حيدر بن عبدالرضا من مسقط: دعت دراسة حديثة أعدها صندوق النقد الدولي دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنفيذ عدة سياسات وتدابير حيوية قبل عام 2010 لضمان نجاح الاتحاد النقدي للمجلس، منها إنشاء بنك يتصف باللامركزية لمجلس التعاون يكون مسئولاً عن إدارة السياسة النقدية بالتنسيق مع البنوك المركزية لبلدان مجلس التعاون الخليجي، وتطوير أدوات نقدية ملائمة مشتركة بالتزامن مع إنشاء أسواق سندات وأسهم، ووضع نظام لإدارة الأزمات المالية مع ضمان استمرار المالية العامة من خلال الإصلاحات الهيكلية، ووضع سقف على العجز غير النفطي في الموازنة وعلى دين الحكومة.
وأكدت الدراسة التي أعدها عدد من الباحثين بالصندوق مؤخرا انه من ضمن شروط استحداث اتحاد نقدي ناجح في مجلس التعاون شبيه باتحادات نقدية أخرى موجودة بالفعل مثل منطقة اليورو، تعزيز التنافس في السوق عن طريق سن قوانين، ووضع نظم ولوائح أعمال ملائمة، وضمان التحرك الحر للعمالة فيما بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، والتصدي للضغوط المتزايدة للبطالة من خلال سياسات ملائمة للأجور والعمالة، وتحسين شفافية السياسة، وإصدار بيانات الاقتصاد الكلي في حينها وشمولها.
وأوضحت الدراسة التي أعدها كل من د. جورج عابد، ود. بيل ثوري ارباس، ود. بهزوز غوير، بصندوق النقد الدولي أن هناك أوجه الشبه بين اقتصادات مجلس التعاون الخليجي المتمثلة في نصيب كبير من إنتاج النفط في الناتج المحلي، والاعتماد على صادرات النفط، وعملات ومستويات أسعار مستقرة تفوق بدرجة كبيرة أوجه الخلاف، إضافة إلى التقارب الجغرافي والروابط السياسية والثقافية البعيدة الأمد واللغة المشتركة ومستويات المعيشة العالية وجهود سياسة متسقة، والتي تشكل جميعها لبنات طبيعية موجودة بالفعل لاتحاد اقتصادي ناجح.
وأشارت الدراسة أنه اعتباراً من الأول من يناير من عام 2003 بدأت بلدان مجلس التعاون الخليجي رسمياً ربط عملاتها بالدولار كخطوة أولى صوب تحقيق الاتحاد النقدي، المقرر أن يدخل حيز الوجود عام 2010، وفي التاريخ نفسه بدأ سريان الاتحاد الجمركي في إنحاء مجلس التعاون الخليجي، وبصورة فعلية كانت عملات مجلس التعاون الخليجي مرتبطة بالدولار الأميركي، حيث وفر تلقائياً الارتباط السائد بالدولار وغياب أي قيود ملموسة على الحساب الجاري والحساب الرأسمالي سياسة نقدية متسقة من البداية، أو على الأقل حدد قيوداً ضيقة مشتركة على مجال التدخلات النقدية، وعلى سياستي سعر الفائدة والاحتياطي، مشيرة إلى أنه بالرغم من أن الأولويات المالية العامة وسياساتها قد أظهرت اختلافات اكبر فيما بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، فقد ظلت الأولوية العريضة للمالية العامة تحويل الثروة النفطية إلى الشعب من خلال الموازنة «باستخدام استثمارات عامة وأجور ورواتب ودعم وتحويلات» والتي عكست هذه السياسات التذبذبات في الدخل المعتمد إلى حد كبير على النفط.
وذكرت الدراسة أنه بالإضافة إلى خلق إطار العمل المؤسسي المطلوب، توجد خطوة حيوية لتشكيل اتحاد عملة ألا وهي اختيار نظام سعر صرف ملائم، مشيرة إلى أنه نظراً لأن تجارة النفط الدولية مقوّمة بالدولار إلى حد كبير، فقد أفاد الربط بالدولار بلدان مجلس التعاون الخليجي فائدة كبيرة، وأثبت استقراره في مواجهة التقلبات الكبيرة في أسعار النفط، وتخلص على الأقل من مخاطر سعر الصرف وأدى إلى استقرار التذبذبات في الثروة المالية المقوّمة أيضاً بالدولار إلى حد كبير.
