ستيفان مالارميه
(1842-1898) Stéphane Mallarmé

إن كانت قصائده النثرية الأولى تكشف عن تأثيرات بودلير وبرتران، إلا أن مالارميه يُعتبر صاحب ثورة شعرية خاصة به لا تقل عن ثورة بودلير الثانية المتمثلة في قصائده النثرية. وثورته هذه تتلخص في سعيه داخل اللغة إلى نسف ثنائية نظم/نثر. ففي نظر مالارميه "ليس هناك نثر وإنما هناك الأبجدية ثم أبيات متراصة إلى حد ما: مسهبة إلى حد ما، فأنّى يوجد جهد في الأسلوب، يوجد نظم." وفي الحقيقة أن كل ما كتبه مالارميه، حتى رسائله تكاد تكون أشبه بقصائد نثر: فأسلوبه يخضع لصرامة نحوية وتركيبية تنقيه من الكلام العادي. يقال أن مالارميه أنِفَ، وهو في العشرين، من أن يرى الشعر يُدرَّس في الثانويات ويباع بطبعات رخيصة. إذ في نظره "إن الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدساً يتجلل بالسر."
كتب مالارميه ما يقارب أربع عشرة قصيدة نثر وفي فترات متقطعة. لكنها تشكل العمود الفقري في محاولته تشذيب قصيدة النثر من رومانتيكية "أنا" الشاعر الذي من الآن فصاعداً سيتلاشى خلف الكلمات. والكلمات، في مشروع مالارميه، هي القضية الأولى. ذلك إذا كان مقصود نيتشه، في طرح سؤاله على الفلسفة، "من هو المتكلم"، ليس في التوصل إلى معرفة الخير والشر في الجوهر، وإنما اكتشاف المعنى، أو بالاحرى المتكلم، يجيب مالارميه بأن المتكلم هو الكلمة، في وحدتها، في تذبذبها الهش، وحتى في عدمها ذاته – لا معنى الكلمة، بل كيانها اللغزي العابر" (انظر "الكلمات والأشياء" لميشيل فوكو). ومن بين سطور هذه الإشكالية الكيانية العميقة يولد تنافرُ إغواء بين القارئ والنص، بين غرضية الشعر الاجتماعية مثلا وعدم قدرة الشعر على تلبية أي مطلب يبحث عنه القارئ؛ بين الكلمة كذات تعمل من أجل نفسها كإيقاع، كفكرة قائمة بذاتها وبين القارئ الساعي وراء مجرد لذة نغمية أو إلى جعل الكلمة مجرد وسيلة لمُـثـلٍ يتصورها. والأروع أنه حتّى المُـثُـل التي تتناولها بعض قصائده النثرية تكشف عن استحالة التعبير. ولا مفر، إذن، من هذا الانشطار في اللغة بين نظم ونثر، الواقع ومدوناته.
لكنْ، لعلّ مخرجاً واحداً، تجلّى له في آخر حياته: "رمية نرد"، قصيدة البياض هذه التي "ربما يخرج منها شكل، معاصر، يسمح، لما كان لوقت طويل، قصيدة نثر... وأن يفضي، ربطنا الكلمات بشكل أفضل، إلى ما يمكن اعتباره قصيدة نقدية". فالشعر، مادام منهله صوامت اللغة، حنينُ المتعدد، حنين خال من كل الأشواق المائعة، إلى وحدته: اللغة.
في الحقيقة، إنّ حياة مالارميه المسكونة بالأشياء الذاوية هي حياة الجملة الشعرية المسكونة بالعدم، ببياض الصفحة، ونضال هذه الجملة في التحرر من ظلال النظم ومن أحاسيس النثر العادية: الجملة الباحثة، في قبو التركيب وسلالمه المعقدة، عن نص تتحاشى فيه السرد. وقصائد مالارميه النثرية التي اعتبرَها ذات مرة "لاشيء"، تبقى الفترة الأكثر صموداً من فترات هذه الجملة المعاشة في محاولة امحاء الشاعر في لغته الخاصة، إلى درجة أنه يرفض الحضور فيها الا بصفته منفذا في مراسم الكتاب البحتة، حيث ينبثق الخطاب من ذاته" (فوكو). في لغة كل شاعر أصيل، ظل من مالارميه!

