كلمة موسيقية التأثير على النفس العراقية المتعطشة للديمقراطية التي طالما سمعنا عنها ورأيناها في دول العالم المتقدم لكننا لم نتذوق طعمها. نحن والبرلمان كالطفل الفقير الذي ينظر إلى حلوى في يد طفل غني ويتمنى لحسة منها، لكنه من المستحيل أن يدعه يلعقها خوفا على نفسه من إن يصاب بجرثومة الفقر، وللبخل الذي يتمتع به معظم الأغنياء، وخوفا على الطفل الفقير من التعود على طعم السكر وهنا ستكون الكارثة الكبرى لو تعود الفقراء على دلع الأغنياء، لأنهم لا يجوز لهم الدلع، ولا يحل لهم التمني، ويحرَّم عليهم حتى الحلم بها. وهكذا نحن الفقراء تحت سماء صاحب العز والجلال، لا يجوز لنا حتى التمني الصامت، لكن لسنا فقراء أكل نملئ به جوفنا، وثقافة نملئ بها عقولنا وروحنا، ولا شجاعة ندافع بها عن معتقداتنا وتراثنا، ولا تعليم نستطيع به قراءة الممنوع والمسموح. لكننا فقراء حرية، فقراء لمعارضة شيء حتى لو كان بسيطاً، فلا يجوز لنا الاعتراض لأننا تعلمنا عدم الاعتراض منذ أن كنا صغاراً في بيوت أهلنا وخاصة نحن جنس الإناث. نحن فقراء للمشي بحرية دون التلفت يمينا وشمالاً حتى لا تشُك بنا رجال المخابرات الصدامية المنتشرة في كل ركن وزاوية وموقف باص المصلحة كما يسميها العراقيين بدلا من استعمال كلمة حافلة النقل. نحن فقراء للجلوس في مقهى لشرب القهوة براحة وهدوء ولا من رقيب على طريقة شربنا القهوة. كانت العيون من حولنا تراقبنا بدلا من مراقبة الحكومة على ما تقترف من جرائم، ولكن كيف تراقب العيون الساهرة سادتها؟.
كل هذا أصبح بالأمس، ولن يعود الأمس، بل هناك يوم جديد بشمس جديدة وحلم مورد بالديمقراطية والحرية والتفكير بدون رقيب. وهناك برلمان عراقي للشعب العراقي ولغده المشرق مهما كثرت المنغصات والانفجارات والمؤامرات لتعطيل طريق ممارسة الديمقراطية في العراق.
فمن المقرر أن يجتمع البرلمان العراقي بقبته الشامخة يوم الاربعاء16 مارس، وبعد مرور أكثر من ستة أسابيع على انتخابات تاريخية أعطت الكثيرين في العراق أملا في قيام سلطة جديدة بكبح الهجمات الانتحارية والسيارات الملغومة وعمليات القتل على شاكلة الإعدام التي يقوم بها مسلحون معظمهم من الدول العربية المجاورة وأيتام النظام البائد. وينحى كثير من العراقيين باللائمة على السياسيين الذين يقولون إنهم خاطروا بأرواحهم من أجلهم، للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التي جرت في 30 يناير الماضي بسبب إطالة أمد الفراغ السياسي مع استمرار العنف. وقال مسئولون في وقت سابق إن الجانبين فشلوا في الاتفاق على قضيتين شائكتين هما توزيع المناصب العليا في الحكومة وتوسيع نطاق الحكم الذاتي الذي يتمتع به الأكراد في شمال البلاد!!!!!!!!!!!!!!
