بين الارهاب ودعوات الاصلاح ثمة خيط، وما ان يضرب الارهاب عاصمة ما حتى ترتفع اصوات التغيير والاصلاح في الاساليب والممارسات وحتى المعتقدات ولايقتصر الامر عليينا نحن العرب الذين ابتلينا واتهمنا به اي الارهاب، بل طال دولا مثل الولايات المتحدة التي شرعت (القانون الوطني)، وقانون ( مكافحة الإرهاب ) في بريطانيا، وهكذا سيبقى الامر في تغير واختلاف وعدم استقرارا طالما ظل احتمال ان الارهاب سيضرب في المستقبل، و طالما ان الحرب على الإرهاب والإرهاب نفسه يغذي بعضهما الآخر.

.واذا قسنا مساحة الارهاب اليوم ابتداءا من اخر جولة له في القاهرة الى حادثة مسرح النادي البريطاني في الدوحة، الى العملية الارهابية في الرياض ومدن سعودية الى التفجيرات في لبنان، فضلا عما يحدث في العراق، فان هناك متسع للقول ان الارهاب صار ارهابا محضا بعد ان فقد ابسط مسوغات مشروعيته، ولكنه مع ذلك مازال باقيا، ليجعلنا نخاف من تصديق امرا ربما يصبح حقيقة الان هو ان الإرهاب يضرب في كل مكان ولا احد يستطيع ايقافه.

ولعل هذه هي الحقيقة المرة اذا وضعنا الارقام امامنا، فمنذ 11 سبتمبر وانطلاق الحرب على الارهاب،. نجد ان العمليات أتسعت افقيا بشكل لايصدق، في الرياض والكويت و الدار البيضاء، الكويت، مدريد، بالي، جاكرتا، اسطنبول، مومباسا والامس الدوحة واليوم القاهرة ناهيك عن الارهاب في العراق.

والقاسم المشترك في كل ذلك القاعدة وخلاياها الحية والنائمة، بحيث اصبح ذلك امرا ً مفرغا منه في تقارير الاعلاميين و حسابات السياسيين، اما في العراق فيبدو ان الامر اختلط فيه الحابل بالنابل، ولم يعد اسم القاعدة يتردد كثيرا، فقد اصبحت الحالة العراقية القلقة حاضنة خصبة لتفريخ عشرات المسلحين والارهابيين، وكلهم يجيدون القتل والذبح تحت شعار محاربة الاميركان.

و لكن الطرف الاخر واقصد الادارة الاميركية، وبعد ان ابعدت شبح الارهاب عن حدودها لم يعد يهمها سوى فرض الإصلاحات و نشر الديمقراطية خارج تلك الحدود، بعد ان عانت ماعانته جراء احداث11 سبتمبر، وربما نجحت الادارة الاميركية الى اقصى حد في هجومها على الارهاب فابعدته عن مدنها، لكنه يهاجم اليوم مدن الاخرين التي لم تعد امنة.

ولعل العقل الامريكى السياسي قد حول الحرب على الإرهاب من حرب سياسية ودبلوماسية مباشرة الى فرصة لفرض الإصلاحات والديمقراطيات، فاميركا تعتقد ان البيئة السياسة العربية يجب ان تتغير لانها اضحت مرتعا خصبا لنمو الارهاب، وبهذا المعنى تتحول الحرب على الارهاب الى نقطة انطلاق لفرض الإصلاحات.
وما يهم العراق من هذه المعادلة، ان يتحول بمرور الوقت الى مختبر تجريبي لتفريخ الارهاب وابتكار العقاقير للقضاء عليه، وان لا يكون هناك مجالا للتسامح مع أعمال العنف بتشديد التدابير والإجراءات الأمنية، وتسمية الجهات التي تتورط فيه وتسعى الى تصديرة الى العراق،.لاسيما وان الشارع العراقي ينتابه الشعور الان من ان الحكومة وقوى الامن وحتى قوة الحالف لم تفعل مابوسعها لانهاء دوامة العنف في البلاد.

