تعيش الأراضي الفلسطينية منذ وفاة الرئيس ياسر عرفات حمى انتخابات حقيقية تعبر عن رغبة جامحة في التغيير بدأت أكلها الأولى بإجراء المرحلة الأولى من انتخابات المجالس المحلية مرورا بانتخاب السيد محمود عباس مرشح حركة "فتح" خلفا للرئيس عرفات؛فإجراء المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية والقروية،ويستعد الفلسطينيون هذه الأيام لإجراء المرحلة الثالثة من الانتخابات المحلية في الثاني من أيار القادم،وانتخاب مجلس تشريعي جديد في السابع عشر من تموز المقبل.
وإذا كان من شيء صبغ هذه الانتخابات فهو الفشل الذريع الذي منيت به الفصائل والأحزاب اليسارية،وزيادة سطوة ودور العشائر والمستقلين في تقرير شكل القوائم الانتخابية أو حتى جوهر اللعبة الديمقراطية ذاتها فيما ظل الاستقطاب في موازين القوى قائما بين حركتي "فتح" وحماس أكبر فصيلين على الساحة الفلسطينية.
قد يقول قائل إن هذا هو رأي الشارع الفلسطيني ويجب احترامه؛وإذا كانت هذه المقولة صحيحة في استخلاصها العام؛فان الخوض في التفاصيل يكشف عن طبيعة التناقضات غير الظاهرة،والتوجهات الدفينة للناخبين... أبدأ أولا بانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية؛فالملفت فيها ليس فوز مرشح حركة "فتح" السيد محمود عباس ؛باعتباره المرشح الذي يحظى بإجماع الفلسطينيين خصوصا مع عدم وجود منافس حقيقي يشكل البديل،ونظرا لدور حركة "فتح" التاريخي،إضافة الى غياب حماس عن حلبة المنافسة؛... بل اللافت هو النتيجة التي أحرزها مرشح مستقل هو مصطفى البرغوثي الذي حل ثانيا بعد عباس،وحصد نسبة أصوات توازي أضعاف مجموع ما حصل عليه مرشحا حزب الشعب الفلسطيني بسام الصالحي،والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تيسير خالد؛علما أن الحركة التي ينتمي إليها البرغوثي "المبادرة الوطنية الفلسطينية" هي حركة وليدة،تشكلت في السنوات الأخيرة لانتفاضة الأقصى الراهنة،ولم تتبلور بعد لتطرح نفسها كحركة سياسية أو تنضم الى عضوية منظمة التحرير الفلسطينية التي ينتمي إليها كل من حزب الشعب والجبهة الديمقراطية منذ عشرات السنين،ويجب هنا عدم نسيان الغياب ( الفاقع ) للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفصيل الثاني في المنظمة؛وقد تنازلت عن المشاركة في الانتخابات،وأعطت كل دعمها للبرغوثي.
واذا انتقلت ثانيا لانتخابات المجالس المحلية والبلدية ؛فيمكن القول إن نصيب الأحزاب والفصائل اليسارية فيها يكاد يكون معدوما،واذا كان بعضها فاز في هذا الموقع أو ذاك؛فان ذلك بفضل ( تلطيه ) خلف تلك التوليفة العشائرية،أو لأنه رشح أحد الأشخاص المشهود لهم بالكفاءة والسمعة الطيبة؛وبالتالي فان الناس انتخبوا هذا الشخص لشخصه ولعمله (الصالح)،ولم يكن يهمهم انتماؤه الحزبي... وفي نتائج انتخابات مجلسي طلبة جامعتي بير زيت وبيت لحم الأخيرة كانت الطامة الكبرى؛ففي الجامعة الأولى – بير زيت – كان حصاد ( القطب الطلابي الموحد )،وهو تحالف الجبهتين الشعبية والديمقراطية،والمبادرة الوطنية،وفدا،ثلاثة مقاعد فقط من أصل واحد وخمسين مجموع مقاعد المجلس الطلابي،ونلاحظ هنا أن حزب الشعب غاب عن هذا التحالف،وكان صائبا أو إذا أردتم ( براغماتيا ) ؛فوجد ضالته في الطلبة المستقلين أو الذين ( طلقوا ) أحزابهم اليسارية السابقة،إذ شكل ما دعيت بـ ( كتلة المنبر الطلابي ) وحصدت لوحدها مقعدين.
على الأقل،بالنسبة لي،أرى فيما أنجبته قوى اليسار الفلسطيني-نتائجها في الانتخابات-وليدا مشوها؛لكنه،بالتأكيد،ليس كائنا ( فضائيا ) ؛فهذا هو حصاد تشرذمها،ونتيجة تفضيل كل منها مصالحه الفئوية الضيقة على مصلحة اليسار الديمقراطي الموحد،وعلى مبادىء:الاشتراكية،الحرية،العدالة الاجتماعية،والمساواة التي ترفعها،وهي بالمناسبة مبادىء لم تفقد جدتها،كما لم تفقد صدقيتها؛لكن ما فقدته هو الطليعة القادرة على حملها للناس،وتحويلها الى برامج عملية تسند الفقراء والعاطلين عن العمل والمظلومين والمحرومين؛وقد باتت نسبة هؤلاء في فلسطين الآن تتجاوز الخمسين في المئة؛.... لذلك؛ولأن المستقلين الذين ( طلقوا ) هذه الفصائل ( بالثلاث )،وغيرهم كثر ممن يفكرون بذلك،هم الأغلبية الصامتة؛لكنها غير الراضية،ولديها أشياء كثيرة تريد أن تقولها،وها هي تقولها في نجاحات تحققها في هذه الانتخابات أو تلك؛... لذلك،ومن الآن فصاعدا،ولكي يستعيد اليسار دوره الريادي،الذي ضيعته أو تناسته الفصائل،وها هم المستقلون يتصدون لحمله ــ لكل ذلك أقول: ليكن شعارنا " يا مستقلي فلسطين اتحدوا ".