ما اكتشفناه بعد سقوط صدام يشكل أهم تحديات البناء

لم يصدق العراقيون انفسهم عندما تحققوا من سقوط نظام صدام التكريتي، باسقاط صنمه يوم 9 نيسان (ابريل) عام 2003، في ساحة الفردوس (الجندي المجهول سابقاً) لان قوة هذا النظام على ابناء وطنه وبطشه بهم كان قد بلغ درجة لم يكن يضاهيها الا ضعف ابناء البلد في مواجهة تعدياته وامتهانه لكراماتهم.

ولكن الامر لم يقف عند هذا الحد فقد اكتشف العراقيون ومعهم العالم اجمع عددا من الوقائع على الساحة العراقية او تخصها. وحتى لو كان المتابعون على علم بها او ببعضها فهم، على الأغلب، لم يتصورا انها سـتـطـفو على السطح بهذه القوة، ونجمل هذه الأمور كما يأتي، ضمن تحليلنا لمكاسب ومصاعب او تحديات فترة العامين هذه :

- ان نظام صدام الذي تهاوى امام تقدم القوات الامريكية والبريطانية، كان قد أعد العدة لمحاربة اعدائه العراقيين ومعهم القوات الأجنبية من خلال تغلغل جماعات استخباراته وفدائييه السيئي الصيت في مدن العراق التي لهم جذور قوية فيها، كما حصل في بعض مدن محافظات الانبار وصلاح الدين وديالى. ثم ان اوامره التي انكشفت فيما بعد، وجّـهت أزلامه للتنكر والانضمام الى مختلف النشاطات الاجتماعية والحوزات الدينية، سنية وشيعية، في بغداد ومدن العراق لا سيما في الجنوب والفرات الأوسط التي لا يمتلك فيها مواقع مهمة. لقد اكتشف العالم قوة هذه الأجهزة ليس بما لديها من خبرة تنظيمية اكتسبوها خلال العقود الماضية فحسب، بل وما لديهم من سلاح خطير في مستودعات سرية لا يُحصى عددها، وايضا بما لديهم من ملايين الدولارات. ولا زالت الأخبارتتوالى، ومنذ سنتين، عن انكشافها في هذه المدينة او تلك. ويتذكر العراقيون جيدا مقولة صدام السيئة الصيت وفي بداية السبعينات : من يريد القضاء علينا، سنعطيه ارضاً بلا شعـب. انهم يطبقون الآن سياسة "اما أمسك الجميع بقبضتي أو عليّ وعلى أعدائي يارب".

-- ان تأثير عشرات السنين من ارهاب الدولة المنظم وافقار ابناء البلد ماديا وثقافياً ترك آثارا فاقت التوقعات، فمن جهة ظهر للعيان تركة النظام السابق بوجود فئات كاملة عودت نفسها على السلب والنهب والخطف لتحقيق مطلبها في الثراء على حساب الآخرين، وقد ساهم عفو صدام عن المجرمين، اواخر عام 2002، في إمداد هذه الفئات بعشرات الألاف من المحترفين هذا المجال. وهؤلاء هم الذين اغتنموا "الاهمال" الامريكي المُـدان للمسألة الأمنية فنهبوا المخازن والدوائر والمتاحف، وتسلل معهم ايتام مخابرات صدام فأحرقوا الكثير من الوثائق الرسمية لتضييع الحقائق التي تدين عناصرهم الذين بداوا يتسللون بين ضحاياهم ويتكلمون بكل ثقة، حتى على شاشات التلفاز، مستفيدين من تعاطف وسائل الاعلام ومستغلين اوضاع الديمقراطية الجديدة العهد.