الظاهرة مستقبلاً

سماءٌ شاحبةٌ، فوق عالم من الهَرَم يتوارى، قد تمضي مع الغيوم: خِرقٌ من أرجوان المَغيبات البالي تنحلُّ في نهر راكد عند أفق تكتسحه الأشعّة والمياه. الأشجار تضجرُ، وتحت أوراقها المبْيَضّة (لا بغبار الطرق بل بغبار الزمن)، ترتفعُ خيمةُ عارض الأشياء الفائتة: فوانيس عدة تنتظر حلولَ الغسق فتنعش وجوهَ حشدٍ من رجال تُعساء، غلبتهم الأمراض الأبدية وخطايا القرون، بالقرب من ضالعات معهم سقيمات حَبَالى بثمار بائسة ستفنى معها الأرض. في الصمت الجَزوع، صمت كلّ العيون المتضرّعة هناك إلى الشمس التي تغور، تحت الماء، يائسةَ الصرخة، كلامٌ يملك القلوبَ، ها هو نصّه: "ليس من لافتة تُتحفكم بالعرض الداخلي، لأنّه لا يوجد الآنَ رسّامٌ قادرٌ على منحه ظلاّ كئيباً. أتيتُ بها حيّة (صانها العلم الأسمى عبر السنين) امرأة من سالف الزمان. جنونٌ ما، في حالته الأولى، نقيّ السريرة، انتشاء ذهبيّ، شيءٌ لا أعرفُ ما هو سَمّته شَعرَها، ينثني مع رشاقة النسيج مدارَ وجهٍ ينوّره عُري شفتيها المضرّج بالدم. لها جسدٌ مكانَ الثياب العديمة الجدوى. والعينان الشبيهتان بحجر نادر، لا تضاهيان هذه النّظرة الناتئ بها لحمها الهنيء: من نهديها البازغين وكأنّهما مفعمان باللَّبن الأبدي، والحَلَمتان نحو السماء، إلى فخذيها الناعمين المحتفظين بملح أوّل البحار". متذكّرين زوجاتهم المسكينات، الصُّلْعاوات، المعتلاّت والمرَوّعات، أقبل الأزواج متزاحمين: هنّ أيضاً، بدافع الفضول، كئيبات، يردن أن يَرَين.
عندما يكون الجميع قد تأمّل المخلوقَ الماجِدَ، بقيّة باقيّة من عصرٍ ما لعين أصلاً، فإنّ بعضَهم غيرُ مُكترثٍ، لأنّهم لن يقدروا على الفهم، أمّا الآخرون، وهم ساهمو الوجوه، أجفانهم مخضّلة بالدموع الذاعنة، فسينظر بعضهم إلى البعض الآخر؛ في حين أنّ شعراء هذه الأيّام، شاعرين أنّ عيونَهم المنطفئة تُضاء ثانيةً، سيتوجّهون إلى مصباحهم، مُخدّري العقل هُنَيْهةً بمجدٍ مبهم، مسكونين بالإيقاع ناسين أنّهم في عصر يدوم أطول من الجمال.

شكوى خريفيّة

مذ أن فارقتني ماريّا ذاهبةً إلى كوكبٍ آخر – أيّهما، يد الجوزاء، الطائر، أم أنت يا فينوس الخضراء؟ - دمتُ أهوى العزلة. كم من أيّام طوال قضيتها وحيداً مع قطّتي. وبـ"وحيد" أعني بمعزل عن أيّ كائن مادي، فقطّتي رفيق سرّيٌّ، روحٌ، لذلك بوسعي القول إنّني قضيت أيّاماً طويلة وحيداً مع قطّتي، ووحيداً مع أحد كتّاب "الانحلال اللاتيني" الأواخر؛ إذ أحببتُ، منذ أن لم تعد المخلوقةُ البيضاءُ موجودةً، بصورة غريبة ومُستَغرَبة، كلّ ما تختصره هذه الكلمة: سقوط. وهكذا فأنّ موسمي السنوي المفضّل، هو آخر أيّام الصيف المتراخية، التي تسبق الخريف مباشرة، أمّا في النهار، فإنّ الساعة التي أتنزّه فيها، هي عندما تهجع الشمس قبل أن تغيب، مصحوبة بأشعّة من نحاسٍ أصفر على الحيطان الرماديّة، ومن نحاسٍ أحمرَ على زجاج النّوافذ. كذلك، فإنّ الأدب الذي تنشد روحي منه لذّةً، سيكون الشِعرَ المُحْتضرَ لآخر لحظات روما، ما دام أنّه لا ينمُّ بأيّة حال عن دُنُوِّ البرابرة المجدّد الشباب، ولا يتعتع قطّ اللاتينيّة الصبيانيّة للنثر المسيحي الأوّل.
كنت أقرأ إذنْ واحدةً من هذه القصائد الأثيرة (التي تجذبني أطلاؤها التجميليّة أكثر من تورّد الصبا) ويدي تغور في فراء الحيوان الطاهر، عندما راح أحدُ الأراغن الجوّالة يشدو أسفل نافذتي بكل تراخ والتياع. كان العزفُ يجري في الشارع العريض المشجّر بالحَوْر التي تبدو لي أوراقُها، حتّى إبّان الربيع، كئيبةً منذ أنْ مرّت ماريّا من هناك، للمرّة الأخيرة، مع شموع طويلة. إنّها لفعلاً آلةُ أشجان: فالبيانو يتوهّج، والكمان ينير النياطَ الممزّقة، لكنّ الأرغن الجوّال، عند غسق الذاكرة، يجعلني أحلم مُتَيَئِّساً. الآنَ وقد هَبَّ يدندن بكل بهجة نغمةً شائعةً تبعث الحبورَ في قلب الضواحي، نغمة مألوفة، لا تجاري العصر: تُرى، من أين تأتّى للازمتها أن تؤثّر في نفسي، فتجعلني أبكي مثل أرجوزة رومانسيّة؟ لقد استأنيت في تذوّقها، فلم أُلق من نافذتي بدرهمٍ خشية أن أكلّف نفسي فأدركَ أنّ الآلة لم تغن وحدها.