كما أشارت الدراسة انه بالرغم من أن النفط يشكل الجزء الأكبر من صادرات مجلس التعاون الخليجي وأن النصيب الإجمالي للصادرات غير النفطية صغير، فقد ظل الاستقرار الخارجي ومصداقية الوضع النقدي أكبر مصدري قلق، مقارنة بالقدرة التنافسية، في توافق الآراء السائدة في بلدان مجلس التعاون الخليجي بالاستمرار في الربط بالدولار. وترى الدراسة أن سياسة الصرف قد تصبح أكثر مرونة ومصوبة بهدف ضمان القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية مع تنوع اقتصادات مجلس التعاون الخليجي عبر الوقت، مشيرة إلى أن بعض بلدان مجلس التعاون «البحرين وعُمان» تواجه مشكلة استنفاد احتياطياتهما النفطية في المستقبل القريب، ولذلك فهي بحاجة إلى انتهاك سياسات لتطوير نمو القطاع غير النفطي، كما أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي لا تواجه احتمال استنفاد احتياطياتها النفطية في المستقبل القريب تؤكد وجود حاجة متزايدة لتوسيع القطاع غير النفطي لديها وزيادة نصيب الصادرات غير النفطية.
وتعكس هذه الحاجة الضغوط السكانية (الديموغرافية) المشتركة فيما بين جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي، ألا وهي زيادة نسبة السكان الصغار السن، والقوة العاملة السريعة النمو.
وأوضحت الدراسة أن الجزء الأكبر من المواطنيين لبلدان مجلس التعاون الخليجي يعملون في القطاع العام، حيث تصل هذه النسبة في بعض البلدان إلى 95% من القوة العاملة، ولذلك سيظل خلق فرص عمل التي تدر دخلاً جيدا لعدد كبير من الذين يدخلون لأول مرة في سوق العمل تحدياً كبيراً من قبل جميع دول مجلس التعاون في السنوات المقبلة، ويستدعي هذا الأمر سياسات للترويج للتنوع الاقتصادي من خلال زيادة نمو القطاع غير النفطي.
وذكرت الدراسة أن هناك اتجاها متزايدا لدى دول مجلس التعاون الخليجي بالاندماج في الأسواق الدولية، حيث تدور الآن مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، كما أن مجلس التعاون الخليجي يشكل جزءا من المنطقة العربية الكبرى للتجارة الحرة، وتزيد هذه التطورات التأكيد على ضرورة صون القدرة التنافسية الدولية في القطاع غير النفطي.
وفي هذا الصدد، ذكرت الدراسة أنه يمكن النظر إلى الربط السائد إلى الدولار في بعض الحالات، على أنه يقوّض القدرة التنافسية الدولية لا سيما القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية، مشيرة إلى أنه في العقد المقبل قد يتطلب توليد نمو قائم على الصادرات في القطاع غير النفطي نظام سعر صرف أكثر مرونة من الربط السائد إلى الدولار بغية ضمان القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية في الأسواق الدولية.
وأوضحت الدراسة أنه بالإضافة إلى القدرة التنافسية، هناك مصدر قلق رئيسي آخر في عملية اتخاذ قرار بشأن نظام سعر صرف ملائم ألا وهو ضمان الاستقرار الخارجي. فقد يكون للربط بالدولار آثار سلبية على استقرار صادرات وواردات بلدان مجلس التعاون الخليجي مقابل التقلبات في أسعار الصرف التقاطعية بين عملات بلدان مجلس التعاون الخليجي والعملات الرئيسية الأخرى غير الدولار، ولذلك قد يكون هناك بعض الصواب في الربط بسلة من العملات مثل حقوق السحب الخاصة عوضاً عن الربط بعملة واحدة على سبيل المثال.