ومن جهة ثانية، فان الكثيرين من ابناء العراق تعودوا على السلبية التي فرضتها أوضاع النظام السابق، إذ فقدوا القدرة على المبادرة الاجتماعية والسياسية واصبح الكثير منهم، ومنذ صيف 2003، في موقع المتفرج امام التفجيرات وجرائم القتل والاختطاف والمواجهات بين القوات الأجنبية وجماعة صدام. وتمثل انتخابات 30 كانون الثاني 2005 انعطافاً واضحاً في السلوك الاجتماعي حيث بدا للعيان ان العراقيين عموماً قد تخلصوا من هذه السلبية. وبالتأكيد فان عوامل عديدة تجذرت لتعطي أكلها في هذا اليوم المجيد، حيث بدأ العراقيون يتكيفون مع الأوضاع الجديدة وتخلصون مع الوقت من سلبيتهم، واعتقد ان اهم عوامل هذا التغيّر تكمن في 1- تكريس منجزات التحرر من حكم الطاغية(زيادة القوة الشرائية والتخلص من حالات البؤس المستشرية سابقاً والتخلص من الخوف والدخول الى عالم الحرية وعفوية العطاء) 2- انجلاء مَـواطِـن المصلحة شخصياً (في الحفاظ على المكتسبات) ووطنيا (التوجه نحو البناء الديمقراطي وتعزيز مستلزمات السيادة)، 3- ما توضح لديهم من الاخطار المباشرة للارهاب عليهم وعلى مستقبلهم، 4- اضافة للدور المباشر الذي مارسه آية الله السيد علي السيستاني، كما سنذكره في محله.

ومن جهة ثالثة، قدم سكان بعض المدن، ممن ارتبطوا بفلول نظام صدام بروابط الدم والمصالح، خدمة هائلة لعصاباتهم من خلال ايوائهم ومساعدتهم او استنهاض عوائل وعشائرهذه المدن لمناصرتهم ومحاربة الوضع الجديد. ولم يكن لهؤلاء المجرمين طبعا الا ان يعلنوا زورا وبهتانا انهم يدافعون عن العراق ضد الغزو الاجنبي، وقد استفادوا كثيرا من بعض المغرر بهم ممن رفعوا هذه الراية فعلاً، ضاربين عرض الحائط الاجماع الوطني. لقد استفاد المجرمون الصداميون من هؤلاء المغامرين "الدون كيشوتية" للتغطية على نواياهم الدنيئة، وساعدتهم وسائل الاعلام العربية كثيرا في الترويج لدعايتهم الباطلة.

- الظاهرة الأخرى تتمثل في تكون تيار سلفي في العراق، كان صدام قد شجع انتشاره، لا سيما منذ بداية التسعينات، لينشر الفرقة والطائفية المستعرة ضد الشيعة. ورغم ما يشاع من انه ضربهم فيما بعد، الا ان جذورهم ظلت قوية الى حد ما في بعض مناطق غرب بغداد (مثل الرمادي، الفلوجة، هيت وغيرها) وكذلك في منطقة ديالى. هذه الشرائح التي تعتبر ولي الأمر واجب الطاعة والشيعة والاكراد الذين تحرروا منه مارقين يحل فيهم القتل، تقمصوا ايضا دور المجاهدين بينما هم تناسوه ايام كفر صدام بكل القيم الاسلامية والانسانية. واحتضن هؤلاء السلفيون "اخوانهم" من الجماعات الوافدة من الخارج، من الذين نسوا او تناسوا قضية فلسطين وما يجري في بلدانهم وجاؤا "محاربين للمحتل الأمريكي" على ارض العراق. وساهمت الجماعات السلفية العراقية المخترقة اصلاً من مخابرات صدام بتسهيل التنسيق بين بقايا هذه المخابرات والجماعات الاسلاموية الوافدة.

- اكتشف العراقيون ومعهم العالم اجمع مقدار تحكم العروش بحكام العرب والمسلمين، إذ أهملوا بالكامل كل ما تكشّـف من جرائم صدام ومقابره الجماعية والحروب التي شنها ضد شعبه وجيرانه، وتمسكوا بقميص عثمان العروبة والاسلام وضرورة محاربة الغزو الاجنبي ليبقوا هم في السلطة وقصورها الباذخة على حساب مصالح العرب والمسلمين. ووقفت معهم وسائل اعلامهم و"مثقفوهم" المأجورون من انصاف المثقفين وكذلك المرتبطون بهم وبخطابهم، او "المثقفون العضويون"، كما يسميهم انطونيو غرامشي. اكتشف العالم اذن كيف تمادى هؤلاء جميعا في رؤية اشلاء العراقيين كطبق يومي على موائد شاشاتهم، خلال السنتين الماضيتين، دون ان يرفعوا صوتهم بالاستنكار او بالتضامن مع الضحايا بل طالما شمتت وسائل اعلامهم بهذا الشعب الذي لا زال يدفع ثمن حريته غالياً. الغريب الذي لم يعد كذلك هو ان العديد من الدول الغربية التي فقدت مصالحها في العراق وتشعر بالتهديد الأكبر القادم مع رياح التغيير، هذه الدول المتشدقة بحقوق الانسان وحرية الشعوب وقفت نفس موقف المتفرج والشامت ازاء المأساة العراقية. بعبارة اخرى، اكتشفنا ان نظام صدام هو حلقة متصلة من سلسلة اكبر تكبل ايادي الشعوب وتكم افواهها وتعطل عقولها. كل ما تقدمه لشعوبها الشعارات وادعاء التمسك بالمبادئ، الآن، عندما قررت الادارة الأمريكية ان مصالحها، هي، لم تعد معهم بل مع انظمة جديدة قائمة على اسس اخرى.

