لم أكن أتوقع أن تثير مقالتي الأخيرة الرد بالكم الهائل من الايميل بين مؤيد بالتمام وبين نص نص كما تقول نانسي عجرم، وبين من يتهمني بانتظار عودة البعث وصدام، والى أخره من الردود التي والله رغم سخافة البعض منها، شعرت بالزهو لكثرة قرَّاء مقالاتي، وهذا مكسب للكاتب عندما يحمل له بريده الالكتروني ( الإيميل ) هذا الزخم من الرسائل. شعرت براحة تامة، لقد وصل صوتي إلى أعمق أعماق القارئ العربي وخاصة العراقي في أشتات المعمورة، ولأيماني بالديمقراطية وإبداء حرية الرأي قرأتها جميعها. وتقبلت كل ما جاء فيها لسبب واحد بأننا شعب مجروح ومتألم وحزين على ما يجري في وطنه، ولأننا نتمتع بحماوة الدم، ولأننا مررنا بعشرات السنين من الكبت والاضطهاد بكل أنواعه، ولأننا كلنا نحب العراق، ولأننا نعتز بمراجعنا الدينية، ولأننا نؤمن بأننا سنخلق عراقا جديدا رغم الغشاوة التي نزلت علي عيون البعض، فإن استغلال الديمقراطية الآن وإبداء الرأي حتى لو كان جارحاً شيء يغفر لنا، ونغفر بعضنا لبعض، لأننا كما قلت كلنا مجروحين بشكل عميق.

ولكنني رغم كل ذلك أعود وأقول بعد أن طلعت علينا الأخبار اليوم تحمل في جعبتها الكثير من الأخبار المفزعة من قتل ونهب وإسالة دماء الأبرياء، والتي أصبحت ديدنة الحياة اليومية العراقية، وهم المواطن الأول والأخير، فلقد ترك كل شي وبات يبحث عن الأمن طمعا في سلامة عائلته.

وما رددته وكالة الاسوشيتيد بريس ووكالة رويتر والصحافة العربية اليوم بأن ما حصل في جلسة البرلمان المنعقدة يوم الثلاثاء لهو دليل على عدم اتفاق الأطراف بالرغم من مرور شهرين على الانتخابات. هو ظهور مشكلة كبرى في عدم اتفاق الأطراف ضحيتها المواطن المسلوب الارادة.

فلقد ظهرت مقالات كثيرة ناقشت الخلافات والطائفية والإقليمية وما طرحت فيها من مفاهيم قانونية وفلسفية للمشكلة التي يعاني منها العراق الآن، لكنها لحد الآن لم تتوصل ( مع شديد احترامي لكل الكتاب وإعجابي بمقالاتهم التي أتعلم منها الشيء الكثير من المفاهيم المعقدة ) إلى النزول إلى صلب هذا النفور السياسي بين الإطراف جميعها. فلقد قال برهم صالح قال بكل وضوح " تستطيع القول نحن في أزمة". وقال صاحب جاسم وهو مواطن عراقي بسيط متذمر " إن عدم القدرة على تسمية المتكلم الرسمي باسم البرلمان، فكيف لهم القدرة والقابلية على إدارة العراق عندما تكون مصالحهم الشخصية هي هدفهم الوحيد، إن العراق ليس همهم مطلقا".

و طالب بعض السياسيين بتمديد الحكومة المؤقتة المزمع تكوينها ستة اشهر أخرى، وكما يقول علي الدباغ عضو لائحة الائتلافي العراقي الموحد الشيعي " في اعتقادي إن الوقت لا يكفي وربما نحتاج لتمديد ستة أشهر". فالصراع الحاد الذي حصل بين السنة والشيعة والأكراد خلال عقد الجلسة بعد تأخر عقدها لمدة ثلاث ساعات أدى إلى منع النقل الحي لمحضر الجلسة.

ونقول بناءا على ضوء ما حصل يوم الثلاثاء وكل ما رددته وسائل الاعلام ظهرت بوادر التشكيك في صلاحية صُناع القرار على معالجة قضايا أكثر أهمية في تحديد هوية التحول الديمقراطي في العراق.

إن تأخير الحاجة لتسمية الرئيس ونوابه الاثنين والذين بدورهم سوف يسمون رئيس الوزراء، كي تنتهي الصراعات حول تقسيم الوزارات جعلت الجنرال ابو زيد يقول لمحطة ال CNN " إن زيادة عدم الوضوح في اتخاذ القرارات، تعطي فرصا كثيرة لزيادة العنف".

