على حين غفلة وفي خضم أحداث دولية تلف المنطقة الآسيوية برمتها، إندلعت خلال الاسبوعيين الماضيين ولا زالت في المدن الصينية مظاهرات إحتجاج عنيفة ضد اليابان وتحديداً في مدن بكين وشنغهاي وبعض المدن الجنوبية هي الأضخم خلال السنوات الأخيرة في الصين تحديداً. والسبب طبقاً لما يرد من أخبار تتناقلها وكالات الأنباء، هو قيام السلطات المحلية التربوية في بعض المدن اليابانية وحسب الرواية الرسمية في طوكيو بإعتماد مادة جديدة في درس التاريخ تعتبر الجرائم التي قام بها الجنود اليابانيون في فترة إحتلال الصين في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي بأنها مجرد حادث عرضي وليست مجازر. ويبدو أن للأحداث خلفياتها التاريخية المريرة التي طبعت فترة الإحتلال الياباني للصين والمجازر التي قام بها اليابانيون في كل من الصين وكوريا وتحديداً المجزرة الكبيرة التي ضاح ضحيتها أكثر من ربع مليون صيني في إقليم نينيانج الصيني، بالإضافة الى جرائم إستغلال النساء جنسياً طبقاً للمصادر التاريخية السياسية. وبعيداً عن تفاصيل كل الأحداث التي عصفت بالبلدان الأسيوية التي إحتلها اليابانيون كالصين وكوريا وغيرها من البلدان وما تلاها من خسارة مريرة لليابان في الحرب العالمية الثانية والنكبة الكبيرة التي حلت بالشعب الياباني في قصف هايروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية من قبل الأمريكان، وما فرض على اليابان من مستحقات وعقوبات دولية جراء سياستها الإستعمارية في آسيا خلال العقود الأولى من القرن الماضي، بعيداً عن كل تلك التفاصيل المعروفة للكثيرين، فإننا نتحدث هنا عن المعاني العميقة التي أفرزتها سنوات الإحتلال الياباني و ردود أفعال المجتمعات التي عناها الأمر و كذلك ردود أفعال المجتمع الدولي في تلك الفترة ضد اليابان والعقوبات الدولية التي أتخذت وفرضت عليها، والتي إمتدت الى حد إعترافها بالجرائم التي إقترفتها في سنوات إحتلالها للصين و كوريا وتوثيق تلك الجرائم في كل الإصدارات والبيانات الرسمية والشعبية والمناهج الدراسية، لكي تكون جزءاً من تأريخ تلك السياسات التوسعية والعدوانية والفاشية التي رسمت السياسية اليابانية في تلك السنوات من القرن الماضي.
إذن إننا أمام معان جديدة فرضتها لا الحكومات والهيئات الدولية وحسب و فرضت من خلالها وبموجبها العقوبات على اليابان، بل أن شعوباً كثيرة إكتوت بنيران المآسي والجرائم الوحشية هي التي نادت ولا تزال تنادي من أن أجل أن يبقى للتاريخ شواهده ومعانيه ومستحقاته. جرائم وحشية و مريرة تعبث بأثمن رأسمال على وجه الحياة وبإسمه ترتكب أعتى الجرائم وأنذلها وتحت مختلف الذرائع من أجل ديمومة السلطات القمعية ورأس المال وتحت مسميات و ( أغطية ) متلونة جديدة تتخذ من تنامي المشاعر القومية والدينية غطاءً رسمياً لإرتكاب مثل تلك الفظائع و بواجهات مخزية أحياناً !
