نموذجان لقيادات شرق أوسطية جديدة
من يقرأ المكالمة الهاتفية التي هنأ بها السيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، الرئيس العراقي المنتخب من قبل الجمعية الوطنية، السيد جلال الطالباني بمناسبة انتخابه كرئيس لمنصب رئيس الجمهورية، يجد ان الموقف الذي عبر عنه السيد البارزاني للسيد الطالباني موقف نابع من الاصالة الوطنية التي تتميز بها القيادة الكردية العراقية تجاه العراق وتجاه الشعب الكردي في اقليم كردستان، فقد عبر عن نفسه "قائلا: أهنئ نفسي أولاً ثم سيادتكم، وهذا يعتبر ثمرة الموقف المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ووحدة صفوف جماهير شعب كردستان. وخلال هذه المكالمة الهاتفية، عبر السيد مسعود البارزاني عن دعمه الكامل للسيد مام جلال رئيس جمهورية العراق، وقال: سنتعاون معكم بكل جهودنا ونساندكم لإنجاح مهامكم الجديدة الحساسة والتاريخية". بي يو كي ميديا، 7 ابريل.
والحق يقال ان المهام الجديدة في العراق المتحرر من نظام دكتاتوري مستبد، حقا مهام حساسة وتاريخية، لأنها تحمل في جوهرها بوادر بناء أسس حديثة، متينة، وراسخة لبناء عراق جديد فيدرالي ديمقراطي تعددي للنهوض بالأمة العراقية على أساس الإقرار الدستوري الشرعي بكل المقومات الحقوقية والانسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توفر للانسان العراقي الأرضية السليمة لإرساء الحقوق المدنية للانسان بجميع جوانبها المادية ومعنوية، وتوفر للقوميات العراقية جميع الحقوق القومية واستحقاقاتها الدستورية، خاصة للشعب الكردي في إقليم كردستان.
ولا يخفى على أحد ان الواقع الجديد الذي ظهر الى أرض الواقع في العراق، لعب فيه الشعب الكردي والقيادة الوطنية الكردستانية دورا أساسيا للتغيير وإنقاذ الشعب العراقي من براثن الطغيان والاستبداد لنظام حكم البعث البائد الذي مارس أبشع سياسة للقمع والاضطهاد تجاه الكرد بقسوة وعنف منقطعي النظيرين على مر عقود طوال. وبهذا الصدد فإن ما يسجل للشعب الكردي من موقف تاريخي متسم بالفخر والاعتزاز يعتبر مفخرة للعراقيين في التاريخ الحديث، لأنه برغم الظروف القاسية التي تعرض له الشعب الكردستاني والحركة التحررية الكردية، فان القيادة الوطنية الكردستانية تميزت بمبادرة تاريخية قل نظيرها على المستوى العراقي والشرق الأوسطي وعلى مستوى دول العالم الثالث، وهي المبادأة المبادرة بمطالبة الحقوق الديمقراطية والسياسية للعراقيين، قبل المطالبة بالحقوق القومية للكرد حرصا من الشعب والقيادة الكردية تجاه العراق لتميزهم برؤية وطنية عالية على المستوى السياسي. وليس بخاف على العراقيين أن شعار الديمقراطية للعراق كان المطلب الأول قبل المطالب الكردية في كل مرحلة تفاوضية جرت بين الحكومات العراقية السابقة وبين القيادة الكردية.
استنادا الى هذه الحقائق، فان مشهد انتخاب قيادي كردي بارز كرئيس لجمهورية العراق، والذي نقل الى المشاهدين في أغلب دول العالم عبر الفضائيات ووكالات الأنباء المحلية والاقليمية والدولية، الذي انتخب من قبل الجمعية الوطنية العراقية كمرشح من قبل التحالف الكردستاني الفائز بالانتخابات البرلمانية، لم يكن وليد اليوم ولم يكن وليد زمن التحرر من الطاغية، بل كان وليد عهود طوال من الكفاح والنضال الدءوب للكرد لبناء عراق ديمقراطي فيدرالي ينعم فيها المواطن الكردي بدرجة المواطنة الكاملة دون تفريق ولا تمييز.
وهذا ما أشار اليه بكل وضوح و عبر عنه زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني السيد مسعود بارزاني، عن ارتياحه لانتخاب الهيئة الرئاسية الجديدة في العراق بقيادة الزعيم الكردي جلال طالباني، معتبرا ان هذا الاختيار «دليل على ان الكردي يستطيع ان يقوم بواجبه كأي مواطن عراقي». وقال السيد البارزاني في برقية تهنئة الى السيد الطالباني ان «انتخاب كردي لهذا المنصب دليل على ان الشعب الكردستاني صاحب حق مشروع في العراق المستقبل، العراق الفدرالي الديموقراطي ويستطيع ان يقوم بواجبه كأي مواطن عراقي». وأضاف «يجب الا ننسى ان هذه الثمرة هي نتاج دماء الشهداء ونضال وجهود مناضلي شعبنا لعدة سنوات». ودعا البارزاني الى «محو كل آثار التفرقة التي كانت تسود في عهد النظام السابق». وقال «يجب ان نعمل على التئام جروح كوارث الأنفال والقصف الكيميائي والفيليين والبارزانيين المجهولي المصير»، و أ كد بارزاني " أ دعمك بكل ما أ وتيت من قدرة ليأخذ العراق الجديد طريقه الحقيقي وكي لا يتعرض الشعب العراقي والشعب الكردستاني مرة أ خري للآلام والمحن". موقع KRG، 8 ابريل.
