لا شك ان الآراء التي تبنى استنادا الى ساحة الميدان، تحمل في بنيانها حقائق متسمة بأدلة وبراهين تعمل على إقناع المقابل وفق رؤية سليمة مستندة الى أرضية واقعية، وبالتالي تساعد على نقل الحقيقة التي يحاول الإنسان المنصف ان يظهرها بجوهرها لرسم صورة حقيقية شفافة مبنية على التعامل مع حقائق فرضت نفسها على أرض الواقع. بهذه المقدمة الوجيزة أود أن اطرح وجهة نظر ميدانية من قلب الواقع بخصوص تجربة اقليم كردستان التي فرضت نفسها بكل اقتدار على الساحة العراقية والاقليمية والدولية.. ولا شك ان الكثير من الأقلام السياسية والصحافية والدولية تطرقت الى هذه التجربة وتناولتها بالإسهاب والتفصيل، ومنها أقلام وأصوات عربية بجنسيات عربية وأجنبية، انطلقت في دراستها وتحليلها للتجربة السياسية والإدارية للاقليم من زوايا مختلفة حسب اجتهاد كل قلم وصوت، استنادا الى خلفيتها الأيديولوجية والسياسية، والحقيقة أن القليل منها تناولتها بمهنية بحتة لتعطي هذه التجربة حقها بالإنصاف.

ضمن هذا الإطار، فإن التحليل والاستنتاج المستند الى الأساليب والأساسيات المهنية والتخصصية من البديهيات الرئيسية التي يمكن اللجوء له لتقييم أية تجربة في أي مجال كان، خاصة المجالات الإدارية والسياسية والاقتصادية. وحسب هذا الإطار فان المجال الإداري يعتبر من المجالات الحيوية التي يستند اليها في تقييم الأنظمة الهيكلية الإدارية للكيانات الحكومية على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، وللكيانات العاملة على المستويات غير الحكومية كالمؤسسات والمنظمات والشركات العاملة في القطاع الخاص.

وبهذا الصدد فإن المنظمات غير الحكومية الدولية التي تعمل في مجال البرامج والنشاطات الإدارية والخدمية التي لها علاقة بالمجموعات السكانية في المجتمعات المتجهة صوب الديمقراطية، تلعب دورا هاما في تأهيل الكوادر الإدارية والفنية، وفي تدريب أعضاء المجالس المنتخبة على المستويات المحلية لتقديم الخدمات الى المجموعات السكانية التي تمثلها، والتي تشمل خدمات البلدية، الصحة، التربية، الكهرباء، الماء، الزراعة، الصناعة، التجارة، الشرطة، الإطفاء، الطرق، النقل، المواصلات، الاتصالات، وغيرها من الخدمات الأساسية المتعلقة بالإنسان.

ولا يخفى على أحد ان تجربة اقليم كردستان مع المنظمات غير الحكومية ليست جديدة ولا هي وليدة اليوم، لأن جذورها تعود الى فترات نضال الحركة التحررية الكردية قبل سنة 1991، وكانت سباقة في الاتصال بالمنظمات والجمعيات غير الحكومية في أوربا وأمريكا الشمالية واستراليا للقيام بمهمات إنسانية لاحتواء الصعوبات والمشاكل والكوارث الانسانية التي كانت تقع على الشعب الكردستاني بفعل الأعمال العسكرية القمعية للحكومة المركزية تجاه الكرد بصورة عامة، وعلى سبيل المثال منها فاجعة حلبجة الشهيدة.

وبعد تخلص العراق وإقليم كردستان من الحكم البعثي المستبد البائد، اتجهت الى المنطقة منظمات غير حكومية لمعاونة العراقيين في شتى المجالات الحياتية حسب الإمكانية والقدرة المتاحة لكل منظمة. وبالرغم من اتسام هذه المنظمات بالمهنية الشديدة في مجال برامجها ونشاطاتها وخدماتها، الا ان الفترة التي كانت او ستقضيها كوادر هذه المنظمات في العراق أو في اقليم كردستان، تعتبر تجربة تعريف مهمة على النطاق الشخصي والمهني للتفاعل مع الحياة العامة في العراق و في اقليم كردستان.

ولا شك ان الاستنتاجات المتولدة نتيجة هذه التجربة الحياتية تكون نابعة من شواهد حية مؤثرة في المشهد الحياتي اليومي على نطاق الحياة العامة وعلى نطاق التعامل مع الأجهزة والجهات الممثلة للسلطات على المستويات الحكومية والمحلية، وعلى نطاق التعامل مع الأنشطة العامة للقطاعات المدنية والأهلية.. ولا شك أن هذه الاستنتاجات، تكون مؤشرات مهمة للاستناد اليها لرسم صورة أولية لأي مشهد مرتبط بالحالة العامة للمجتمع على نطاق العراق وعلى نطاق الإقليم.

