أي نوع من الشذوذ لم يرتكب النظام السوري في لبنان؟ تعديات وتجاوزات وممارسات شيطانية تكفي بمسلسلاتها الإجرامية أبالسة جهنم إلى دهور. اخترع البعثيون السوريون كل ما يمكن للمخيلة أن تتخيَّل من شرورِ وموت وأذى، لذا بلايانا والويلات لاتحد ولا تعد. لم يبقَ الآن إلا الرحيل بعد هذا السجن المظلم الظالم الطويل. أجل، لاح النور من طرف النفق وانتهى زمن عقاب شعب لبنان الذي تألم وبكى من قهر وجور وفقر وخنق حريات وهضم حقوق حتى استوى على مرجل المصائب والتجاريب. هل يؤلم السلخ الشاة المذبوحة؟ هكذا طوى مراحل العذاب شعبنا حتى شارف حدود اليأس والهزيمة والإحباط. وكم تمنى وصاح بصوت الأطيار: ليت ليلي عن صباحٍ ينجلي لأن الصباح يغني عن المصباح.
لطفت مشيئة الألوهة وعدل السماء صحا في ضمير الأرض إلى أن صدر قرار الدول القاضي بخلاص لبنان من أظلاف الأسد وبَشَرَه. ربما بفضل رفاة الأصفياء والأمناء والأولياء والأوفياء والقديسين في ترابنا. وقاحة بلهاء عارية من كل شيء ما عدا الخجل ومن الحياء، يظهرها النظام السوري المستبد بإرادة شعبه الممعوس. انفضح واتضح عندنا رغم السنوات الثلاثين، وما له إلا طريق الهروب والاندحار إلى دمشق لأن مقادسنا أنصفتها رحمة الجالس على العرش المؤبد. بأية لغة يفهم هؤلاء للإنسحاب من أرض العبقرية والنبوغ والفصاحة والبلاغة والرجولة والبطولة والبسالة والرسالة والشهداء والأبرياء؟ "أية مخالطة لأبناء النور مع أبناء الظلمة"؟ من يضع قلب النهار في صدر الليل؟ لا رابط وُدّ ولا علاقة تشدّ فماذا يبغي بشار حافظ إذا من وطن الكرامة والمجد والعز والسؤدد؟ جرَّب البعثيون طيلة هذه المدة واستنتجوا بأننا ما انسجمنا يوماً واحداً ولا اتفقنا ولم ولن نتفق، لذلك مُنِيُوا بالفشل والخيبات. من أين لنا أن نكون شعباً واحداً وبلداً واحداً والكراهية والبغض عشَّشا في القلوب والنفوس ودماء شهدائنا وعويل أهلنا ودموع أطفالنا وأنقاض بيوتنا المدمرة وهجران أولادنا صراخ في زنزانات المزة وحبس فلسطين؟ إن احتلال سوريا للبنان واعتقال قراره دام لبعض لا لكل الوقت، لأن الذهب مستحيل أن يلحم مع القصدير.
إلى متى تراوغ أيها الحاكم في الشام وتأبى أن تعترف بخسارتك الرهان؟
لا مجال بعد للتحدِّي ولا مفر، حصرك القرار 1559 ووجهك على الحائط.
هل تأملت كم من دموع صلَّت لانسحابك وكم من شموع؟ كفاك تراوح بين الإقدام والإحجام، فما عليك إلا أن تسارع في لملمة بضاعتك وعِدَّتك وعديدك وأعتدتك وتعطِنا عرض الأكتاف. إن دعاوى الناس أمام فضاء الله والأدعية نازلة كالمطر على رأسك. كيف ننسى ضربك شبيبتنا، وقصفك أحياءنا، ونسفك البُنى التحتية عندنا، وحرائق مصانعنا ومعاملنا، وانتهاكك أعراضنا وتعدياتك على أخلاقنا وسلبك مرافئنا ومرافقنا، ووضع يدك على كل مؤسساتنا والقطاعات؟ كيف لا نذكر ضحايانا التي مزقتها شظايا قنابل وقذائف مدافعك وراجماتك؟ أمواتنا غالية علينا فلن ننساها وذكرياتها ما زالت ساخنة في الذاكرة وقد دمغت تاريخنا بنتانة سواد أفعالك الجزارة الفاسدة. أي بيت لم يفقد عزيز غاب وأية عائلة لم تدفن بريئا سقط؟ كل أسباب الانهيار والحرب كان حكام الشام وراءها، وأية كبيرة لم يقترف جيشهم في معاقلنا؟ فهل كانوا يحلمون بدخوك قدس أقداس العرين؟
وأنتم أيها العرب استفقتم بعد 15 عام من الطائف لكي تستدعوا رئيس سوريا للانسحاب، صحّ النوم يا جماعة الخير! أين أخذكم حلم المنام وفي أي فردوس جميل بنَّجكم فلم تستفيقوا؟ والحمد لله أيقظكم تعنُّتُ بشار" الأسد". لماذا تأتون متأخرين في آخر القاطرة؟ لماذا الآن وليس الأمس، أما أنتم تولجتم تطبيق الطائف وتوليتم أمر تحرير لبنان؟ فما بالكم بعد هذا الفراق المزمن تعودون من مشوار القنوط؟ ها لبنان يشكركم على سعيكم الدؤوب وسهركم الدائم على شؤونه والشجون. هل تعلمون كم خسرنا من يوم غفوتكم من أحبة تركونا وراحوا إلى غير دنيا وغير دار وغير ديار، وكم فقدنا من أهل وبنين وأرزاق وأعناق؟ آجركم رب الحساب وأنالكم عنا حسن الثواب.
عرس النصر آتٍ بالشموخ ونشيد الحرية سيُدَقُ بعنفوان واستقلال لبنان سيرقص بفخر وانتشاء وسيادته ستطرب مزهوة بقيامة أرزٍ حرٍّ لا يرضى بالذل والعار.
أغصان الزيتون غداً وشلوح الغار تلوح، ستهزج للفرح الغامر والمرح العامر بأرض لبنان لشعب لبنان السيد الحر المستقل.
إستريحي يا عظام الشهداء ونامي في خشعة المثوى بسلام، فلن يزعج بعد اليوم سكينة قبرك إلا حفيف نجاوى وهمس صلاة المحبين. تعافى لبنان وطاب بقرار انسحاب الأعداء الألداء.
مونتريال – كندا 5 أذار 2005