علاقاتها الخارجية.
2 – استمرار سوريا في ممارسة الدور الوصي على لبنان إلى درجة التدخل في تغيير دستورها والتمديد لرئيسه لحود مما جعل لبنان يدخل مأزقا سياسياً في الداخل والخارج يتفاقم يوماً بعد يوم، فاتسعت دائرة المعارضة اللبنانية ودخلت في سجلاتٍ تاريخية مع سوريا بعد القرار الدول رقم 1559 المطالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان. فبعد اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء السابق، ستزيد الضغوطات الإقليمية والدولية على سوريا، في محاولة لتسجيل النقاط ضدها، وخاصة بعد سقوط الحكومة اللبنانية والفقدان المحتمل لسوريا للقوى الموالية لها. وعلى سوريا قراءة الواقع اللبناني بما يفيد المصلحة السورية اللبنانية، وعدم مواجهة الضغوطات بردات فعلٍ يستغلها الآخرون. والأيام القادمة ستكشف مزيداً من الفشل السوري في لبنان، وافتقارها إلى رؤية استراتيجية في التعامل مع هذا البلد الشقيق.
3 – محاولة التقرب مع إيران وتركيا لمتابعة ومراقبة التطورات الكردية في كردستان العراق. حيث مازالت تفكر بالعقلية القديمة امتلاك الحق في محاربة الحق الكردي الفيدرالي في العراق خوفاً من داخلها ( سوريا) غير المستقر، وانطلاقاً من نظرياتها القومية في أحقية قيادة العالم العربي. وهذا التعامل الفوقي أدى إلى تعميق الهوة بين سوريا و القوى السياسية العراقية الفاعلة على الساحة، وبالأخص القوى الكردية التي تطالب ببناء علاقات أخوية مع العرب عامة والعراقيين خاصة. وسوريا مازالت تتجاهل الدور الكردي السياسي السلمي في العراق، وتعوّل على شرزمات البعث المنهار كثيرا من الآمال.
أما في السياسة الداخلية فمازالت سوريا تسعى إلى ضبط الداخل القلق بقبضة أمنية وتفعيل قانون الطوارئ والأحكام العرفية، إضافة إلى الفشل الواضح في الإصلاحات السياسية والاقتصادية. ويمكن اختزال الفشل الداخلي إلى جملة من القضايا المصيرية:
1 – فشل ساسية الإصلاحات السياسية والاقتصادية رغم بيانات الحكومة المغايرة للواقع. فحكومة ناجي العطري قد أعلنت في مجمل بياناتها أن الإصلاح الاقتصادي من أهم أولوياتها، لكن باستنطاق الواقع يتبين بأن شيئا لم يتغير، فالأوضاع الاقتصادية متعثرة والبطالة في ازدياد مستمر، والبنى التحتية تعاني كسلاً وشيخوخة، والقوة الشرائية متدنية للغاية، والبيروقراطية والهدر والفساد والرشاوى نشطة ومتزايدة وهي من أبرز المعالم الاقتصادية في سوريا.
2 – القضية الكردية التي باتت من أبرز القضايا الداخلية مازالت تعاني تجاهلاً مطلقاً، وتغلق السلطة كل أبواب الحوار في وجهها اعتقادا منها أن الحل الأمني هو الحل الوحيد.
ويدلّ هذا الأمر على أن السلطة لا تفكر بحل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً، ولا تؤمن بالتعددية القومية في سوريا، في وقت يتجه العالم المتحضر إلى فتح باب الحوار الديمقراطي لحل كل القضايا. هذا التعامل الفوقي يزيد من معاناة الكرد. فرغم مرور عام على أحداث القامشلي المؤسفة والوعود الحكومية بوجود اتجاه لديها نحو حل مشاكل الكرد إلا أننا لا نجد أي أفق ورديٍّ لمثل هذا الاتجاه، بل نرى أن المضايقات الأمنية تزداد على الآمنين والاعتقالات جارية ومعاناة السجناء في تفاقم مستمر مما يشعل الجمر تحت الرماد.
3 – تتعامل السلطة مع أوضاع حقوق الإنسان معاملة سيئة وتتجاهل النداءات المطالبة بإطلاق سراح سجناء السياسين وأصحاب الرأي، وتقوم باعتقالات عشوائية ومحاكمات أمنية لا تستند إلا إلى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية.
هذا غيض من فيض في قراءة السياسة السورية الداخلية والخارجية. ولا يمكن إيجاد حلٍّ لهذه القضايا والملفات الهامة إلا بفتح حوار جاد وبناء مع كل الأطياف السياسية والقومية وتوسيع الهامش الديمقراطي الضيق أصلاً، وتنظيم قانون الأحزاب وحرية التعبير وتحرير الأعلام الحر وإلغاء الطوارئ والأحكام العرفية والاحتكام إلى المؤسسات القانونية للدولة، وإنهاء سيطرة الحزب الواحد وجعل المصلحة الوطنية العليا هدفاً على ضوئها يتمّ حل كل القضايا المؤجلة. أما في السياسة الخارجية على السلطة التعامل مع كل التطورات الإقليمية والدولية بعقلانية وواقعية وبعقلية منفتحة دون وصاية على الآخر. فالوضع يستدعي فتح حوار داخلي مع كل القوى الوطنية والديمقراطية، للوقوف في وجه الضغوطات الخارجية، وحل القضايا الوطنية بروح ديمقراطي بناء.
كاتب سوري مقيم بالخليج




التعليقات