واستنادا الى هذه القراءة، فان المشهد الذي طرحه المدير الاقليمي لمنظمة RTI الأمريكية في اقليم كردستان، "وهي منظمة متخصصة تعمل في مجال تقوية وتأهيل البرامج الإدارية للسلطات الحكومية المحلية في العراق وفي اقليم كردستان"، ضمن المنظور الشخصي والعام بخصوص تجربة اقليم كردستان يشكل شهادة منصفة بحق، لأنها صادرة من رؤية مهنية بحتة لتخصص المسؤول الاقليمي، والمنظمة وبرامجها في مجال دعم وتطوير وتنشيط دور الحكومات المحلية، عن طريق تأهيل كواردها الإدارية والفنية وتأسيس الجمعيات والمؤسسات المدنية لدعم الحكومات المحلية في الأقاليم والمحافظات العراقية.

وهذه الشهادة النابعة من الرؤية المهنية البحتة لمختص في مجال منظمة عملت على تأهيل وتطوير البرامج الإدارية في دول مختلفة، لا شك أنها تحمل في طياتها أهمية خاصة، لأنها صادرة من شخصية أمريكية من أصل عربي عاصر التجربة الكردستانية من خلال برامج تنفذها المنظمة في الاقليم والعراق بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية لدعم المجتمعات والسلطات الحكومية المحلية على مستوى الأقاليم والمحافظات. والشهادة جاء من المدير الاقليمي للمنظمة عندما وجه، بحضور الصحافة والإعلام العراقي والكردستاني، كلمة التهنئة الى المجلس المنتخب لمحافظة اربيل قائلا " يشرفني ان أهنئكم بمناسبة فوزكم في انتخابات مجلس المحافظة، ونيلكم ثقة شعبكم في إداء هذه المهمة الجليلة لترسيخ نظام ديمقراطي فيدرالي تعددي، قائم على الحكم اللامركزي، حيث ان تجربة حكومة اقليم كردستان خلال الفترة الماضية تعد صورة ناصعة لممارسة هذا النموذج الجديد في الحكم." بتاريخ 13/4/2005، بمناسبة افتتاح دورة مشروع الحكومة المحلية لتأهيل أعضاء مجلس محافظة اربيل في كردستان على النظام اللامركزي، وعلى نماذج تأسيس الجمعيات غير الحكومية لدعم ادارة الحكومة المحلية المنتخبة على مستوى المحافظات، كخطوة فعالة لتأسيس علاقة عضوية بين فعاليات الحكومة المحلية المنتخبة وبين منظمات المجتمع المدني لتقديم الخدمات الأساسية وتأمين الحاجات الرئيسية للمواطن العراقي الكردي بفعالية عن طريق برامج عملية وميدانية في أرض الواقع.

إضافة الى هذه الرؤية، فأن إشارة اخرى، تم التطرق اليها من خلال الكلمة المذكورة، وهي جديرة بالتقييم القدير، وهي الشهادة بالحضور المتميز لمشاركة المرأة الكردية والعراقية في الحياة الإدارية والسياسية، حيث قيم المدير الاقليمي هذا الحضور للمرأة قائلا " و أود ان أهنئكم على إعطاء دور متميز للمرأة، حيث أشاهد حضورا لهن في مجلس المحافظة، وهذا.. وان دل على شيء، فانه يدل على مراعاتكم للواقع الاجتماعي والتوجه الحضاري الجديد"، أجل، إنها شهادة جديرة بحق، لأن ها فعلا إشادة عملية بوجود توجه حضاري للكرد في اقليم كردستان، وللعراقيين في العراق الجديد، عن طريق الإقرار بدور المرأة وفسح المجال أمامها كاملا لاحتلال مكانتها الطبيعية للمشاركة مع الرجل في قيادة التحولات الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الساحة العراقية في ظل عراقي فيدرالي ديمقراطي تعددي جديد.

بهذه المناسبة، لا يمكنني الا أن أوجه بتحية التقدير لهذا الصوت القدير ولكل صوت وقلم عربي او غير عربي، ينطق بكلمة حق من منطلق المحبة والمودة والتقدير تجاه العراقيين، وتجاه الشعب الكردي في اقليم كردستان.. لأن الكلمات والأصوات النبيلة النابعة من منطلق الحق والإنصاف، لا شك أنها ستكون عونا وذخرا للعراقيين، ولا شك أن أهل العراق الجديد سوف لا ينسون أصحاب هذه المواقف.. فتحية لهم من القلب لهذا الصوت الأمريكي العربي، وتحية كبيرة للأقلام والأصوات العربية وغير العربية الناطقة بالحق تجاه العراق وتجاه اقليم كردستان، وعلى رأسهم الكاتب المنصف شاكر النابلسي، وتقدير عالي لقلمه الذي سطر ويسطر عن العراق الجديد أجمل الكتابات وأكرم المقالات في "إيلاف" المنبر الحقيقي الحي للحرية وللكلمة الصادقة.

• كاتب عراقي كردي