ترتفع هذه الأيام الأصوات التي تطالب بمشاركة المغترب اللبناني في الانتخابات النيابية القادمة. هذه الأصوات على قلتها إلا أنها تعبر بحقٍ أفضل تعبير عن قطاعٍ واسعٍ جداً من اللبنانيين وهي في الوقت نفسه تعمل على تحقيق هدف لا يستهان به في خدمة الوطن وتمتين ديمقراطيته.
أردت في مداخلتي هذه أن أجيب عن السؤال التالي: أهل مشاركة المغترب في الانتخابات عموماً حق وواجب وطني مطلوب أم هو عمل تجميلي لا جدوى منه ولا فائدة؟
فلبنان كما هو معروف بلد صغيرٌ فريد من نوعه. ومن فرادته المميزة انتشاره الكبير في كل أنحاء المعمورة. وكما أنه طائرٌ لا يستطيع التحليق إلا بجناحيه المسيحي والإسلامي، كذلك هو قلب لا يستطيع الخفقان إلا بالمقيمين بحيوية وعطاء على أرضه المعطاء والمغتربين المنتشرين بنشاطٍ نفتخرُ به في بقاع الأرض. لا أبالغ هنا إذا قلت: أن لبنان هو الدولة الوحيدة الكبيرة على صغرها في العالم، والتي يفوق عدد أبنائها المغتربين عدد المقيمين على أراضيها. هذا يعتبر مصدر قوة لا حدود لها. ولبنان الصغير لم يُصَدِّرْ فقط الحرف والأرجوان والمهارة والحذق وخشب الأرز والتجارة والشطارة، بل أيضا وما زال رجال الفكر والأدب والشعر والصحافة والسياسة والاقتصاد والعلم والفن الإبداع والجمال. لا مجال لذكر الأسماء فهم بعشرات الآلاف، ومنهم من بنى صروحاً في المهاجر ومنارات، ومنهم من ارتقى أعلى المناصب والمراتب، ومنهم من حصل على جوائز عالمية في كل الحقول والعلوم، ومنهم من يقود الجيوش العظمى دون غرور. والكل أي كل المغتربين يخفق قلبهم مع وطنهم الصغير. خاصة هذه الأيام حيث يمر الوطن ومنذ سنوات بأحداث عظام. تهزَّهُ وتهزنا معه، وتعصف به وتعصف بنا أيضاً. زلازلٌ سياسيةٌ إرهابية شنعاء يعيشها المغترب اللبناني بكامل أحاسيسه ومشاعره ألماً وأملاً. والأمل أصبح، رغم الاغتيالات البشعة الإرهابية النكراء ورغم التفجيرات الحاقدة المجرمة بحق الأبرياء ورغم محاولات خفافيش الظلام العملاء المكشوفة لزرع الفتنة وزعزعة الأمن وتدمير الاقتصاد، رغم كل ذلك يظل الأمل يفوق الألم بعودة السيادة الكاملة والحرية والديمقراطية والحضارة والسلام الحقيقي وخروج كل الجيوش الأجنبية ومخابراتها الفاسدة وأساليبها البربرية البدائية إلى غير رجعة.
من خلال انتشار الفضائيات أصبحت مشاكل الوطن داخل غرفنا وعلى سرائرنا وأمام أنظارنا نعيشها لحظة بلحظة، نبكي مع الباكين أمام ضريح شهيد لبنان العظيم رفيق الحريري، وننتفض مع المنتفضين في ساحة الحرية من أجل الخلاص والاستقلال، ونبتهل مع المبتهلين من أجل حفظ لبنان من أيدي الأشرار المجرمين، الذين يحاولون بكل انحطاط أخلاقي خسيس إشعال الفتنة التي لن تشتعل إلا في صدورهم الحاقدة، ونفرح بصدق مع فرح الوجوه المشرقة بانسحاب الجيش السوري ومخابراته أخيراً، والذي رغم كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبها بحق الشعب اللبناني الطيب، إلا أننا لا نكن له إلا الحب والصداقة، وله شاكرين على ما قدمه للبنان من تضحيات. ونطالب هنا بتبادل سفراء وفتح سفارات بين بيروت ودمشق، كما هو حاصل بين كل الدول العربية الشقيقة ونطالب أيضاً بأفضل العلاقات الأخوية السليمة لمصلحة وخير الشعبين الجاريّن.
