إغتيال الحريرى... والمؤامرة بعيدا عن نظرية المؤامرة ( 6 - 6 )

هناك حكمة صينية قديمة للقائد الصينى العظيم " ص تزو Suh – Tzo " تقول : " إذا كان عدوك هو الأقوى وثائر الأعصاب فلا تحاول إثارته وتجنب مواجهته، وإذا كان هو الأضعف وأعصابه هادئة فحاول أن تعمل على إثارته حتى يقع فى الفخ ".

لقد أحسن الرئيس السورى بشار الأسد صنعا بإعلانه انسحاب القوات السورية فى لبنان إلى سهل البقاع ومنطقة الحدود اللبنانية ـ السورية، وأثبت بشخصيته المرنة أنه يختلف كثيرا عن شخصية الرئيس العراقى المخلوع صدام حسين المتميزة بالتصلب والعناد، وسواء كان القرار السورى بالإنسحاب هو التطبيق لإتفاق الطائف أو للقرار 1559 فإن الضغوط الاميركية على سورية قد تخف حدتها قليلا
لكنها لن تتوقف، كما أن التحرش الإسرائيلى بسورية لن يتوقف حتى ولو سحبت دمشق جميع قواتها العسكرية وأجهزة مخابراتها من لبنان إلى داخل الأراضى السورية وذلك لسبب هام وخطير لم نتعرض له فى هذه السلسلة من المقالات حتى الآن، وترى فيه إسرائيل أكثر خطرا من حزب الله
ألا وهو إمتلاك سورية لترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية، تستطيع أن تضرب أى مكان فى إسرائيل، بالإضافة إلى مخزون كبير من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ومن بينها غاز الأعصاب VX الفتاك–
و هذه الأسلحة
يطلق عليها بعض المحللين السياسيين تعبير " قنبلة الرجل الفقير الذرية " أى القنبلة الذرية للدول الفقيرة، وتصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل.

وطبقا لمصادر بريطانية وإسرائيلية وأمريكية فإن سورية تمتلك نحو من ثلاثة إلى أربعة ألوية صواريخ متحركة.

ويذكر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن فى تقريره السنوى عن التوازن العسكرى فى منطقة الشرق الأوسط عن عام 2002، والذى أعده دكتور أنتونى كوردسمان، والذى يعتبر أبرز محلل عسكرى وإستراتيجى فى الولايات المتحدة أن سورية تمتلك أربعة ألوية صواريخ على هذا النحو:


- لواء صواريخ فروج ( روسية الصنع ـ قصيرة المدى )


- لواء صواريخ سكود بى Scud B.


- لواء صواريخ سكود " سى. إس " Scud C.


- لواء صواريخ سكود إس إس – 21


وكل لوء من هذه الألوية يشتمل على كتيبة صواريخ فروج 7 ـ Frog – 7 SSM وكتيبة صواريخ
SS – 21 SRBM وكتيبة صواريخ سكود بى Scud B، ويتراوح مدى هذه الصواريخ مابين
70 كم الى 300 كم.


ويشير التقرير إلى أن سورية تمتلك حوالى 18 منصة إطلاق لصواريخ سكود SS – 21، وأن ليها نحو 36 صاروخ سكود SS – 21، ويعتقد أن سورية تقوم بتطوير رؤؤس كيماوية لهذا الطراز من الصواريخ.

ويذكر التقرير أيضا أن سورية لديها حوالى 12 منصة لإطلاق صواريخ سكود بى، وأن لديها حوالى 200 صاروخ من طرز سكود بى والذى يبلغ مداه 310 كم.. وثمة اعتقاد أن هذه الصوارخ مزودة برؤؤس كيماوية، وأن وزن الرأس الكيماوى الواحد يبلغ حوالى 985 كجم.

- صواريخ سكود C من كوريا الشمالية، ويوجد لواءين من هذه الصواريخ كل لواء يحتوى على 18 منصة إطلاق، ويوجد لدى سورية نحو 50 صاروخ من طراز سكود سى مخفية فى ملاجئ تحت الأرض.

