لاأدري إلى أي مستوى يمكن الغوص في أعماق تركيبة الإنسان العربي، أو النطاق بالعربية، لكشف اسرار الإصرار الغير مبرر على الإتجاه نحو حالة لاأقل من تصنيفها بإنها خاصة به على مستوى العالم. ولإن نتائج هذه الحالة على أي مستوى ثقافي أو فكري أو سياسي مازالت خارجة عن مستوى الأداء في دول الدستور والقانون، فإن الأسباب في تعليلها أو شرحها، لاعلاقة لها مع التحليل الأني الذي يقوم به كثير من المفكرين والمثقفين في بقاع العالم العربي وخارجه، إلا من بعض الفئات التي أخذت منحى جدّي للأمور وعزت أسباب الفقر والأميةو القهر والتخلف إلى وضع يتعلق بما يسمّى الحداثة وعدم قدرة هذه المجتمعات والقائمين عليها بالبدء على المستوى العام بالتساؤل، أو مايسمّى بطرق واداء العمل السياسي الذي اخذ البعض على عاتقه بدفعه بإتجاه العولمة ومايسمّى بالليبرالية الجديدة عبر المطالبة بنظام الحرية العملية ودولة المواطن وحقه المتساوي مع الأخر بدون تحميله أعباء منتجات القرن الماضي أو ماسبقه من أيديولوجيات أو مفاهيم تصب بالقومية والأعراق والأديان والمذاهب.

وقد يحق لنا أن نتساءل بما أن التكوين البيولوجي للإنسان العربي متشابه، كما هو حال الإنسانية جمعاء. هل للمكتسب الأجتماعي والثقافي السائد للناطقين بالعربية بكافة مكوناتهم القومية والعرقية والمذهبية، وهي الصفات
المشتركة فيما بينهم، دور محوري في الصيغة الخاصة الداعية إلى نمط تاريخي قديم في العلاقات الإنسانية لايحب التغيير ولا التبديل ولا التطوّر. هل لهذا المتوارث الإنساني الخاص بالثقافة العربية الإسلامية الدور الأساسي في طبيعة وبنية العلاقات السائدة اليوم. وإذا كان الأمر كذلك، وقبل البحث عن إمكانية التحول والتغير والتبدل نحو الأفضل نظرياً. أليس من الأفضل البحث عن الأسباب الحقيقة لدور هذا المكتسب الذي يدفع الإنسان إلى عنفوان معنوى وقساوة مادية تؤدي بالفرد إلى تخيل المطلق عبر حقيقة تدفع به إلى حد الإنتحار على أي مستوى عندما لايكون قادراً على رؤية ماهو قادم داخل البيئة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. مهما كان وضعه تابعاً أو قائد جماعة لاعلى التعيين.

وهل يكفي ترجمة ماهو حاصل بالعالم والكفر به وبنتائجه، لكي يغلق الباب أمام كل محاولة إجتهاد عفوية لحق هذا الإنسان بالعيش البسيط والكريم، الذي يطالب به صباحاً ومساء وأية لحظة. أم ان القضية تتعلق بطريقة ثقافية وإجتماعية تعلم الإنسان العيش في واحة من التناقضات، والضبابية في كل شئ، بحيث يصبح الإنسان بها، جملة من المواقف الأنية والزمنية والمكانية التي لاعلاقة لإولها بأخرها، التي لاتصب في سلوك إنساني متكامل وواضح في القول والسلوك والأداء، كما هو حاصل لدى النخب الفكرية والإجتماعية في دول ذات ثقافات مغايرة.

ولماذا لاتكون المسلمات العفوية التي لاتحلل إلا من خلال الحالات الجزئية عبر سلوك إجتماعي لايفرق عن السلوك السياسي أو الثقافي، عندما يشرع الكذب الأبيض، والأسود، وعندما تكون القضية في بداياتها، تحصيل حاصل لعالم داخلي أو باطني، يعمل على نغمة موسيقية ليس بعيدة عن المصالح المادية او المعنوية، لكنها تترجم أمام المجتمع بقضايا ذات نفحات واصداء تمس الحياة العاطفية والقيم الإجتماعية أو الدينية العوامل المحركة لهذا المواطن المعذب.

ولأن النتائج السائدة على مستوى الدولة والمجتمعات العربية، ومنذ لايقل عن سبعة قرون من الزمن، مازالت كما هي خاصة عندما تحمل في مفرداتها نفس الخطاب بمعنى أن الحكم يشرّع لحاكم ما فردي كما هو قائم اليوم، ينادي دائماً بالعدل والإنسانية على مستوى الخطاب في أكثر الأحيان، بينما لم يتغير السلوك والأداء ومنذ قدم التاريخ. مقارنة مع منطق أخر ونتائج مغايرة تماماً. حيث استطاع هذا المنطق ا|لأخر من خلال سلوكه البشري بعفويته البدائية المتوحشة مرات والمدمرة مرات أخرى،
أن يبحث عن حقيقة واقعية لمفهوم التعايش بعد التجارب التاريخية القاسية في محاولة
محو الأخر واكتشافه عدم القدرة على تنفيد مثل تلك المشاريع، ليؤدي تدريجياً إلى التساؤل عن الصيغة الأفضل للتعايش الإنساني ومن ثم التغلب على كل نوازع الفصل والقهر
لأي فئة أخرى
كانت
من نفس الشعب أو كانت عرقاً أخر أو حتى دولة أخرى. حيث بالنتيجة استطاع
أن يتغير ويتبدل لمصلحة الإنسان المقيم في مساحة جغرافية اسميت الوطن أو الدولة أومجموعة الدول على الأقل في ظروفنا التاريخية المعاصرة.