واذا كانت هناك حكومات وانظمة عربية تدفع اليوم الثمن لانها متهمة من قبل الولايات المتحدة بدعمها له وتسعى بالتالي هناك سعي لاسقاطها فان المسؤولين العراقيين سيدفعون ايضا ثمن فشلهم في مواجهة الاعمال الارهابية، لان الشعب العراقي سيرفضهم في اية انتخابات قادمة.
ومثلما تظل الحرب علي الارهاب في مقدمة أولويات السياسات الاميركية المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي فان على السياسة العراقية القادمة ان تقوم على هذا الاساس ايضا، لكي يصبح العراق نظيفا من هذه الافة الخطيرة باسرع وقت وباقل الخسائر.
وفيما يتعلق بالجانب الامريكي فان قضيةالارهاب بالنسبة له تتخذ منحى اخر يجب ان لانقلده فيتناغم صياحنا معه، فالسياسة الاميركية تستغل الارهاب كمصدر لاجتذاب تأييد الناخب الأمريكي بعد أن اخذ حيزا مهما في دائرة اهتماماته وسيستمر لمدة لن تكون بالقصيرة وهذا يعني في مجمله ان منطقة الشرق الأوسط ستبقى بؤرة للتفاعل في نطاق الحرب ضد الارهاب بجانب المحاور الأخري للعلاقات العربية ـ الاميركية، وهذا يعني عدم موضوعية التحليل الذي تحاول أن تروج له بعض الاطراف العربية بان انتخاب رئيس آخر للولايات الاميركية غير الرئيس الحالي قد يخفف من حدة الضغوط الممارسة علي المنطقة العربية والشرق الاوسط‏، و‏ علي العكس فإنه يمكن القول إن الحرب ضد الارهاب قد خلقت تغيرا نوعيا في القضايا المهمة بالنسبة للمجتمع الامريكي وقد يتطور هذا التحول الي نوع من أنواع الراديكالية تجاه المنطقة اذا استمر التصعيد من جانب الادارة الاميركية الحالية أو المقبلة في شكل الضغوط السياسية غير المبررة على بعض الدول العربية وبقاء القوات في العراق‏،‏ وهذا التصعيد من شأنه ايضا تشجيع الحركات والجماعات الراديكالية في المنطقة علي تصعيد هجماتها ضد كل اشكال الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط سواء العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، لاسيما في العراق الذي اذا ماترك الحبل على غاربه سيجعل منه ساحة مفتوحة للحرب وهذا خسارة كبيرة للعراقيين الذين لايريدون ان يكونوا الضحية مرة اخرى في حرب جديدة نعرف متى بدات ولكننا لانعرف متى تنتهي.

،والاهم من الحرب على الارهاب والارهابيين في العراق هو معرفة اسبابه، فالحرب المعلنة حاليا لن تقضي على الارهاب وصانعيه مهما حققت من نتائج باهرة في بعض المواقع طالما ان اسباب الارهاب ودوافعه لاتزال قائمة، فهذه الحرب قد توفر مزيداً من الاسباب والدوافع لانتاج انواع جديدة من الارهاب كما يحصل في العراق الذي شهد ولادة مشاريع ارهاب لم يعرفها العالم من قبل.

لقد نقلت المعركة على الارهاب إلى أرض العراق بقصد اوبدونه، وما يزال الوقت مبكراً للقول انه سينحسر من البلاد، فما زالت الامور قلقة، و اذا كانت الانتخابات العراقية خطوة في اتجاه تعزيز الامن، فان الولايات النتحدة تريد منها ارسال اشارة الى دول الجوار في ان يغيرالعرب من طريقة اختيار قادتهم.وهكذا يصبح العراق بين صراع ارادات مختلفة.
وفي كل الاحوال فان على العراقيين توحيد الافكاروالموارد باتجاه دحض الارهاب و محاصرته حتى يعود من حيث اتى، اما فيما يتعلق بالولايات المتحدة فان لها أفكارها الخاصة بها باعتبارها دولة كبرى تسعى لتغيير دول وأنظمة باتجاه التعسكر لما ياتي في المستقبل، وهي تسعى الى كسب الحرب على الارهاب بتغيير الشرق الأوسط، وتحويله إلى ما يشبه شرق أوروبا اليوم. ومشروع استراتيجي كهذا، في هذا الوقت بالذات لن ينتهي بين ليلة وضحاها، وعلى العراق الجريح اليوم ان يحاول البقاء قدر الامكان خارج اللعبة الكبيرة، فهو بحاجة الى استراحة محارب طويلة بعد حروب عقود من الزمن
[email protected]