قشعريرة الشتاء

ساعةُ "ساكس" الدقّاقةُ هذه، التي تؤخّر وتدقّ وسط أزهارها وآلهتها الثالثةَ عشرة، لِمَنْ يا ترى كانت تعود؟ فلتُراعي، إنّها جاءت من "ساكس" مع ربات الماضي البطيئة.

(ظلالٌ فريدةٌ تتدلّى من الزجاج البالي)

ومرآتكِ البُنْدقيّةُ النموذج، عميقة مثل سبيل ماء بارد مأطور بضفّة أفاعٍ زال تذهيبُها، تُرى مَن تمرّى فيها؟ أواه، إنّي لموقنٌ أنّ أكثرَ من امرأةٍ حَمّمتْ في هذا الماء خطيئةَ جمالها؛ إذ لو أطلتُ التحديق فيها لكنتُ رأيتُ طيفاً عارياً.

- يا لك من سافل، غالباً ما تردّد أقوالاً بذيئة.

(أرى أنسجةَ عناكب في أعلى الشاهقة.)

خِزانتُنا أيضاً عتيقة جداً: تأمّلي خشبَها الكئيبَ كيف تضفي هذه النارُ عليه حمرةً؛ الستائرُ الباهتةُ نالتها رثاثةٌ كذلك، وقماش الأرائك المتحلّلة الدهان، والصور القديمة على الحائط وسائر أشيائنا القديمة؟ ألا يبدو لكِ أنّ، حتّى طيور البنغال والطائر الأزرق، قد بهتت ألوانها على مرّ الأيّام؟

(لا تفكّري في أنسجةِ العناكبَ التي ترتعد في أعلى النوافذ الشاهقة).

إنّكِ تحبّين كلَّ هذا، وذاك هو السببُ الذي مكّنني من العيش قربكِ. ألم ترغبي، أيّتها الأخت التي لها نظرة الأمس البعيد، بأنّه كان يجب أن تظهرَ، في إحدى قصائدي، هذه الكلمات "رونق الأشياء الذاويّة"؟ الحوائجُ الجديدةُ تُنفّرُكِ؛ فهي تخيفكِ، أنت أيضاً، بوقاحتها الصارخة، مما ستشعرين بالحاجة إلى استهلاكها، وهذا صعب جداً على الذين لا يستطيعون الاضطلاعَ.
تعالي، اغلقي تقويمكِ الألماني القديم، الذي تقرأينه باهتمام، رغم أنّ مائة سنة مرّت على صدوره ولقد مات جميعُ ما يبشّر به من ملوك، و، ممدّداً على السّجّاد الأثري، مستنداً إلى ركبتيك الكريمتين في ثوبك الحائل اللون، يا أيّتها الطفلة الساكنة، سأحدّثك طوال ساعاتٍ؛ فلم تعد ثمة حقولٌ والشوارع خوالٍ، سأحدّثك عن أثاثنا... أنت شاردة الفكر؟

(في أعلى النوافذ الشاهقة تُقَفقفُ أنسجةُ العناكب هذه).

