بمناسبة مرور شهر على تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري. مشهد حواري بين الأم وابنها حول ذلك اليوم المشؤوم 05.02.14، الذي ذهب ضحيته أبو لبنان رفيق الحريري ورفاقه الشهداء.
- "دعيني يا أماهُ أبكي على كَتِفِكِ، كما بكتْ عينُ المريسةِ ودمعت عينيها على الشهداءِ الكرام، الذين سقطوا بأيدي خفافيشَ الظلام، ورووا بدمائهم الزكية، أرضَ بيروتَ الأبية. وكأن هذا الشعبَ العنيدَ الرأس، وهذه الأرضَ الصعبةَ المراس، وهذه الجبالَ الشَّامِخةَ في العلاء، لم تشبعْ بعدُ من سفكِ الدماء!"
- "لا لا يا بُنَيَّ، في الحقيقةِ هي شبعت وارتوت، والشعب اللبناني بكافة طوائفه والأحزاب، قرِفَ رائحةَ الدمِ والحرائقِ والخراب، يريد الحياةَ والعملَ والانطلاق، ليبني مع رفيق الحريري المستقبلَ الواعِدَ ويصنعَ العُجاب؛ إلا أنهم، عديمو الضمائرِ والأخلاق، أصحابُ الأيادي السوداء، قاطعو يدَ الخير والعطاء، قاتلو الرقةَ والوداعةَ والوفاء، ذابحو حمامةَ السلام الحريريةِ البيضاء، لا يريدون لشعب لبنان الصفاء، والتمتع بالهناء، بل التفرقةَ والتخبطَ في الشقاء.
ومن هنا هالهم أن يجمعَ الحريري اللبنانيين حول كلمة بينهم سواء، فوضعوا أمامه كل العراقيل وفرضوا عليه وعلى لبنان التعديل والتمديد، فجاءهم الرد الأممي بالقرار 1559، الذي حاول أصدقاء لبنان من خلاله إعادة الأمور إلى نصابها وانتشال لبنان من ورطة أكبر منه لن يستطيع وحده التخلص منها.
هالهم أن ترتفع هامة لبنان العنيد، إصراراً على عودة السيادة المستباحة والديمقراطية المنكوبة والمصالحة الحقيقية والكرامة الوطنية من جديد، فأصابهم الهلع وأخذوا يخططون في الخفاء، ويتآمرون لاغتيالِ مروان ورفيق ومعهما لبنان وتفجير الأوضاع، كيف لا وهم المستفيدون من تَسيُّبِ البلادِ، المنتفعون من هذه الفوضى الضاربة في كل الأنحاء، ولهذا قاموا بكل برودة أعصاب بارتكاب هذه الجريمة الرهيبة النكراء."
- "يا أماه، بعد هذا المصاب الجلل الذي أصابنا جميعاً باغتيال رفيق الحريري فاعلُ الخير وصاحبُ اليد المفتوحة. أتساءل: أين عدالةُ الأرضِ؟ أين محاكِمُ السماء؟ متى ينتهي هذا الزمنُ الوحشيُّ الشرير؟ متى يُقْتَلُ التنين؟ إلى متى سيستمرُ هذا الأنين؟ و متى ستشرقُ شمسُ الحريةِ والديمقراطيةِ والعدالةِ وحُكْمِ القوانين، على الشرق الضرير؟
دعيني أبكي على كتفكِ يا أماه، فأنا بحاجة لمزيدٍ من البكاء. كيف لا ورفيقٌ كان بلسماً للجرح اللبناني النازف. هبط كسحابة تمطر ذهباً على بيروت، يعينُ الفقراءَ والمعوزين، 33 ألف طالب يدرسون في جامعات العالم من دعمِ مؤسساته، من خلال مشاريعه العديدة واستثماراته الناجحة، التي أسسها في لبنان والعالم العربي وكل أنحاء العالم قدَّمَ فرصَ العملِ وسبلَ الحياة الكريمة لمئات الآلاف من الناس. أتساءل لو أن كل مليونير لبناني وعربي يملك هذه الصفات الكريمة العظيمة، ويشعر بالمسؤولية تجاه وطنه وأمته، لَكُنَّا اليوم أفضل بكثير مما نحن فيه من بطالة وأمية وفقرٍ وهجرة حرمان.
كان رفيق، المستقبل الواعد ورفيقاً لكل اللبنانيين وغير اللبنانيين، حمل هموم الجميع في قلبه الدافئ الكبير. ابن صيدا البار. ابن الجنوب الشامخ. هذا المكافح الذي نهض من ركام الحرب، شاباً هماماً مغامراً، يشتغل ليدرس. وسهر الليالي فجاءه العلى!
نهض وبنى لنا معجزة لبنانية عربية قل نظيرها في عصر الثرثارين المنافقين، الذين يخسرون الحروب، ويصفقون لأنفسهم ويبيعوننا شعارات ندفع ثمنها من دم أطفالنا ومستقبل أجيالنا.