ومن هنا يحق لنا التساؤل، هل يكون سبب التخلف وتوابعه في القهر الإنساني المميز في بلادنا، كامن في البنية الأساسية لهذا المكتسب الثقافي وأبعاده الأخرى، وإذا كان كذلك، هل يتوجب علينا الخوض في الأعماق، والقيام بالحفر الجيولوجي في بيولوجية هذا المكتسب، ودراسة العوامل المؤثرة به، لمعرفة ماهيتها ومن ثم محاولة دراستها بجدية لإصلاحها على مستوى المجتمع من خلال مؤسساته الثقافية والسياسية، الغارقة في هذه الأعماق الضبابية المكفهرّة في كل ظواهرها. حيث البحث عن سلطة سياسية أو ثقافية أو دينية لاتتميز عن سلطة تاريخية سابقة خاصة بنا، من حكم للمماليك إلى حكم أخر اقسى وأقوى في نتائج قهره للإنسان في معناه القيمي وحقوقه التي اعطاه اياها خالقه، لكن عدم الوضوح في المعايير الإساسية سلبه إياه دائماً وابدأ عبر أية صيغة مشرعة.

ولإننا كنا قد قدمنا بعض المبادئ الأساسية لأداء النخب عندما تحدثنا في مقالات سابقة، عن مفهوم الأمانة والمصداقية لأي فاعل إجتماعي أو سياسي أو علمي في المحيط العربي، وعن فقدان هذه الصفات في عمل الكثير من هؤلاء الفاعلين وحاجتهم إلى المسائلة الشخصية ومقارنتها مع مستوى الأداء على مستوى النخب في المجتمعات التي توصلت إلى حالة متطورة
من الوضوح في هذه الصفات على أي مستوى وخاصة مستوى أداء الدولة عندما يكون الدستور في تلك البلاد مشابه للمقدس في دول العالم العربي، أو عندما تصبح سيادة القانون أقوى من أي فاعل إجتماعي أو إقتصادي أو سياسي، إضافة إلى مبدأ المساواة الوضعية للإنسان بغض النظر عن عرقه ولونه وأصله. فإننا مازلنا وفي كل مرة نحاول بها أن نقيم مستوى مساهمة المفكر والمثقف والمبدع الناطق بالعربية. نتساءل عن مدى اداؤه ونتاجه عندما يكون موجها إلى الجماعة، مهماكان موقعه، سياسي أو دينى أو فكري. ونحاول وبكل بساطة إسقاط ذلك وتفحصه من خلال المعايير السابقة.

لذا قد لاتنفع الأسماء الكبيرة مالم تحمل مصداقية المساهمة، وقد لاتنفع التحليلات الأنية لحالة معينة مالم تصب في سياق عام يؤدي بالمجتمع والدولة والتجمعات السياسية إلى تغيير منهجيتها في الإجترار والتكرار وتسويق المحتوى الجميل بدون أسس سليمة على مستوى الأداء، الذي فشل ومازال فاشلاً في معظم دول العالم العربي.

إن الحفر في أعماقنا البشرية ومكتسبنا الثقافي لن يكون له أية فعل مالم يتم وضع النقاط الإساسية لمعايير المساهمة الجدية في زمن اصبح قاسياً جداً على الجميع. وقد يكون هذا الحفر الثقافي مطلوباً للأنا وبجدية أكثر وأهم من أي تحليل للأخر، كونه إذا لم يكن نابعاً من منطق واضح وصريح، على صعيد هذه الأنا المشوهة بالأصل. فإنه لابد وسيبقى حبراً على ورق وامتداداً لفضاء معين من إفراغ العواطف المشحونة دائماً وأبداً في مجتمات لاتسمح بإفراغها في سياقها البيولوجي السليم.

إن العمل على مبادئ الحرية والديموقراطية والمساواة ودول الدستور والقانون، لابد أن يبدأ بالنخب والأنا الجدية والمسائلة عن أهمية الوضوح، بغض النظر عن أهمية الموقع الشخصي المكاني والزمني.

إن الأصالة التي نتغنى بها، قد تكون أيضاً شعاراً مالم يعمم ومن قبل النخب في المجتمعات العربية مفاهيم الوضوح والأمانة والمصداقية في أداء أي شئ ذو تأثير على الفرد فكرياً أو دينياً أو ثقافياً. أما الأداء الإقتصادي فله مقوماته الأخرى التي يحميها القانون والدستور وشريعة التبادل والأداء المادي.

وقد نكون بحاجة إلى وأكثر من أي وقت مضى أن نبدأ وبحرية ذاتية لاشروط أو قيود عليها إلا البحث عن الأفضل لخير الفرد والمجتمع وحق المواطن المنسي في غالبية الدول العربية.