وَسواس المُماثلَة *

أمِنْ كلماتٍ غير معلومة غنّت على شفتيك، أوصالٌ منبوذة لجملة عبثيّة؟ خرجتُ من شقّتي بإحساس حقيقي وكأنني جَناحٌ مسترسلٌ وخفيفٌ، منسرحاً فوق أوتار آلة، يحلُّ محلّه صوتٌ ناطقٌ لكلمات بنبرة هبوطيّة: الماقَبْلُ الأخيرة على نحوٍ

الماقَبْلُ الأخيرة

ينهي البيت و

ماتت

ينفصل عن

التوقّف المحتوم أكثر عبثاً في فراغ المعنى. خطوتُ بضع خطوات في الشارع فميّزت في رنّة "ما" وترَ الآلة الموسيقيّة المشتدّ الذي كان منسيّاً والذي كانت الذاكرة الجليلة قد مسّته فعلاً بجَناحها أو بسعفه و، إصبعي على حيلة اللُّغز، ابتسمتُ ومتمنّياً أماني فكريّة طفقتُ أتلمّس تأمّلاً مختلفاً. عادت الجملة، تقديريّاً ومتخلّصةً من سقوطٍ سابقٍ لريشةٍ أو غُصْنٍ، مسموعةً من الآنَ فصاعداً عَبرَ الصوت، إلى أن باتت في نهاية المطاف بمفصلها وحدها، لتحيا من شخصيتها هي. أخذتُ (غيرَ مقتنعٍ بإحساسٍ) أقرأها في نهاية بيت شعريّ و، مرّةً، كمحاولةٍ، أوفّق بينها وكلامي، لا ألبثُ أنطقها بعد ماقَبْل الأخيرة بصمتٍ أجدُ فيه لذّةً مضنيّةً: الماقَبْلُ الأخيرة ووترُ الآلة، من كثرة امتداده في النسيان على رنّة ما، قد انكسر بلا شك، فأضفتُ بأسلوب ابتهاليّ: ماتت. لم أكف عن العودة إلى أفكارٍ مفضّلة، متعللاً، حتّى أهدئ نفسي، بأنّ ما قبلَ الأخيرة لهي، يقيناً، مصطلح معجميّ يدلّ على المقطع قبل الأخير للألفاظ، ويمكن تفسير ظهورها كبقيّة جهدٍ لغويّ لم تُنكَر كلّياً، جُهدٍ تنتحب خلَلَه يوميّاً حاستي الشعريّة النبيلة لتوقّفها: الرنينُ عينه ومظهر البهتان الذي تتحمّله سرعة الإثبات السَّهْل، كانا سببَ همّ شديد. ضائقاً بالأمر ذَرْعاً، صمّمتُ مُتمْتِماً بنبرة قادرة على العزاء: ماتت الماقبل الأخيرة، إنّها ماتت، فعلاً ماتت الماقبل الأخيرة اليائسة، ظاناً بذلك إرضاء القَلَق، وليس دون الأمل السرّي بدفنها في تضخّم الترتيل، عندما شعرت، يا لَلرعب – جرّاء سحر متوتر وسهل الاستنباط – أنّ لديّ، ويداي يعكسهما بابُ المحل المزجّجُ تؤدّيان حركات مُداعَبة تهبطان فوق شيء ما، الصوتَ ذاتَه (الأوّل، الذي كان الوحيدَ قطعاً).
لكنّ اللحظة التي يحلُّ فيها تدخّلُ ما فوق الطبيعة الذي لا يُعترَض عليه، وبدايةُ انقباضِ نفْسٍ يحتضرُ تحته فكري الذي كان سيّداً منذ حين، هي عندما، رافعاً عيني، رأيتُ، في شارع تجّار التحف والعاديّات الذي سلكته بحكم الغريزة، أنّني كنت أمامَ محل عوّادٍ يبيع آلات موسيقية عتيقة معلّقة على الحائط، و، على الأرض، سَعَفٌ أصفرُ وأجنحة منزوية في الظل، لطيور غابرة. لذتُ بالفرار، كمثل شخصٍ غريبٍ ربّما حُكم عليه أن يلبس ثوبَ الحِداد من أجل ما قبل الأخيرة التي لا يمكن تعليلها.

* فضلت أن أترجم Le démon بوَسواس عوضاً عن "شيطان." لأن المعنى المراد هنا هو الهوس الذي يسيطر على الذهن حدّ الشعور كأن شيطاناً يحرك الأمر. وأعتقد أن "وسواس" يؤدي معنى الشيطان وفي الوقت ذاته الهواجس الذهنية.

تنبيه: جل قصائد النثر الفرنسية المنشورة هنا وفي ملف قصيدة النثر،مأخوذة من كتابي "الأفعى بلا رأس ولاذيل" (دار النهار 2001)