ويضيف دكتور تونى كوردسمان فى تقريره أن ثمة تقديرات بأن سورية لديها من حوالى 24 الى 36 منصة إطلاق صواريخ، وأن لديها عدد إجمالى من الصواريخ من 260 الى 300 صاروخ، ويتراوح مدى الصاروخ من طراز سكود سى ما بين 550 كم الى 600 كم

شبكة أنفاق


ويقول ريتشارد إم بينيت ـ وهو محلل عسكرى وأمنى بريطانى بارز وعضو سابق لأكثر من عشرين عاما فى معهد لندن للدراسات الدولية والإستراتيجية ـ أن سورية تمتلك ثلاثة ألوية صواريخ متحركة، وأن كل لواء من هذه الألوية يشتمل على كتيبة صواريخ فروج 7 – Frog – 7 SSM وهى صواريخ أرض أرض، وكتيبة صواريخ SS – 21 SRBM، وكتيبة صواريخ سكود بى Scud B، ويتراوح مدى هذه الصواريخ ما بين 70 كم و 300 كم

ويضيف ريتشارد بينيت فى مقال له فى نشرة مخابرات الشرق الأوسط
تحت عنوان " العسكرية السورية " نشر فى عدد أغسطس\ سبتمبر 2001 أن سورية تمتلك حوالى 60 منصة إطلاق صواريخ متحركة لحوالى 190 صاروخ من طراز سكود بى، والذى يبلغ مداه نحو 300 كم ويبلغ وزن عبوة المتفجرات التى يحملها حوالى 985 كجم.


ويستطرد المحلل العسكرى البريطانى البارز قائلا أن هذه الصواريخ السورية قد تم تدعيمها وتقويتها من خلال شبكة كبيرة من الأنفاق والمخابئ ومراكز التجميع والصيانة وقد تم تشييدها على أعماق كبيرة تحت الأرض بمساعدة خبراء فنيين من كوريا الشمالية والصين، وأن هذه الشبكة من الأنفاق محصنة تحصينا جيدا من الأسمنت المسلح ويصعب إختراقها بقنابل أو صواريخ قصف جوى من قبل سلاح الطيران الإسرائيلى


ويضيف ريتشارد بينيت قائلا :

"أن خمسة عشر من هذه الأنفاق تعمل بالفعل ويتم تجهيزها لتجميع وتخزين وحماية حوالى ألف صاروخ من طراز سكود سى Scud C. الذى يبلغ مداه نحو 500 كم ويبلغ وزن عبوة المتفجرات فيه حوالى 500 كجم، كما يجرى بناء أربعة أنفاق جديدة أكبر حجما خاصة بصواريخ سكود دى Scud D
، وهو طراز متقدم وأحدث وأطول مدى من طراز سكود بى حيث يبلغ مداه نحو 700 كم ووزن عبوة المتفجرات فيه حوالى نصف طن، ويجرى بناء هذه الأنفاق العميقة بمساعدات فنية من كوريا الشمالية والصين وإيران ". ( لاحظ أن بينيت ذكر هذا الكلام فى عام 2001 أى أن هذه الشبكة من الأنفاق قد اكتمل بناؤها بالكامل وأن عدد الصواريخ قد زاد الآن)


ويذكر ريتشارد بينيت أن معظم هذه الشبكة من انفاق ومخابئ الصواريخ تنتشر فى أنحاء الأراضى السورية وخاصة بالقرب من مدن
رئيسية مثل حلب ( حيث يتواجد مركز قيادة سلاح الصواريخ (الدفاع الجوى ) السورى، وحماة وحمص

ويرى المحلل العسكرى البريطانى أن القيمة الحقيقية لصواريخ سكود من طرازى سى، دى هو أنها تمنح سورية القدرة على القيام بضربة أولى مكثفة ضد الدفاعات الإسرائيلية فى هضبة الجولان المحتلة، وضد المطارات الحربية والقواعد الجوية الإسرائيلية، و يقول أن السوريين يعتقدون أنهم إذا نجحوا فى ذلك فإنهم عندئذ يستطيعوا تحييد عنصر التفوق الإسرائيلى فى سلاح الطيران.


ويقول ريتشارد بينيت أيضا أن ثمة إعتقاد فى وجود عدد كبير من الصواريخ السورية طويلة المدى موجهة إلى مفاعل ديمونة النووى الإسرائيلى فى صحراء النقب، وإلى قاعدة " سدوت ميشا " الجوية فى أريحا وهى قاعدة إطلاق الصواريخ البالستية الإسرائيلية

ويضيف قائلا " إن معظم رؤؤس هذه الصواريخ قد تم تصميمها لحمل متفجرات تقليدية إلا أنه يوجد حوالى 150 من رؤؤس الصواريخ السورية قد جرى تعديلها
كى تحمل أسلحة دمار شامل ( كيماوية وبيولوجية )، وأن هذه الرؤؤس سوف تستخدم فقط فى أسوأ الظروف وأكثرها تطرفا".


