جورج جحا:لعل افضل مثل على النظر الى الشعر بتقدير وتهيب عميقين ان تكتب شعرا وتصفه بانه كلام يشبه الشعر معلنا خوفك من ان يضربك المتنبي وشعراء كبار اخرون ان وصفت كتابتك بانها شعر. واذا كان الكتاب يقرا من عنوانه كما يقال فعنوانكتاب محمد خالد القطمة الاخير "كلام يشبه الشعرا" يحمل نقيضه على كتفيه.. فهو هنا شطر بيت شعري يدعي انه شيء اخر.
ولا يكتفي العنوان بان يشي بكثير مما جاء في الكتاب بل انه يحمل القارىء الى ما قد يصح وصفه بانه المنطق الذي تظهر فيه النتيجة بطلان المقدمة. وربما تذكر القارىء بعض ما درسه في المنطق والمثل الشهير وهو "قال سقراط.. جميع الاثينيين كذابون. سقراط اثيني. اذن سقراط كاذب." والنتيجة هي ان الاثينيين وفقا لهذا المنطق ليسوا كذابين. انطلاقا من هنا فان ما جاء به خالد هو شعر يشبه الشعر.
خالد الساخر وصاحب النكتة دائما كاتبا ومحدثا يكتب مقدمة حملت عنوانا هو "اعتراف صريح" ويقول "يصيبني شيء من الخوف حين يشير صديق او كاتب الي واصفا هذه الاوراق بالشعر. عندما يقال هذا شعر يضربني على العين دون استئذان ابو الطيب المتنبي وابو تمام... ونزار قباني وادونيس ومحمد الماغوط ..." واخرون واخريات.
ويضيف "لو كان هناك مقياس للشعر كما للزلازل لسقط كثيرون وانا منهم تحت الارض... وبصدق لولا انني عملت في الصحافة ولولا انني املك ثمن الورق الذي تحملون لما وجدت طريقا الى الاهتمام بي. هناك مواهب شعرية عالية لم يسمع بها احد وهناك من اصحاب الحظوظ من وجد دربه الى النشر لالف سبب منها القدرة على سداد الثمن."
الكتاب الذي نشرته (دار صادر) البيروتية وجاء في 237 صفحة كبيرة القطع وحمل على دفته الثانية رسالة من الشاعر الكبير الراحل نزار قباني بخط يده اشتمل على اعمال خالد الشعرية وهي مجموعة جديدة بعنوان "كلام يشبه الشعرا" ومجموعتان سابقتان هما "نهر الاحزان" و "بين الوردة والسكين" كما ضم بعض ما كتب عن المجوعتين السابقتين.
المجموعة الجديدة التي اعطت اسمها للكتاب احتوت على ما لا يقل عن 28 قصيدة تتسم بحزن يلف كثيرا من نتاج خالد الضاحك في الحياة اليومية والذي يصفه اصدقاؤه بانه قادر على اثارة الضحك حتى في الماتم.
ولد خالد في مدينة حماه السورية وتخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وعمل في الصحافة في لبنان وسوريا والكويت من سنة 1955 الى سنة 1990 منها نحو ثلاثين سنة في الكويت حيث اسس عددا من الصحف والمجلات ابرزها الوطن والانباء وله بالاضافة الى الشعر كتب هي "الاسبوع ستة ايام" و "قصة الدولة الدرزية ( وثيقة سياسية) موثقة عن مخططات اسرائيل لتقسيم سوريا ولبنان. وله ايضا "ويبقى الاسبوع ستة ايام" كما يصدر له قريبا "هارب من الاعراب" كتابات ساخرة." وهو الان المدير العام لدار سعاد الصباح للنشر في الكويت.
قصائد المجموعة الجديدة تتبع انماطا تعبيرية مختلفة تراوح بين العمودي والمتعدد القوافي والاوزان وذاك الذي ينتمي الى قصيدة النثر. يسري في مجمل قصائده حزن هادىء كانه يرى عبره دائما نهايات وافولا وذكريات وعوالم عزيزة تمر مثل سحب مهاجرة تمطر ولا تتوقف. في قصيدة "استغاثة" نجد ما يشبه صراخا اصابته وحشة العالم ببحة بدت تواما للصمت. يقول
"ايها الصديق في الارض البعيدة
بحثت عنك في زوايا الذاكرة فما وجدت لك ذكرى
سألت عنك المسافر فلم يعرفك. ركبت اليك الهواء فلم المس راسك
اين انت
اين الاصدقاء القدامى
اين يا غربة."
في قصيدة "المراة" يقول الشاعر
"في اخر الليل ركبت مرساتي وغرقت
حسبت اني عدت لتوي من سحابة
ثم عرفت انني كنت ابتلع المراة واشكو الظما/
غريبة هي دنياك وانت الغريب
اذن فلتذهب المراة الى الجوف وتخرج انت من الامنيات من جحر الامنيات القديمة الى مقبرة الامنيات الجديدة/ طازجة هذه السمكة لولا انها تسحبك الى القعر. اخلع جلدك واتبعني
عندي لك مفاجاة الموت الاخيرة ..
انت حر."
وفي قصيدة "ليل اليوم السادس" نقرا معه
"اعطني يديك ايها الغريب
دعني اقرا اسمك بين الاظافر المقتلعة
وتحت مسام الجلد الموشى بصدا السلاسل
اعطني كفيك ايها الغريب
لامسح عنهما اطراف السياط
اعطني وجهك ايها الغريب
اقذف فوقه جراحي القديمة
واحفر بين عينيك صلاتي وحبي لك
تعال الي ايها المتعب/
ففي تعبي بعض راحتك
وفي شقائي شيء من عزائك."
في قصيدة "رسالة الى ابي" حزن وحنين والتقاء البدايات والنهايات من خلال لعبة الحياة المستمرة. يقول "حلمت بالامس ان الموت ياخذني/ اليك شوقا وحبا ليس يحتمل/ وان وجهي على العتبات منكفىء/ وفي الضلوع حنايا كلها وجل/ اليك تشتاق يا ابتاه مئذنة/ باسم الاله تناجي ربها الرسل."
وفي ما يشبه العودة الى الطبيعة طلبا للعزاء في حالة تشبه التصوف والاندماج في وحدة الحياة نجده في قصيدة "النخلة" الرمز الكبير في الحياة العربية يقول
"صباح الخير سيدتي
صباح الخير يا قيثارة العرب
ويا من حين تذبحنا نصال الخوف والتعب
نجيء اليك في خفر
فتمسح كفك البيضاء جرح العين والهدب."



التعليقات