وأشارت الدراسة أن من شأن ربط كل عملة من عملات مجلس التعاون الخليجي على حدة بوحدات السحب الخاصة عوضاً عن الربط بالدولار أن يحسن الاستقرار الخارجي، وتتكون وحدات السحب الخاصة من خمس عملات رئيسة، وهي أكثر استقراراً بكثير من مكوناتها. ولذلك فهناك حاجة أكثر جاذبية ألا وهي أن الربط الاسمي بوحدات السحب الخاصة قد يؤدي إلى سعر صرف أكثر استقرارا، ومن ثم قد يتحسن استقرار التجارة الخارجية، ومع ذلك فقد أوضحت الدراسة أنه على الأقل في حالة بلدان مجلس التعاون الخليجي، فإن الاستقرار الخارجي لن يتحسن بالضرورة نتيجة للربط بوحدات السحب الخاصة.
وأوضحت الدراسة أنه بينما يُحسِّن الربط بوحدات السحب الخاصة استقرار أسعار الصرف بين عملات مجلس التعاون الخليجي وعملات وحدات السحب الخاصة غير الدولار الأميركي، فهو يزيد من تذبذب أسعار الصرف بين عملات مجلس التعاون الخليجي والدولار، مشيرة إلى أن تفضيل ربط على الآخر يعتمد بصورة حيوية على مرونة الصادرات والواردات من وإلى الولايات المتحدة، ومن وإلى البلدان الأخرى التي تكوّن عملاتها وحدات السحب الخاصة، ومن وإلى سائر أنحاء العالم. وأشارت أن في معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي وبالنسبة لمعظم مكونات التجارة الدولية (الواردات والصادرات النفطية وغير النفطية والميزان التجاري) تفوق مكاسب الاستقرار الناجمة عن الاستمرار في الربط بالدولار مكاسب الاستقرار الناجمة عن التحول إلى الربط بوحدات السحب الخاصة. وتعكس هذه النتيجة، إلى حد كبير، أن معظم صادرات النفط وجزءاً كبيراً من الواردات والأصول والخصوم المالية الخارجية لبلدان مجلس التعاون الخليجي يتم تقويمها بالدولار. ونتيجة لذلك لا يوجد ما يدعو إلى التحول إلى الربط إلى وحدات السحب الخاصة.
وأوضحت الدراسة أن هناك اعتبارات سياسة عامة أخرى في اختيار عملة الربط بالإضافة إلى القدرة التنافسية والاستقرار الخارجي، مشيرة أنه في بلدان مجلس التعاون الخليجي تتضمن تلك الاعتبارات مصداقية موقف سياسة سعر الصرف والنقد وتأثيرات تذبذب سعر الصرف على الأسواق المالية، والثروة المالية، وتكلفة التعاملات، مؤكدة أنه ما لم يتم تحقيق مكاسب ملموسة من التحول من الربط بالدولار إلى وحدات السحب الخاصة، فقد تسيطر هذه الاعتبارات وتؤيد قرار مواصلة الربط بالدولار. وتتساءل الدراسة هل من الممكن التعامل بصورة ملائمة مع تلك الاعتبارات عن طريق ربط أبسط من الربط بوحدات السحب الخاصة وتحقيق مكاسب استقرار اكبر في الوقت نفسه؟
وأشارت الدراسة إلى أن بزوغ اتحاد عملة قوية في أوروبا أصبح يتحرك بسرعة لكي يصبح الاتحاد اقتصادياً وسياسياً كامل الأهلية، مؤكدة أن اليورو يستحق أن يكون وحدة عملة الاتحاد الأوروبي، وأن يكون أيضا عملة دولية نظراً لكل من استقراره وحجم وعمق الأسواق التي يؤدي فيها دوره. وأضافت أنه على نحو متزايد، قد ينافس اليورو الدولار الأميركي في تحقيق مهام الاحتياطي الدولي وعملة التدخل، وقد يستحوذ على نصيب كبير من معاملات التجارة الدولية وتراكم الأصول بوصفه وحدة محاسبية ووسيلة دفع على حد سواء. ومع بزوغ اليورو، فإن ربط العملة المشتركة لبلدان مجلس التعاون الخليجي المزمع إصدارها في المستقبل بسلة تتكون من اليورو والدولار الأميركي يبدو أبسط بكثير في إدارته من الربط بوحدات السحب الخاصة. ومن المحتمل أن تصبح هاتان العملتان عملتي التعامل في جزء كبير من التجارة الدولية والمعاملات المالية غير التجارية.