ويرى بينيت أن إطلاق هذه الرؤؤس سوف يصاحبه فى الغالب إطلاق عدة مئات من صواريخ سام 2 وسام 5 القديمة والمعدلة كى تعمل كصواريخ خداعية، وأن هجوما صاوخيا كبيرا ومكثفا كهذا يستهدف أجهزة الإنذار المبكر وأنظمة الرادار الإسرائيلية ويدمرها سوف يمنع أنظمة الدفاع الجوى الإسرائيلية المضادة للصواريخ من النجاح فى إعتراض صواريخ سكود السورية من طرازى سى، دى والمحملة برؤؤس كيماوية وبيولوجية من الوصول إلى أهدافها.


كما يذكر المحلل العسكرى البريطانى أن المخزون السورى من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية يحتوى على عدة ألاف من قذائف المدفعية من عيارات 122مم، 130مم و152مم وعدة مئات من القنابل.


كما تذكر مصادر إسرائيلية وغربية أن سورية تمتلك مخزون كبير من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية من بينها غاز السارين (غاز أعصاب) وغاز الخردل وغاز الأعصاب VX ( وهو أشد خطرا وفتكا من غاز السارين ) وأنواع
من الفيروسات والجراثيم مثل الكوليرا والأنثراكس، ويقول ريتشارد بينيت أن أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية فى سورية موزعة على مصانع ومراكز أبحاث صغيرة فى جميع أنحاء سورية مما يزيد من صعوبة إكتشافها (من قبل فرق
التفتيش الدولية ).


ومن المعروف أن سورية هى إحدى الدول الموقعة على الإتفاقية الدولية لمنع إنتشار الأسلحة الكيماوية والبكتريولوجية الصادرة فى عام 1972 إلا أنها رفضت حتى الآن التصديق عليها شأنها فى ذلك شأن مصر.

توازن إستراتيجى

ويرى الدكتور دانى شوهام الباحث فى مركز " السادات ـ بيجن للدراسات الإستراتيجية " فى جامعة " بارـ إيلان " الإسرائيلية أن سورية تمتلك قدرات فى أنظمة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أكبر من أية دولة عربية أخرى، ويقول فى مقال نشر له فى الـ The Middle East Quarterly ( مطبوعة دورية تصدر عن منتدى الشرق الأوسط ـ
أحد مراكز الأبحاث والدراسات الاميركية المهتمة بشئون الشرق الأوسط والمؤيدة لإسرائيل ) ـ
فى خريف عام 2002
أن سورية قد نجحت فى تحقيق توازن (عسكرى ) إستراتيجى مع إسرائيل، وأن حصولها على خيار " الأسلحة الكيماوية والبيولوجية "
CBW Option لم يأت من فراغ وإنه ينبغى النظر إليه من خلال إطار التحالفات السورية، وطوال 15 سنة فإن أقرب الروابط العسكرية والإستراتيجية لسورية لم تكن مع دولة عربية شقيقة وإنما مع إيران، وهى دولة مسلمة كبيرة وقوية ـ دولة تقترب من إمتلاك السلاح النووى ولديها صواريخ قادرة على الوصول إلى إسرائيل "

ويضيف الباحث الإسرائيلى دانى شوهام الحاصل على درجة الدكتوراة فى " الميكروبيولوجيا الطبية "
قائلا أنه قد يأتى اليوم الذى تتمتع فيه سورية بحماية المظلة النووية الإيرانية


ويرى الدكتور دانى شوهام أن الأهمية الإستراتيجية لخيار " الأسلحة الكيماوية والبيولوجية "
CBW Option السوري لا يقتصر فقط على سيناريوهات الحرب، وأنه حتى لو استؤنفت عملية السلام مرة
أخرى بين إسرائيل وسورية فإن سورية سوف يكون لديها كل دافع للإستمرار فى بناء ترسانتها من الأسلحة الغير تقليدية. أما الهدف من ذلك فهو تقوية المقترحات السورية الهادفة إلى التوصل إلى حزمة إستراتيجية شاملة تقوم إسرائيل بموجبها بالتخلى عن أية أسلحة غير تقليدية فى حوذتها مقابل تعهد سورى بتفكيك أسلحتها الكيماوي والبيولوجية وأن سورية كانت قد تقدمت بإقتراح نزع السلاح الغير تقليدى (النووى) الإسرائيلى بالكامل فى مقابل خطوة سورية مقابلة كمكون مهم فى عملية السلام.


