جان أرتور رامبو (1854-1891) Jean-Arthur Rimbaud
سبع قصائد نثر

ترجمة سركون بولص وعبدالقادر الجنابي


في العدد المزدوج (6/7) من "فراديس" والمخصص، لأول مرة في تاريخ اللغة العربية، لقصيدة النثر الأوروبية، نموذجا وتنظيرا، كتبتُ في مقدمة الصفحات المخصصة لرامبو مايلي: "ترك رامبو، قبل اختفائه – انتهائه من فعل الكتابة، مخطوطة قصائد نثر لدى فيرلين تحمل العنوان الانكليزي التالي: Painted plates ويقول فيرلين أن المعنى الذي أراده رامبو هو Coloured plates اشارة إلى الكتب السنيّة أي المنورة الجوانب التي كانت تصنع في بريطانيا. ويضيف فيرلين ان الكلمة البريطانية لهذا النوع من الفن هو Illumination وقد نطقها نطقا انجليزيا: Illuminascheun. وقد نفى عدد من الأنجليز، آنذاك، على أن يكون لهذه الكلمة معنى كهذا الذي يقصده فيرلين – رامبو بالانحليزية. مهما كان الأمر، إن غلطة فيرلين هذه، منحت شعر رامبو معان أخرى، ومع هذا فإن الأوروبي لا يستخلص من كلمة Illuminations ، كما هو الأمر في كلمة "اشراقات"، دلالة صوفية اسلامية... إذن، ليس حبا باختراع كلمات جديدة ، ومعارضة سوء الفهم المعمم لمجرد المعارضة، وإنما تبديدا لسوء الفهم هذا، وجدنا كلمة: "استنارات" أقرب إلى المعنى الرامبوي الحقيقي، ناهيك عن أن فعل illuminé الفرنسي يعني إنارة، وكلمة illuminisme تعني مذهب النورانية. والقارئ الفرنسي على وعي كامل بهذه الفروق. وحتى يصدر كتابنا "استنارات رامبو" الذي سيحتوي على دراسة لفكر رامبو البعيد كل البعد عن الشرق العربي، والقريب كل القرب من الفكر اليوناني. هنا ست قصائد قام بترجمتها سركون بولص عن الانجليزية، ودققتُ كلمةً كلمةً على الأصل الفرنسي".
والتدقيق تضمن تحديد المعنى المراد في النص الفرنسي، تفحص ضربة رامبو الأسلوبية التي ضاعت في الصياغة الأنجليزية، والعثور على مفردات دقيقة مدروسة بحيث تُلغى نهائيا فكرة الكلمات المترادفة. أوه لو ثمة ناقد يقوم بمقارنة هذه الترجمة مع كل ما موجود من تراجم انجليزية لها، لأكد صدق ما أقول! كان، فعلا، في نيتنا، سركون وأنا، أن نقوم بترجمة قصائد نثر أخرى لرامبو وإصدارها بكتاب، عبر هذه اللعبة الشعرية: هو يضع مسودة أولى من الأنجليزية ثم أقارنها على النص الأصلي الفرنسي، وعندها يبدأ الشغل الحاسم: الترجمة الحقيقية.... لكن يا لها من مشقة تلك التي عانيناها، أحيانا ساعات لفك شفرة جملة واحدة، بل جلسات نقاش معمقة مع فرنسيين، من أجل بعث هذه الجمل في مقابل عربي محمل بكل ما تحتويه من معان وحرارة الشاعر وبنائه المشدود بمرجعيته الثقافية... بحيث عانى سركون، مرات عديدة،ضرورة إعادة صياغة العبارات واستبدال التساطر الإيقاعي للجمل في النسخة العربية. ناهيك أن كل قصيدة تطلبت شروحا جعلتني أبحث في الكتب والمراجع والمعاجم المتعلقة بشعر رامبو لكي أعدّ هوامش إيضاحية لكل قصيدة. هنا مقدمة عن دور رامبو في اثراء قصيدة النثر مع ترجمة لسبع قصائد، ست منها نشرت في فراديس من ترجمة سركون بولص بالاشتراك معي، والسابعة "ملكية" من ترجمتي أنا سبق أن نشرت في "القدس العربي" عام 1994