ابن المأساة اللبنانية الذي رفع اسم وطنه خفَّاقاً، واسم أمته عالياً في الآفاق بعد أن ظلل الأرزة ببسمته. ذهب إلى السعودية معلماً بسيطاً، وجاءته الفرصةُ، وفُتِحَتْ أمامه الأرزاق، واحتضنته السعودية الشقيقة المخلصة فصار ابنها المختار. دخل عالم الأعمال والمال، وأصبح بذكائه الحاد، رجلُ البناء والاقتصاد. نجح بالعمل المثمر الدؤوب الجاد، وعاد فارساً إلى البلاد، يبني بيروت المدمرة، حجراً حجراً، ومدماكاً مدماك. يرفع عزها الذي تهشم، ويعيدُ بناء ما تهدم، ويزرع فيها زهراتِ الأمل. بلسم جروحَ أهلها من خلال مؤسسات خيرية وورش أعمال.. وهكذا عاد قلب بيروت ينبضُ من جديد. وفرح بما صنعت يداه".
اقتربتُ من أمي مكسورَ الخاطرِ لكي تضمني إلى صدرها بحنان، فأنا أريد على كَتِفِها أن أبكي كما بكت عين المريسة ومعها الملايين في لبنان وخارج لبنان على رفيقهم الذي رحل، إلا أنها فاجأتني بتراجعها إلى الوراء، قائلة:
- "البكاء ليس للرجال! ألا تدري أن موسم القطاف قد حان.. ورفيق الحريري ورفاقه الشجعان.. أبناء المجد والخلود، كتبوا تاريخ لبنان بأحرفٍ من ذهب، وقدموا باستشهادهم أغلى هديةً للوطن المستباح، براً وبحراً وجواً.. سيادةً واستقلال ورسالة. ألا تدري أن وحدة الشعب اللبناني جلجلت وتجلت في أروع صورها تحت بسمة شهيد لبنان! فمئات الآلاف من كل الطوائف والمناطق والأحزاب خرجت لوداعه وكأن الوطن أصبح قلباً واحداً وشعباً واحداً اسمه رفيق. وسقط في يد من قتلوه وبلعوا الخنجر الذي أرادوا أن يغرسوه في قلب الوطن، وانتفض الشعب في وجههم انتفاضة كرامة وعزة واستقلال! قتلوه من أجل إذكاء نار الفتنة وزعزعة الوحدة اللبنانية الهشة التي كانوا يبشرون بتخريبها ليل نهار وسقط في أيديهم وأصابهم مرض الاصفرار! ألا تدري أن هذا الشعب الذي يدَّعون أنه متناحر وبحاجة إلى وصي كي يأخذ بيده قد خيب ظنونهم وأعطاهم دروسا في تلاحم الوحدة الوطنية الحقيقية.
لقد كانت جنازته وما تبعها من مظاهرات تعبيراً عن رفض الشعب للنظام المخابراتي السوري اللبناني وأدواته الفاسدة، وتأكيداً للوحدة الوطنية ومثالاً للشعوب الحرة، التي تصنع مستقبلها بأيديها". وانتصبت أمي أمامي وكأنها في عز شبابها، رأسها المرفوع كالأرزة المجللة، قائلةً:
- "يا ولدي: الحريةُ وردةٌ حمراء، تُقطفُ من شجرة الإرادة الحرة ولا تعطى هدية. تُسقى بالدماء الزكيةِ، لكي تزداد احمراراً ولا تذبل. هي أثمن شيء في الوجود. الحرُّ يدافع عن حريته بعنفوان. المستعبد يبقى ذليلاً ويتحملُ ألوانَ الهوان. الشعوبُ التي تركعُ أمام الحكام لن تصنع المستقبل. الذي حدث في لبنان ومنذ اغتيال الشهيد هو صرخة الأحرار.. ليسمعها كل الأشقاء العرب ولينفضوا عنهم عصر الذل والانهزام، ويقفوا في وجه الحاكم الذي يذلهم عشرات السنين، ويُجددُ لنفسه دون أن يأخذ لهم أدنى اعتبار. والأنكى من كل ذلك أن يأتي من بعده ابنه الطفل المدلل.. وكأننا نعيش في عصر العبودية الأول. شيء يدعو للدهشة كيف أن هذه المئات من الآلاف تدفقت كشرايين القلب من كل صوبٍ وحدب، لتعبر بكل عفوية ودون تنظيم عن تعلقها بلبنان السيد الحر.. والكيان الواحد المستقل. انتهى عصر سايكس بيكو وجاء عصر الشعوب الحرة في تقرير مصير الأوطان. لبنان لم تصنعه فرنسا إنما صنعته دماء شهدائه وعشقهم للحرية، عقدٌ من اللؤلؤ على صدر الوطن: الطفلة مايا بشير الجميل، كمال جنبلاط، حسن خالد، صبحي الصالح، سليم اللوزي، رياض طه، محمد شقير، ناظم القادري، بشير الجميل، رينه معوض، كامل مروة، داني شمعون وعائلته، رمزي عيراني، رفيق الحريري وغيرهم الكثيرين، وأنت تريد أن تبكي! افرح وزغرد لعرس الحرية في لبنان، فموسم القطاف قد حان.. بعودة السيادة والاستقلال والديمقراطية، ولقد تكرست الوحدة الوطنية كالبنيان المرصوص. فلينم هانئاً الوسيم رفيق، بنى وطنه في حياته ورص صفوفه بعد مماته. وأنت تريد أن تبكي على كتفي! ما كان أملي بك هكذا!"
انهض وانتفض واذهب إلى ساحة الحرية وارفع العلم اللبناني خفَّاقاً في السماء لتبتسم لك أرواح الشهداء! سعيد علم الدين برلين 05.03.13