فما هي المبادرة المطروحة على الساحة السياسية عن ماهية الصيغة التي ترضي الجميع وتخرج العراق من هذا المأزق الخطر؟

فبرغم المقترحات المطروحة من قبل بعض المفكرين السياسيين فكلها تؤدي إلى خلق لبنان ثاني، يعتمد في تقسيماته السياسة على الطائفية البحتة. والتي في النهاية لا تؤدي إلى قرار الخلاص من النزاع والتناحر. ولكن هناك مؤشرات غير ديمقراطية متواجدة داخل الاجتماعات العلنية والسرية لكل القوى المتنافسة على المناصب. والمطلب الجديد الذي ظهر اليوم هو طلب التمديد لمدة ستة أشهر مما يعطي انطباعا صريحا على عدم تواجد سقف زمني لإنهاء الصراعات وتحديد الأهداف في تثبيت قوائم المسميات الوزارية، وربما هناك احتياجات زمنية أخرى لكتابة قاموس الحياة الطبيعية لكل بلد وهو الدستور الذي نسير عليه. فهو من اخطر المراحل التي سيمر بها العراق بعد أن تتشكل الحكومة، ففيه ستظهر الصراعات بشكل اعنف وذلك عند تشكيل اللجان المشتركة التي ستشارك في كتابته، واستبعاد عناصر مهمة بحجة عدم الكفاءة أو تجاهل حقوقها واعني به هنا هو المرأة ودروها في العملية البنائية للعراق.

هنا يقفز سؤال جدير بالانتباه له، هو " بزيادة الصراع على اختيار من سيتولى منصب رئيس الجمعية والذي رفضه الياور وزير الصناعة العراقي حاجم الحسني، ألم يتبادر للذهن بعد هذا الصراع والرفض من الذين تم عرض هذا المنصب عليهم بترشيح امرأة بتولي رئاسة الجمعية؟" في بلد استوزر 6 سيدات اعتقد مستعد على منح هذا المنصب لسيدة ذات قيمة ثقافية وسياسية عالية المستوى. إنها ليست نكتة أو دعابة لتخفيف الجو المتأزم، ولكن إعطاء المرأة العراقية الفرصة لإدارة جلسات البرلمان لما تتمتع به من الثقة والجدارة والصدارة في حل المشاكل المستعصية، فهي التي ربت هذه الأجيال المتصارعة لقادرة وبكل ثقة على حل معظم النزاعات حتى لو كانت معقدة أكثر مما عليه الآن.

لقد أثبتت المرأة العراقية جدارتها في كل الميادين والأعمال المناطة لها، فإشراكها في العملية البرلمانية لهو اكبر اختبار على قدراتها الخلاقة، وعدم نكران دورها في العملية السياسية، لأنها أثبتت جدارتها في المشاركة بمجلس الحكم المؤقت وتعرضت لمحاولات الاغتيالات حالها كحال الرجال، لذا حان الوقت بوضعها في الخطوط الأمامية من العملية السياسية وتكليفها بمهام كالرجال.

وبما أن العراق هو البلد العربي الذي طبق الديمقراطية رغم هزالها في الانتخابات، فليكن هو السباق في تنصيب المرأة كرئيس للجمعية. فما زالت المناقشات دائرة لمشاركة المرأة في الحياة السياسية في بعض الدول العربية، لكن المرأة في العراق حققت خطوات أكثر، ولأجل أن تكون هذه الخطوات حقيقة وليست للزينة ولإبعاد الإشاعات عن عزل المرأة المتعمد من قبل الفئات الدينية، لذا يفترض مشاركتها بشكل فعال وليس هضم حقوقها كما حصل في زمن المأفون صدام.

لقد حان الوقت ونحن في القرن الواحد والعشرين وفي ظل الديمقراطية أن تتمتع المرأة العراقية بحقها التام في المساواة، ونبذ التخلف والرجعية والتعصب والتمييز ضدها، وسلبها من حقوقها المشروعة كنصف المجتمع.

لماذا تقتصر توزيع المناصب في الجمعية الوطنية على الرجال فقط؟ فالروح الإنسانية التي تتمتع بها المرأة وطريقة تعاملها مع أمور الحياة بشكل بعيد عن العنف والغوغائية، وتمتعها بالهدوء الروحاني، كفيلة بفض كل النزاعات والتفكير بالحلول الناجعة بمشاركة الرجل لها، ستكون طفرة حضارية تسجل لحساب الفئات المتصارعة كعمل جيد قاموا به لتهدئة الأوضاع الخطرة.

إن إنفراد الجنس الذكري بالفوز بالانتخابات وضياعهم في معمعة االتناحر وعدم تمكينهم من التوصل للتراضي، قدمت مقترحي هذا والله وحب العراق من وراء مقترحي هذا.

الدكتورة خولة الزبيدي

[email protected]