ذاكرتي لرياض محمود محمد عطالله تعود لاوائل واواسط الستينات كتلاميذ في مدرسة عبد القادر الحسيني في راس العامود سلوان التابعة للقدس والتي تحولت الآن لرقعة استيطانية يهودية.
لم أكن أعرف انني بعد اربعين عاما سأشترك في تشييع جثمان رياض وأشارك في دفنه في بلد الغربة بريطانيا.
حرب 1967 شتت البشر والصداقات وتبعثر الناس في مختلف انحاء المعمورة. وكل ذهب في طريقه ونسي الآخر. وبصدفة عجيبة قابلته في اواسط الثمانينات في مكتب تأجير سيارات في شارع صلاح الدين في القدس وكان جالسا على حضنه ابنه محمود الذي كان طفلا أنذاك. وتذكرنا بعضا وقررنا اعادة الاتصال في بريطانيا بعد العودة من زيارة للاهل في القدس المحتلة.
ولمدة تزيد عن عشرين عاما بقينا على اتصال هاتفي ولقاء اسبوعي تقريبا.
وكنت شاهدا على مسيرته في الاعمال حيث اسس مطعما ناجحا يدعى البستان في موتكومب ستريت نايتسبردج عام 1990 ثم انتقل الى ساوث كينسنجتون في السنوات الخمسة الاخيرة. وكان مطعما ناجحا بفضل مهارة وجهود ودعم رفيقة عمره انعام عطالله. وسوف تستمر انعام في المسيرة في تقديم أفضل الوجبات العربية في المطعم الكائن في "اولد برومبتون رود، ساوث كينسنجتون".
كنت ارواد المطعم بانتظام ودائما في جميع الظروف والازمات يقابلني رياض بابتسامة وقبلة ويسألني " شو بتحب تخلع" أي ماذا تريد ان تلتهم هذا اليوم. نقعد سويا اشكي له همومي واسمع رأيه السديد واحيانا ابدي رأيي في أمر يقلقه. واستمر هذا الحال لسنوات وحتى لآخر لحظة بقي نفس الانسان اللطيف الكريم المبتسم حيث رأيته قبل أن ودّع العالم الدنيوي بأيام وتناولت وجبة الغداء الآخيرة معه ومع انعام وتبادلنا النكت رغم انه كان على يقين ان مرض العضال كان ينهش في جسده وان أيامه معدودة ولم أعرف ذلك. وفهمت فيما بعد أنه لم يفصح بحالته لأي انسان خارج البيت العائلي.
شجاعته واخلاقه النبيلة منعته من ازعاج الاخرين حتى الاصدقاء المقربين بمشاكله ومرضه.
ورغم الصاعقة التي أحلّت بنا أثلج صدري عندما رأيت "التضامن والتماسك والشجاعة التي أبداها اولاده محمود واحمد وابنته دانا ورفيقة عمره انعام" في أيام التشييع والدفن والعزاء".
وليس من العدل أن أتجاهل الدعم المعنوي واللوجستي الذي قدمه صديقان للعائلة وهم ابو النور وأديب ووقفوا مع العائلة في وقت المحنة ودأب ابو النور وأديب يستحق أعمق التقدير والامتنان.
وبالنيابة عن العائلة أشكر محمود بشير ووليد الخطيب لوقفتهم المعنوية وأخيرا وليس آخرا التضامن الذي قدمه الاستاذ الكبير عبد الباري عطوان.
وكانت الطامة الكبرى بالنسبة لي شخصيا ولكل من عرف رياض عندما سمعنا النبأ المفجع الكارثي.
شعرت أنني فقدت جزءا من ذاتي واندهشت كيف لمدة 18 شهرا استطاع اخفاء الوضع الحقيقي لصحته وفي اللقائين الاخيرين معه اي قبل انتقاله الى مثواه الاخير بأيام معدودة تحدث عن امور عادية دنيوية مثل تصليح ساعة واستثمارات مالية ومشاريع مستقبلية وغيرها من الامور كأننا نعيش ابدا وهو يعلم أن العد التنازلي لوقته في هذه الدنيا الزائلة قد ابتدأ.
وأقف الآن متواضعا وانحني تقديرا واحتراما لهذا الانسان العظيم الذي تصرف بأدب واحترام مع الجميع وتكلم خيرا حتى عن الذين اساءوا له وكان له قلبا واسعا وصدرا منفتحا لجميع الاراء السياسية وغير السياسية ولا ينفعل حتى اذا استفز (بضم التاء).
لا استطيع في اكثر من 20 عاما من التعامل مع هذا الانسان النادر الفريد من امثاله ان اذكر ولو مرة واحدة انه اساء لانسان او حيوان وكان مثال الخلق العالي واللطف والكرم والابتسامة الدائمة في السراء والضراء. سنفتقدك يا رياض ايها الانسان الشجاع النبيل ونعم الصديق المخلص.
سنذكرك يا رياض ما دمنا على وجه الارض وحتى نلتحق بك الى عالم أفضل.
نهاد اسماعيل - لندن




التعليقات