وذكرت الدراسة أنه قد يكون اختيار نظام سعر صرف للاتحاد النقدي لمجلس التعاون الخليجي المزمع إقامته اكثر مكوّنات السياسة التجارية أهمية، مشيرة أنه في إطار سياسة الاستقرار فان الربط السائد بالدولار الأميركي افضل من الربط بسلة من الدولار واليورو، حيث أن أداء الربط بالدولار سيكون على نفس درجة أداء الربط بسلة من الدولار واليورو.
ويعتبر هذا الاستنتاج عن انه بالنسبة إلى المكونات الرئيسية لمجمل الحساب التجاري لبلدان مجلس التعاون الخليجي، فان تقديرات الصندوق لمرونة سعر الصرف الفعلي الحقيقي لها دلالة إحصائية، ولكن تقديرات سعر الصرف الفعلي الحقيقي ليس لها دلالة إحصائية. وهذا يعني أن المصدر الرئيسي لعدم استقرار الحساب التجاري في فترة التقدير كان سعر الصرف مقابل الدولار. وإذا كان الربط بالدولار يقلل بالفعل عدم الاستقرار هذا، فلا توجد مكاسب كبيرة يمكن تحقيقها بانتهاج ربط بسلة من الدولار واليورو.
وأضافت الدراسة أن المحافظة على الربط بعملة واحدة هي الدولار الأميركي يبقي عامة الشعب وواضعي السياسة على حال علم جيد، ويكون التعامل مع اعتبارات سياسة عامة أخرى في اختيار الربط الملائم بالإضافة إلى الاستقرار. وقالت أنه في أثناء فترة التقدير، لم تكن صادرات مجلس التعاون الخليجي متنوعة وكان نصيب الصادرات غير النفطية صغيراً بالنسبة إلى الإجمالي. ولذلك، فقد يكون الدولار حتى الآن قد حقق الهدف الرئيسي المتمثل في الاستقرار الخارجي من دون تضحية كبيرة من جانب قدرة الصادرات غير النفطية على التنافس. وتؤيد نتائج الدراسة في إطار معيار الاستقرار توافق الآراء السائدة باستمرار الربط بالدولار في الوقت الحالي.
لكن الدراسة أشارت إلى ضرورة ملاحظة أن توافق آراء بلدان مجلس التعاون الخليجي الحالي يتعارض مع الميل المؤخر إلى الانتقال من ربط ثابت لأسعار الصرف إلى أنظمة معلومة، التي تلاحظ في بلدان عديدة (ربما فيها بلدان مصدرة للنفط مثل إيران وفنزويلا ونيجيريا) إلا أن هذه البلدان لديها إقتصادات اكثر تنوعاً وبها قطاعات وصادرات غير نفطية كبيرة.
وفي الوقت الملائم، ومع نمو وتنوع اقتصادات بلدان مجلس التعاون الخليجي وزيادة أنصبة الصادرات غير النفطية والأصول غير الدولارية، قد يصبح من المستصوب للاتحاد النقدي لبلدان مجلس التعاون الخليجي تطبيق نظام سعر صرف اكثر مرونة من الربط بعملة واحدة بغية ضمان قدر اكبر من استقرار الأصول الخارجية والقدرة التنافسية للصادرات غير النفطية. وقد يكون الربط بسلة تتضمن الدولار واليورو -ولكن لا تقتصر عليهما- استراتيجية انتقالية حذرة صوب سياسة سعر صرف اكثر مرونة حسبما تتطلب سرعة ودرجة التنوع داخل منطقة مجلس التعاون الخليجي. وقد تخدم سلة من العملات بها وزن ترجيحي كبير للدولار غرضين، يتمثل الأول في مواصلة الحفاظ على علاقة ترابط قوية بين عملة مجلس التعاون الخليجي والدولار الأميركي إلى الحد الذي تظل فيه التجارة الدولية للنفط مقومة بالدولار ويمكن الاحتفاظ بالثروة المالية بالدولار، في حين يتمثل الغرض الثاني في تحقيق درجة من مرونة سعر الصرف قد تكون مرغوبة للحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية.
- آخر تحديث :






التعليقات