شواهد التاريخ كثيرة على الظلم والقمع الإجتماعي والسياسي المتنامي الذي تعاني منه شعوب كثيرة، لكن ما يعني كل المناصرين للعدالة الإجتماعية والمقهورين هنا هو ضرورة النطق تأريخياً وبكل جرأة بما يرتكب بحق بني البشر من فظائع و جرائم. وإن كانت شعوب بلدان المنطقة العربية و ماجاورها قد إكتوت لقرون طويلة بويلات الغزوات والحروب، فإن التاريخ الحديث لتلك البلدان يحمل في تفاصيله أحداثــاً أهتزت ولا تزال تهتز لها الأبدان والمشاعر والعقول. جرائم أرتكبت تحت مختلف المسميات والأعذار ولا زالت، دون أن نقرأ في كتاب تأريخ أو في كتاب ثقافة مدرسي أو معتمد من سلطة ما.. من أن حاكماً ما أو سلطة دكتاتورية أو مجرمة قد إنتهكت حق الإنسان في بلد ما مجاور أو إنها قد إعتذرت لشعبها أو لشعوب المنطقة بأفعالها ! كل شيء مباح في زوايا القصور و دواوينها إلا كتابة أو تسمية الأشياء بمسمياتها ! ولولا أن هولاكو والتتر قد جاءوا من بلاد غير بلاد العرب والمسلمين، لما كنا قد قرأنا عنهم وعن غزواتهم و بربريتهم التي يحدثنا عنها التأريخ، لكن ما يخص سياسات حكومات البلدان العربية منذ نشؤوها في بداية القرن المنصرم والفظاعات التي إرتكبتها في حق شعوبها وشعوب البلدان المجاورة، عربية كانت أم غير عربية، فلا أحاديث عنه ولاهم يحزنون وكأن بني البشر المنتهكة حقوقهم وبهذه الدناءة وبهذا القهر الدموي، ليسوا إلا أرقاماً تضاف الى المطحنة ( الإلهية ) التي يركب موجتها الحكام والمتسلطون القمعيون تحت مسميات وبراقع ملونة وشفافة و يرتدون من خلالها و بها عباءات ملونة، هي سوداء في باطنها وفي نسيجها !
في حق شعب العراق والشعوب المجاورة إرتكبت في الزمن القريب المنصرم إنتهاكات صارخة بحق الإنسانية وبحق الطبيعة من قبل طغمة متخلفة ودموية تفننت في أساليب دمويتها بشكل أبهر من جاء بها و ( هندسَ ) لوجودها ! هذه الطغمة كتبت نهايتها بنفسها في مرحلة ما بعد أن أستنفذت أسباب بقاءها و وجودها المتخلف و( الغير حضاري ) وفقاً للمهندسين الجدد الذين يديرون الأحداث ! فهل سيكتب العراقيون أولاً فظاعات ما أنتهك بحقهم صغاراً وكباراً في كتب الثقافة والتاريخ المدرسية لتكون دروساً بليغة ؟ وهل سيكتبون ما فعله الطغاة الجهلة في حق الشعوب المجاورة وجسامة ما أنتهكوه وفعلوه ؟ لسان حالي يقول أن العراقيين قادرون على تحديد جسامة تلك الأفعال والإشارة اليها بكل وضوح و دون مجاملة ! لكن السؤال الأهم الذي يسبق كل ذلك، هل ستقول حكومات البلدان ( الشقيقة ) و ( غيرها ) و تشير بجرأة واضحة الى كل ما فعلته الدكتاتورية المعادية لحقوق الإنسان بحق شعب العراق و شعوبهم و دون مجاملات أو محابـــاة وفي كل الإنتهاكات الواضحة لحقوق بني البشر التي يتشدق بها الكثيرون و يتمنطقون بها ؟ هل سنسمع يوماً ما أو نقرأ أن طلبة المدارس في بلد عربي ( شقيق ) قد قرأت أعينهم في كتب التاريخ أو الجغرافية أن مناطق الأهوار في بلد العراق الشقيق قد جُـففت و هجّر سكانها من قبل سلطات الحزب الذي حكم العراق لأكثر من ثلاثين عاماً ؟ هل سنقرأ في كتب ومناهج التعليم في دروس الحصة الثقافية وحقوق الإنسان ( إن وجدت ) أن النظام السابق في العراق قد إرتكب جرائم الأنفال المشؤومة وغيرها من الجرائم في حق الشعب الكردي والتي راح ضحيتها ما يقارب نفس أعداد الصينيون الذين ذهبوا ضحية جرائم اليابانيين والذين إعترفوا بذلك يوماً ما ؟!
اسئلة كثيرة، نقف أمامها ونحن نتابع ولا زلنا ونقرأ عن كل الجرائم التي أرتكبت ليس بحق الصينيين لوحدهم والشعوب المجاورة لهم، بل وبحق أبناء شعوبنا التي لا تزال تعاني وتكابد من أجل خبزة رغيف هانئة ومن أجل حق العيش دون خوف أو تهديد أو حرمان ومن أجل سلام و وئام و دون إرهاب متعدد الأقطاب أطلّ و يطل علينا من جديد وبمختلف الألوان والمسميات ومن بين ثنايـــا الأرض التي عليها نعيش !
19-04-2005
- آخر تحديث :




التعليقات