- لقد اكتشفنا ايضاً ان الاحزاب السياسية ذات التاريخ الطويل لم تعد بتلك الشعبية التي كانت عليها أيام الستينات والسبعينات، ولا سيما بعد عهود الارهاب الطويلة وما انتجته ايضاً من سلوك سلبي وآثار مدمرة اخرى للشخصية العراقية. لذلك لم يظهر لهذه الاحزاب نشاط جماهيري ملموس ومؤثر على الساحة طوال عام 2003. ولا يغير من هذا الواقع محاضرات الجمعة لسماحة السيد محمد باقر الحكيم وتأثيره الشخصي الذي بدى كارسمياً، وباعتباره شخصية عالماً كبيراً واماماً لصلاة الجمعة في صحن الامام علي (ع) قبل اغتياله، في نهاية آب (اغسطس) 2003. وبالضبط اذا كانت الأحزاب والحركات الاسلامية تأمل خيرا بفضل بقاء الناس على اعتزازهم بدينهم ووجود تربة مهيئة للاستماع اليهم، واذا كانت الاحزاب الكردية تتمتع باستمرارية التفاف الأكراد حول شخصياتها الكبيرة، فان الاحزاب العلمانية المحضة والليبرالية اضحت لا تلوي على شيء، ومن دون قواعد جديرة بهذا التسمية، حيث ان ايديولوجيتها قد انهارت، في عيون الناس، بفعل تجربة العهود السياسية التي اوصلت العراق الى مذبح افظع الدكتاتوريات واكثرها دموية في تاريخه.

- في المقابل، ظهرت على المشهد العراقي وامام العالم اجمع زعامة آية الله السيد السيستاني، حيث
رغم ان القواعد التي اسست استقلالية علماء النجف الأشرف تمتد بعيدا في اعماق التاريخ الا ان الكثيرين لا يعرفون عنها شيئاً. وقد استغرب الناس في كل مكان لوجود عالم ديني متواضع الشخصية والمظهر، يتمتع بهذه الشعبية وبهذا القدر الكبير من التماسك الفكري والسياسي في بلد مزقه الطغيان وافقرته السياسات المتعاقبة اقتصاديا وثقافيا. ورغم الموقف العام السلبي لصحيفة اللوموند الفرنسية، فقد خصصت للسيد السيستاني مقالاً اكد كاتبه - باتريس كلود- فيه (انظر عدد 17 آذار/مارس 2005) على هذه المواصفات وعلى احترامه من قبل مختلف العراقيين، باديانهم واعراقهم المختلفة وكيف ثبّت السيد مرجعيته من خلال المواقف التي اتخذها، لاسيما بتأكيده على السلم الأهلي والاعتماد على القضاء وتحريم اللجوء الى القوة مع البعثيين السابقين، وتحريمه الانتقام من عمليات الارهابيين بالهجوم على المشكوك فيهم في مناطق السنة وعلى ضرورة اجراء الانتخابات باسرع وقت.

