الصحافة بالمغرب بين القوة و الفعل


واقع الصحافة بالمغرب يفرض علينا تناوله من خلال زاويتين أسا سيتن :الأولى تتعلق بقواعد المهنة و الثانية تمثل أخلاقيات الممارسة الصحفية. الهدف العام من وراء إستحضار هذه الشروط هو إنتاج خبر فيه مواصفات مهنية و يخدم الجماهير –أستخدم هنا صيغة الجمع لإعتبارات لا أريد الخوض فيها الآن – المتلقية.
مساهمتي هاته تتغيى طرح موضوع آفاق مهنة الصحافة بالمغرب للمناقشة ووضع الأصبع على أهم مكامن الضعف في الممارسة الصحفية الآنية. هذا الأمر يستدعي بالضرورة إثارة الجدل حول تراكمات الفعل الصحفي و تفكيك علاقاته بناءا على أسس نراعي فيها الممارسة الصحفية محليا و التطورات التي أحدثتها الثورة التكنولوجية في مجالي الإعلام و الإتصال.
1-الصحافة و قواعد المهنة :
لا نستطيع التطرق إلى مهمة و دور الصحافي داخل مجتمعه إلا بالنظر إلى طبيعة عمله و شروط ممارسته على المستوى المهني. أعتقد أن المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات لا يمكنه أن يستغني عن دور الصحافة كفعل إجتماعي، كسلطة و كرافعة أسا سية للدفع بالحركية الإجتماعية نحو الأمام. الجماهير المتلقية تنتظر خبرا دالا يلقي الضوء على حدث أو واقعة تسمح للجميع بالتواجد جنبا إلى جنب، بمعنى آخر الخبر الدال يسمح بإقتسام الفضاء الإجتماعي مع بقية أفراد المجتمع. و مهمة الصحافي هي إتباع قاعدة نقل الخبر بأمانة إلى من لم يستطع معاينته بلغة واضحة وواقعية لا ترمي إلى الإلتباس أو السقوط في لغة الخيال أو المجاز لا نه آنذاك سيتحول إلى روائي أو شاعر يوظف لغة لا تجيد و صف الواقع.الصحافي يراهن كوسيط بين المواطن و مصادر الخبر على المساهمة في بناء معرفة واقعية تسهل على المتلقي الإضافة و التعليق و كذا النقد. في هذا السياق،الصحافي يقدم الخبر بناءا على إجادة منطق الإنتقاء و البناء برؤية تؤدي إلى وضع أولويات المعرفة دون السقوط في مطب فرض الوصاية على المواطن. هذه مهمة صعبة للغاية لا يخرج منها الصحافي بسهولة مادام مثله مثل المواطن يعتبر فاعلا إجتماعيا. إنه أداة أساسية لفهم الواقع و في بناء كل المجتمعات الديموقراطية و هذا لا يتحقق إلا بضمان الحق في الوصول إلى الخبر.
نود أن نشير أنه عندما يأخد المواطن الجريدة أو نشرة الأخبار كمصدر لمعرفته ووسيلة للتعرف على المجتمع الذي يحيط به، يكون الصحافي قد ساهم في بناء هذه المعرفة. فمثلا، المغاربة يحملون عدة تصورات حول المجتمع الذي يشكلونه و التي لا تتشكل إلا بمساهمة آليات و قواعد العمل الصحفي.
و عودة بسيطة إلى المواثيق الدولية و على سبيل المثال تقرير ميونيخ(1971) حول واجبات و حقوق الصحافي يتضح بالملموس أن مصداقية العمل الصحفي ومساهمته في التنمية الإجتماعية و بناء المجتمع الحرلاتتأتى إلا بتأسيس شروط تحقق
الإستقلا لية و الكرامة المهنية. والخبر الصحفي بإعتباره المادة الأولية لعمل الصحافي يجعل من هذا الأخير شاهدا على الأحداث و في هذا الأمر إشكالية أخلاقية تفرض معالجتها.
2-الصحافة و أخلاقية المهنة :
ككل الممارسات الإجتماعية، العمل الصحفي لا يتحقق إلا بضرورة خلق قواعد أخلاقية وعلى رأسها الإلتزام بمبدأ المسؤولية أتجاه حياة الأشخاص الحميمية و احترام مبدأ إنتظار إصدار الأحكام قبل توظيف مصطلحات و أوصاف من قبيل المجرم و غيرها. الصحافي مؤرخ اللحظة و هذا لا يتحقق إلا بالإلتزام بالأمانة و المسؤولية في المحافظة على الأسرار المهنية و رفض الكشف عن مصادر الخبر لان الصحافي يمثل المواطنين لذى السلطات و متخدي القرار.
أود التنبيه إلى أن وجوب عدم الخلط بين مهنة الصحافي و مهن اخرى كعمل وكالات الإشهار و مراكز الدعاية يعد ضروريا، مع عدم الخضوع لأي ضغط من أية جهة بإستثناء الهيئة التي يعمل معها الصحافي التي تحترم قواعد المهنة المهنية و الأخلاقية.
أعتبر هذه الخطاطة من القواعد مقدمة لفتح حوار حول مهنة المتاعب تساهم فيه الجهات المرتبطة بمهنة الصحافة. هذه القواعد تعتمد عليها كل الهيئات الإعلامية في كل البلدان الديموقراطية. و من أجل تصحيح هفوات العمل الصحفي لابد من فتح ورشات للتكوين لمتابعة مستجدات المجالالصحفي المطبوع آنيا بالعديد من علامات الأزمة في ظل الثورة التكنولوجية التي إجتاحت العالم والتي تقدم يوميا معطيات جديدة تفرض التعامل معها بحس نقدي و إجتماعي.
الجسم الصحفي بالمغرب يحتاج في نظري إلى مساءلة حقيقية تقف عند آليات المعرفة و سبل تطويرها وكذا الإستفادة من معطيات و تراكمات العمل الصحفي في البلدان المتقدمة، لذلك فتأسيس محكمة أخلاقية رمزية- و هي تجربة سابقة عند الكنديين-، مجلس أعلى للسمعي البصري و غيرها من الهيئات الإعلامية التي أحدثت في الماضي ببعض الدول الغربية والرامية إلى ضبط العمل الصحفي و رسم حدوده، كلها مبادرات إيجابية يجب أن يتحكم فيها بالأساس الهاجس المعرفي، العلمي و الأخلاقي بدلا من كل الهواجس الأخرى.
من المؤكد أن الوعي بالهوة الموجودة بين ما هونظري و عملي يسهل علينا البحث عن آليات جديدة منسجمة مع الفضاء الصحفي بالمغرب من أجل ترجمة كل أفكارنا النظرية إلى ممارسة عملية تتوخى الخبر الصادق –حتى لاأقول الموضوعي – المتوفر على شروط مهنية و أخلاقية تجعل من الصحافة سلطة رابعة بالمعنى الحقيقي.


محمد نبيل – صحافي مغربي مقيم بكندا
[email protected]
-حاصل على دبلوم في الصحافة و الإتصال من جامعة لا فال – كندا