أمام هذا الحدث التاريخي، علقت صحيفة "التآخي" الناطقة باسم الحزب الديموقراطي الذي يتزعمه السيد ال بارزاني، فكتبت في افتتاحيتها ان "المنصب الرفيع الذي يتقلده اليوم السيد جلال طالباني هو تكريم للشعب الكردي عامة ولقائمة التحالف الكوردستاني خاصة". و ا ضافت ان "الشعب الكردي يشعر اليوم بسعادة بالغة في ان يكون مام جلال مرشح الرئيس مسعود ال بارزاني قد شغل هذا المنصب فعلا". وتابعت ان "العراقيين يشعرون ل أ ول مرة في تاريخ العراق ان حاضر العراق ومستقبله من مسؤولية عموم أ بنائه عربا و ا كرادا وسائر ا ل ا طياف ا ل ا خري". جريدة التآخي 7 ابريل.
وتأكيدا لما سبق، فإن اختيار السيد جلال الطالباني من قبل السيد البارزاني ومن قبل القيادة السياسية الكردستانية لم يأتي من فراغ، بل عن إدراك وقناعة تامة بأهمية دور الطالباني في المرحلة الراهنة، ليس للكرد فقط وإنما لعموم الشعب العراقي. وهو دور، سيكون له صدى وتأثير إيجابي كبير، على الواقع السياسي للعراق الجديد، لأن الطالباني يعتبره البعض مفكر النهج الديمقراطي والتعددية الحزبية في الحياة السياسية الكردستانية والعراقية، حيث " دخل النضال الوطني الكردستاني والعراقي وناضل نضالا جادا مريرا من أجل نيل الحقوق القومية العادلة للكرد، وتحقيق الديمقراطية للشعب العراقي بكل قومياته وتوجهاته وأطيافه حتى اعتبره البعض مفكر الديمقراطية والتعددية في كردستان والعراق ".
ولهذا عندما ننظر بتمعن وبصيرة الى المواقف الحكيمة للقيادة السياسية الكردستانية، والمواقف الكبيرة والرؤية الرشيدة للسيدين الطالباني والبارزاني، توازيا مع مسار الأحداث التي نشهدها اليوم على الساحة العراقية، فإنها تشكل بادرة تغييرات جذرية على الساحة الشرق الأوسطية والاقليمية في اتجاه إرساء عملية ديمقراطية حديثة غير مسبوقة في المنطقة نهجا وسلوكا. ولا شك ان اختيار شخصية وطنية كردية لقيادة هذه العملية في العراق استنادا الى المشاركة السياسية الجماعية المنطلقة شرعيتها من الانتخابات التي صوت لها العراقييون في نهاية كانون الثاني، تشكل دعامة حقيقية لإرساء نظام حكم دستوري ديمقراطي فيدرالي تعددي في العراق. وهذه الدعامة الوطنية العراقية لابد من الإقرار بها، أنها شكلت بفضل تعاون وتنسيق وتظافر جهود بين شخصيتين عراقيتين وطنيتين كرديتين لم يسبق وجود له ولا مثيل لها على الساحة السياسية في المنطقة في تاريخها السياسي القديم والحديث. وهاتان الشخصيتان الممثلتين بالرئيس العراقي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، جلال الطالباني ومسعود البارزاني، قد أعطيا نموذجا إنسانيا وقياديا فريدا من نوعه على نطاق كل شعوب وبلدان الشرق الأوسط في مجال السياسة والحكم والسلطة، وفي مجال إرساء نهج سياسي جديد لنظام الحكم لم تألفه المنطقة من قبل. ولهذا فأن الموقف الوطني الكبير الذي سجله كل من هذين القياديين يعتبر أول نموذج تاريخي سياسي جديد للقيادة في الشرق الأوسط، وهو بهذا المشهد سيكون الحافز الأساسي والمنطلق الأول لظهور قيادات جديدة في المنطقة مستوحاة انطلاقتها من النموذج القيادي العراقي الكردي.. وبهذا نقول حقا ان الطالباني والبارزاني نموذجان للقيادات الشرق الأوسطية الجديدة.
كاتب عراقي كردي
ينشر في إيلاف بالتزامن مع صحيفة "الاتحاد" العراقية، وجريدة "الصباح الجديد" البغدادية.




التعليقات