نحن المغتربون حتى ولو ابتعدنا لظروف وظروف آلاف الكيلومترات عن الوطن، إلا أننا نظل بأرواحنا جزء لا يتجزأ من المقيمين على أرضه، فقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا عندكم يا أهل الجبل والبقاع والشمال والجنوب وبيروت، وجميعنا مقبلون قريباً على انتخابات مصيرية يهمنا أمرها ونتائجها. هذه الانتخابات ستكون ناقصة إذا لم تضمن حق كل مقيم أو مغترب بالمشاركة فيها. لماذا؟ لأنه واجب كل لبناني المشاركة في تقرير مصير وطنه، وهذا لا يتم إلا من خلال صوته الانتخابي. الكلام هنا موجه لجميع القائمين على هذا الأمر من موالاة ومعارضة، وبالأخص المعارضة الوطنية – لأن الدولة ملتهية بالحرتقة بالصغائر- التي يجب أن تلحظ في اجتماعاتها هذا الحق الشرعي للمغترب اللبناني وتطالب به وتعمل على تحقيقه.
أليس من الحكمة أن يشارك كلٌ من أماكن تواجده، في دفع عجلة الديمقراطية اللبنانية وتنشيطها إلى الأمام! لبنان المخطوف منذ أكثر من ثلاثين سنة يجب أن يعود إلى كل أبنائه، مقيمين ومغتربين، لكي يحلق طائر الفينيق في الأفق من جديد، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بسواعد وأصوات الجميع. المقصود بالصوت هو الصوت الحضاري الراقي الصامت المجلجل في صندوق الاقتراع وليس الصراخ الغوغائي المتلاشي في الهواء. ونطالب في القت نفسه بأن تجري الانتخابات بنزاهة وشفافية وحرية. تأكيد ذلك يجب أن يتم بإشراف الأمم المتحدة تماماً كما جرت الانتخابات الأفغانية والعراقية لأن ثقتنا بسلطة التمديد المتسورنة معدومة.
لبنان ما زال في بداية الطريق، ولكي يتعافى من سنواته العجاف وينطلق إلى بناء المستقبل، فهو بحاجة إلى كل أبنائه. الاغتراب اللبناني يجب أن يشارك في إتمام صنع المستقبل والقرار، وإلا ستكون الانتخابات ناقصة ديمقراطيا. السفارات اللبنانية متواجدة في كل أنحاء العالم وهي أماكن طبيعية يستطيع المغترب فيها أن يدلي بصوته، ضمن إشراف ممثلين محايدين ومن المعارضة والموالاة.
أردت بمقالي هذا أن أضم صوتي إلى الأصوات التي تنادي بحق المغترب في المشاركة وأعتقد أنها مسألة مهمة جداً، لربط المغترب أكثر بوطنه الأم.
ثم أليس تقرير مصير الوطن مهمة كل اللبنانيين الحريصين عليه، مقيمين ومغتربين، وعلى قراره الحر وقدسية ترابه!
ثم لماذا يحق للمغترب الألماني والعراقي والتركي والأمريكي والإنكليزي... إلخ، أينما كان للمشاركة في انتخابات بلاده وتقرير مصيرها ولا أحد يتحدث عن مشاركة المغترب اللبناني، مع العلم أن معظم الدول الديمقراطية يشارك مغتربوها في انتخاباتها من أماكن تواجدهم، ويعتبر ذلك تنشيطاً للديمقراطية ومشاركة في صياغة القرار الوطني.
كم أتمنى أن تهتم الموالاة والمعارضة الوطنية بهذا الأمر، لكي تكون على جدول أعمالها، ولكي يكون لها صدى وتؤخذ بعين الاعتبار. عملياً لا أعتقد أن هناك مشكلة بتحقيق هذا الهدف الديمقراطي السليم، الذي سيكون بلا شك دعماً للديمقراطية وتحقيقاً للسلام الوطني والعمران، وشد المغترب إلى وطنه أكثر ليشارك في همومه ويعمل بصوته من أجل التغيير والخلاص. فنعم لمشاركة المغترب في الانتخابات ليكون ذلك حقاً من حقوقه وواجباً وطنيا مطلوبا من واجباته الوطنية.
سعيد علم الدين -برلين – ألمانيا