هذا وقد اشتدت مطالبة السيد السيستاني باجراء الانتخابات، في خريف 2003، ولكن بعد تحرك الامم المتحدة ومجئ الأخضر الابراهيمي، تقبل فكرة التأجيل لموعد ثُبـّت بقرار مجلس الامن 1546. وكانت مواقفه بالتشجيع على المشاركة في الانتخابات وعلى ضرورة التهدئة والحفاظ على الأمن في البلاد، من أهم العوامل التي ساهمت، في نظرنا، خلال العشرين شهراً، في تطوير موقف العراقيين، لاسيما بين الشيعة، من السلبية الى المتابعة، ومن المتابعة الى المشاركة الواسعة في الانتخابات، رغم التهديدات المتكررة من قبل فلول النظام السابق وارهابيي الخارج. وهنا تقفز الى الذهن، المقارنة مع ابناء السنة، حيث ان عدم وجود شخصية ومؤسسة بمثل هذا الوزن لديهم ساهم في النجاح النسبي لمن اراد تحييدهم ومقاطعتهم، كانت الأكثرية تريد المشاركة لكن ليس امامها الا تهديد هؤلاء الارهابيين ومن يبرر شعاراتهم الزائفة من "مثقفين ورجال دين" بدا واضحا منذ البداية ضعف مصداقيتهم، وهذا ما وضح الآن للجميع. يضاف الى ذلك تردد بعض السياسيين السنة بين المشاركة وعدمها. فبين الخوف والتردد، فضل الكثير من ابناء السنة البقاء في بيوتهم وعدم المشاركة.

يبقى ان نذكر ان اهم التحديات التي واجهها العراق في هذه المرحلة تتركز في مجال البناء الديمقراطي وضرورة التقدم فيه، وهو ما يقوم به ابناء العراق وقادتهم السياسيون بشكل جيد عموما، حيث تبنّت قيادات القوائم الفائزة مبدأ إشراك الجميع ولا سيما العرب السنة في العملية السياسية بكل تمفصلاتها. وتم بناء على ذلك انتخاب رئاسة الجمعية الوطنية ومجلس رئاسة الجمهورية. ونذكّر هنا بصعوبات المرحلة واننا بصدد تأسيس الدولة بعد تحطم المؤسسات وخراب البنى المختلفة وتدمير الانسان العراقي. اما التحدي الثاني الأساس فيتمثل برد الارهابيين وتثبيت دعائم الأمن. لم نعرف في هذا المجال الا تقدما نسبيا ولكن مهما. ان تكالب بقايا النظام السابق على وأد التجربة بقتل وارهاب الانسان العراقي اينما ظفروا به، ثم لهاث بعض دول الجوار ووسائل الاعلام العربية على مساعدتهم، كل ذلك أخر في التمكن من وأدهم تماماً وتخليص العراقيين من شرهم. ولكن النجاحات التي تحققت لحد الآن سترسخ اكثر مع مجي الحكومة الجديدة المنتخبة والمصممة على النجاح في هذا المجال وبداية تخوف دول الجوار من التمادي في غيهم، كل ذلك يعطينا الامل في الوصول بهذا البلد الى بر الأمان، في القريب العاجل.

وفي نفس الوقت، ننتظر من الجمعية الوطنية المنتخبة ان تقوم بدورها المنشود في تعميق وصياغة دستور البلاد، بمشاركة جميع مكونات الشعب العراقي بفاعلية وروح وطنية عالية.

ان تحديات البناء الديمقراطي ووأد الارهاب، لا تنسينا الملفات الأساسية الأخرى مثل ضرورة القضاء على الفساد في دوائر الدولة وتحسين الخدمات (مثل الماء والكهرباء وتوزيع الوقود) وتوفيرالسكن والقضاء على البطالة او تقليصها بشكل واضح وتنقية سوق العمل وحل مشكلات المؤسسات الوطنية امام اجتياح البضائع الأجنبية، والاستمرار في تحسين وضع المرأة وتنمية الأرياف وتقوية المجتمع المدني. صحيح ان كل هذه الملفات مثقلة بتركة النظام السابق وما يضيفه الارهاب من تقوية لأزماتها، الا ان الشعب ينتظر، ومعه العالم أجمع، ان تقوم الحكومة بدورها في حل هذه المعضلات او على الأقل التقدم الواضح على طريق حلها، باتباع سياسة فاعلة تُحرج الأعـداء وتُســر الأصدقاء.

د. محمد سعيد الشكرجي
علوم سياسية - باريس