ويعلق دكتور شوهام على الإقتراح السورى قائلا أن سورية بهذا لإقتراح تحاول أن تحصل على ما لم تحاول مصر الحصول عليه فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وفشلت فى أن تحصل عليه من خلال دبلوماسيتها الأخيرة : نزع السلاح النووى الإسرائيلى


ولعل أهم إعتراف بأهمية الصواريخ السورية وخطورتها على أمن إسرائيل هو التصريح الذى أدلى به إيهود باراك رئيس وزراء إسرئيل السابق والمنشور فى صحيفة هاآرتس فى عدد 18 يونية عام 1999 يشرح فيه سبب إستعجال إسرائيل فى إبرام إتفاق سلام مع سورية حيث

قال :

" إن الفلسطينيين لا يشكلون تهديدا عسكريا لإسرائيل أما سورية فإن لديها ( شبكة ) صواريخ أرض ـ أرض منظمة ودقيقة، ويمكنها أن تغطى البلاد (إسرئيل ) كلها بغاز الأعصاب ".


" الرجل البلدوزر "


لقد قال ايهود باراك هذا الكلام فى وقت كانت إسرائيل هى التى تتلهف فيه على إبرام إتفاق سلام مع سورية، ولكن منذ أن وصل " الرجل البلدوزر " إرييل شارون ( هذا ما يطلقون عليه خصومه فى إسرائيل ) إلى رئاسة الوزارة لم يتقدم المسار السورى ـ الإسرئيلى فى المفاوضات ولو خطوة واحدة، والغريب فى الأمر أن سورية هى التى كانت تلح فى طلب المفاوضات بينما إسرائيل هى التى تماطل وتضع الشروط !! والسبب طبعا معروف وهو أن جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد قد وصلوا إلى الحكم فى الولايات المتحدة الاميركية وحان وقت التطبيق العملى لدراسة " الإنكسار النظيف " التى أشرنا إليها فى الحلقات السابقة، وتغير العالم منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر
عام 2001 الإرهابية على نيويورك وواشنطن، وبدأ الغزو الأنجلو أمريكى للعراق فى مارس عام 2003، وازدادت حملة الضغوط على سورية وصدر قانون معاقبة سورية والتهديد بفرض عقوبات إقتصادية عليها ثم صدر قرار مجلس الأمن رقم 1559 فى سبتمبر 2004، ثم ينجح الرئيس جورج بوش الإبن فى انتخابات الرئاسة الاميركية ويفوز بفترة رئاسة ثانية، ثم حدث إغتيال الشهيد رفيق الحريرى فى الرابع عشر من فبراير الماضى وتتزايد الضغوط والإتهامات ضد سورية والوجود العسكرى السورى فى لبنان. ولا يزال الجانى مجهولا !!.


إن الولايات المتحدة فى سياستها الخارجية طوال عقود طويلة كانت تنتهج أسلوب الجزرة والعصا Carrot And Stick Approach غير أن الرئيس بوش و" عصابة المحافظين الجدد "
منذ وصولهم إلى الحكم يبدو أنهم لا يعرفون سوى العصا خاصة مع العرب وبلدان الشرق الأوسط، ومنذ إغتيال الشهيد رفيق الحريرى
والولايات المتحدة تلوح بالعصا مباشرة نحو سورية ونحو إيران.