ولكن..... وكثيرا ما اردد آه من ولكن، لو اتفق أحبتنا في كل الأحزاب على كلمة واحدة دون مزايدات على حساب مصلحة الشعب، ولو توصلوا على تسمية قيادة ائتلافية موحدة تدير العراق وتنهي المتاعب التي يلاقيها المواطن البسيط في يومه،
لكن...واه من لكن أيضا، أكدت المصادر المطلعة في الائتلاف العراقي الموحد بأنه تمَّ تأجيل الاجتماع المزمع عقده بين اللائحتين الفائزتين في الانتخابات بهدف تشكيل الحكومة إلى ما بعد انعقاد الجمعية الوطنية الأربعاء المقبل، ومن المستبعد أيضا عدم الإعلان عن تشكيل الحكومة، فماذا ننتظر؟
إن دخول البرلمان يوم 16 من مارس لهو خطوة تاريخية بحياة الشعب العراقي، فلنجعل من هذا اليوم يوماً تأريخياً حقاً، ونحاول أن نجد حلاً لتشكيل حكومة تدير شؤون العراق بعيدة عن المزايدات والمكاسب الفردية التي جعلتنا أضحوكة للسياسة العربية التي هي من أصلها مهزلة القرن الواحد والعشرين. إن الخلاف بين الفئات المتصارعة على المراكز الوزارية خيبة أمل الشعب العراقي الذي كان يعتقد بأنه استغل الديمقراطية المتوفرة حاليا وأعطى صوته لمن يريد أن يحقق له الحلم الكبير، ولكن القضية خرجت من حدود الحلم العراقي بحكومة تعوضه عن سنوات القهر والظلم، إلى فئة متصارعة لم تتفق حتى على تسمية وزرائها. فعلى من يقع اللوم هنا؟ هل يقع على الأكراد الذين عانوا على مر السنين الطويلة من المعاملة السيئة والقتل الجماعي والتهجير والسلب والنهب وحرقهم بشكل همجي علي يد الحكومات السابقة؟ هل
يقع اللوم على الشيعة التي رأت أن الانتخابات منفذا لها من السخط الذي وضعته الحكومات البائدة عليها منذ زمان أقدم حتى من زمن ظلم الأكراد؟ هل نضع اللوم على نساء العراق اللاتي يعشن عزل بدون سلاح يدافعن به عن مكانتهن ومستقبلهن المجهول في المجتمع الرجولي ، الفئة التي عاشت تحت ظلم التقاليد منذ قديم الزمان ممثلاً بالأخ الكبير المارد الأكبر، ورب العمل والزوج ( مع احترامي لكل الأزواج الذين يحترمون ويقدرون زوجاتهم )، والتي دفعت ثمناً قاسياً وغالياً من وجودها وحريتها؟ أم نضع اللوم على القدر والقسمة والنصيب وخاصة نحن شعب يخاف من العين التي ترف، ومرور القط الأسود ونعيق الغراب، ونقول هذه هي قسمة ونصيب الشعب العراقي المظلوم والمحكوم عليه بالمعاناة والعذاب والقتل والنسف والنهب وعدم معرفة معنى الحرية ولا حتى الديمقراطية حين توفرت؟
أسئلة عديدة ومعقدة تقفز للذهن كي تجد جواباً على الفوضى بين صفوف الفئات المتصارعة على مراكز الحكم.
إن الأحزاب التي فازت بالانتخابات بحاجة إلى حملات توعية وتثقيف في المواطنة والديمقراطية ونكران الذات. إلى ورشات عمل تدربهم على الائتلاف والالتفاف حول مصلحة الشعب العراقي من عرب وأكراد وتركمان وصابئة وآشوريين وكلدانيين وكل المذاهب والطوائف والعشائر المتواجدة على خريطة المجتمع العراقي الذي انتخبهم. إنهم بحاجةلدورات تدريبية على كيفية إعادة تنظيم أجندتهم وترتيب أولياتهم كي يتمكنوا من تشكيل حكومة مسئولة عن مصير ومستقبل شعب متعب، وإبعاد جميع الشعارات الطائفية والسياسية التي تؤدي إلى التفرقة وتعميقها، والابتعاد عن العواطف التي تجرنا في خنادق مدمرة، والعواطف التي اعنيها ليس الحب تلك العاطفة السامية، فليحبوا كما يحلو لهم، ربما الحب يساعدهم على تجاوز الخلافات وتشكيل حكومة. إنهم
بحاجة إلى دورة في علم الرياضيات كي يتدربوا على جمع التيارات الليبرالية والعلمانية والديمقراطية والأحزاب مهما كان انتمائها، ووضعها تحت مظلة واحدة اسمها مصلحة العراق، وطرح الحساسية من تنظيماتهم. ودراسة الأسباب التي أدت إلى هذه الخلافات المعرقلة للمسيرة السياسية للشعب الذي لم يصدق إنه تخلص من اعتي حكم مرَّ في تاريخ البشرية. نحن بحاجة إلى التفكير بالشعب العراقي ومصلحته ومستقبله، فإذا كانت هذه الفئة الفائزة عاجزة عن حل الخلافات البسيطة بينها، فكيف يمكنها إدارة هذا الفسيفساء المعقد؟ كيف ستتمكن من الاتفاق على بنود الدستور؟ كيف يمكنها من بناء نظام تعليمي وصحي واقتصادي ودفاعي وصيانة حدودنا؟
إن الوضع الحالي في العراق لا يبشر بأي بارقة أمل في الاستقرار السياسي على المدى القريب، ولن أقول المدى البعيد لأنني بطبيعتي انسانة متفائلة. فنحن نريد أن نرى شيئا ايجابياً ينتج عن اجتماع يوم 16 مارس من تحت قبة البرلمان الذي كنا نراه في الصور فقط، ولن نتجرأ على التقرب منه. لنجعل هذا المقام المقدس منطلق الحكومة الجديدة التي ستبني العراق، وليس مكان تنتحر فيه الديمقراطية التي حلمنا بها.
الدكتورة خولة الزبيدي
15 مارس ) قبل اجتماع البرلمان بيوم واحد (




التعليقات