إن الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة فى هذا العالم لها أهدافها الإستراتيجية ومصالحها الحيوية، كما أن عندها نحو 400 خطة حرب جاهزة ومحفوظة فى أدراج البنتاجون خاصة بمناطق مختلفة فى العالم لعل وعسى يحدث شئ خطير يهدد مصالحها أو أمنها، وتنتظر الذريعة المناسبة للتدخل العسكرى وإذا استدعى الأمر فهى على إستعداد لخلق الذرائع دون انتظارها اذا ما دعت الحاجة، والموقف فى لبنان منذ حادث إغتيال الرئيس الحريرى وتداعياته وإن كان يحمل فى طياته عناصر التدخل الأجنبى إلا أننا نستبعد تماما أى تدخل عسكرى أمريكى مفاجئ فى الوقت الحاضر سواء فى لبنان أو ضد سورية وذلك لسبب بسيط هو أن أيا من الدولتين لايدخل البيوت الاميركية كل يوم، العراق وما يحدث فى العراق هو الذى يقتحم بيوت الأمريكيين عنوة كل يوم ويطالعونه على شاشات التليفزيون، والولايات المتحدة كما يبدو لنا تستغل الموقف فى لبنان لإبتزاز سورية أحيانا بهدف التغطية على الفشل الأمريكى فى العراق ( إزدياد الخسائر الاميركية فى العراق وتزايد المعارضة بين الأمريكيين ضد الحرب فى العراق )، وأحيانا أخرى للحصول على تنازلات سورية فى العراق ( قيام
سورية مؤخرا بتسليم أخ غير شقيق لصدام حسين للسلطات العراقية ).


إن النظام السورى فعلا فى موقف صعب ودقيق منذ إغتيال الشهيد رفيق الحريرى، بل هو يمر بأزمة حقيقية، والحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة بسلام هو أن يتعامل معها الرئيس بشار الأسد بمنطق وأسلوب إدارة الأزمات لا بأسلوب ردود الأفعال المتشنجة والعاطفية، وأسلوب إدارة الأزمات هو فن وعلم يتعلق بالقدرات الخلاقة والمهارات الشخصية لصاحب القرار، والإلمام الجيد بالأسس والقواعد والضوابط التى تحكم إدارة الأزمات

لقد نجحت سورية بالفعل فى تحقيق توازن إستراتيجى مع إسرائيل وهذه نقطة كبيرة تحسب لها ولكن يجب على النظام فى سورية أن يتعامل

مع حقائق العصر وقوانينه، ويتفاعل مع المتغيرات الكبيرة التى حدثت فى عالم اليوم لا بمنطق السبعينيات أو الثمانينيات من القرن الماضى
فى ظل حرب باردة وعالم ثنائى القطبية.

لقد تولى الرئيس بشار الحكم فى سورية بالوراثة خلفا لأبيه الرئيس الراحل حافظ الأسد ـ حدث ذلك فى دولة المفترض أن نظامها رئاسى جمهورى وليس نظاما ملكيا، وهذه نقطة خطيرة وليست فى صالح النظام غير أنه يمكن تداركها بأن يقوم الرئيس السورى نفسه ـ الدكتور بشار الأسد بإعادة بناء وصياغة الأسس التى تقوم عليها شرعية الحكم فى سورية إذا هو أراد بحق أن يتصدى للمؤامرات التى تحاك ضد سورية والضغوط الكبيرة التى تتعرض لها، وأول خطوة فى هذا الإتجاه
هو حل إشكالية العلاقة مع لبنان ووضعها فى إطارها الصحيح بما يحقق مصلحة الشعبين السورى واللبنانى. عليه إن يدرك أن القوة الحقيقية للنظام فى سورية ـ فى رأينا ـ ليست فى عقد تحالفات استراتيجية مع إيران أو روسيا فكل منهما له حساباته ومصالحه الإقليمية والدولية، وإنما فى عقد تحالف حقيقى أهم وأقوى مع الشعب السورى أولا، وهذا الشعب فى حاجة إلى أن ينعم بحرية حقيقية وديمقراطية حقيقية، ومجتمع مفتوح تتوافر فيه ضمانات حقيقية لحقوق المواطن السورى إن ما يطالب به الشعب اللبنانى هو نفسه ما يطالب به الشعب السورى، ومن الأفضل للرئيس بشار الأسد أن يأخذ بزمام المبادرة ويقوم دون إبطاء بإجراء تغييرات وإصلاحات داخلية حقيقية ليس لأنها مطالب أمريكية أو غربية ولكن لأنها مطالب سورية شعبية فى المقام الأول وقبل أن تفرض عليه من الخارج.


الشعب السورى هو القوة والضمانة الحقيقية للحفاظ على النظام والبلاد، ولكن لكى يقوم بدوره يجب أولا أن ينتهى وإلى الأبد مفهوم الدولة البوليسية، وأن تسقط دولة المخابرات.. فى سورية ولبنان.

كاتب وصحفى مصرى – كندى


[email protected]