مساهمة رامبو هدية أبدية إلى شعراء المستقبل

"كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط! أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاها... أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس (1). لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاهُ، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها!... الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ..." هكذا شخص رامبو المشروع الشعري الحقيقي، وذلك في "نثر حول مستقبل الشعر" الذي كتبه على شكل رسالة (انظر ترجمتها الكاملة، قام بها محمد شعيرات، في "فراديس" عدد 6/7، نوفمبر 1993) وهو في السابعة عشر من عمره. لقد كتب رامبو، في فترة لا تتجاوز الخمس سنوات، أكثر الأعمال الشعرية التي تغذت منها أجيال وأجيال، ثم تخلى عن كل شيء. وقد كتب رينيه شار تحية إلى رامبو جاء فيها: "... حسناً فعلت بذهابك، يا رامبو! سنواتك الثماني عشرة الخارجة على الصداقة، على سوء النيّة، على بلاهة شعراء باريس مثلما على دندنة النحلة العقيمة لعائلتك الشبه مخبولة، حسنا فعلت بتشتيتهم في رياح عرض البحر، برميهم تحت شفرة مقصلتهم المبكرة. كنت على حق في هجران شوارع الكسالى، مقاهي القرائح السيّالة، مفضلا جحيم البهائم، مخالطة المخادعين وتحيات البسطاء... حسنا فعلت يا رامبو! فنحن قلة تؤمن من دون أي حاجة إلى برهان بالسعادة الممكنة معك."

يمكن القول أن رامبو هو الممهد الأول لقصيدة النثر السوريالية. فهو أول من أنتبه إلى أن الحداثة الشعرية التي تجلت في قصائد نثر بودلير، تحتاج إلى لغة جديدة متحررة كلياً ليس من "المتطلبات المنطقية ومن القيود النحوية والعروضية" فحسب بل كذلك من "التراكيب والصياغات التي تهبنا إياها جاهزةً عاداتُنا النحوية". قصائد رامبو النثرية خصوصاً في "إشراقات"("استنارات" كما أفضلأو "تناوير" كما اقترح سركون)تعلّمنا بأن قوة قصيدة النثر لا تتراءى من خلال كلمة أو صورة ولا من خلال معنى عام، وإنما هي تكمن في "عدم الترابط التناغمي" هذا (على حد عبارة بول فاليري)، في نظام مستتر يربط بين جمل خاطفة. وها هنا يكمن اللغز الخلاق لقصيدة النثر. "إشراقات" رامبو تقدم لنا، كما كتبت سوزان برنار، "توليف المبدأين الرئيسيين (الهدام والبنّاء أو – إذا شئتم - الفوضوي والفني) لقصيدة النثر: لقد وجد رامبو نقطة التوازن بين نثر جد مائع وجد "نثري" عند بودلير، وتناظرات جد شكلية ومصطنعة عند برتران، واعطى قصيدة النثر - المكثفة والسريعة – علامة نبلها الشعري."
مع رامبو، قصيدة النثر أخذت وجهةً لم يُسبق إليها، فقد شحنها بصور لم تطف بوهم شاعر سابق، جاعلاً منها شظايا متطايرة من حُمم المجهول فوق الصفحات، مجازاً مرسلا من سماء لغة جديدة لن تعود فيها القصيدة إيقاعَ حدث، وإنما ستستبقه.

1- غريب أن يترجم أدونيس ، دون أي احساس بخطورة الكلمات، في كتابه "الصوفية والسوريالية"عبارة رامبو: dérèglement de tous les sens ب"تعطيل فعل الحواس"، ويفهم من هذا موت الحواس وتوقفها عن كل وظيفة، بينما المعنى الواضح والبسيط لكل من يعرف اللغة الفرنسية هو "اختلال مدروس للحواس او انحراف متعمد لمهماتها.بحيث يمكّن الشاعر كل حاسةمن الابتعاد عن مهمتمها المعتادة لتقوم بمهمة منحرفة:مثلا حاسة الشم، تعمل وكأنها حاسة السمع، والسمع وكأنها حاسة الللمس ... والخ وهكذا تصبح حواس الشاعر منحرفة السلوك، وليست "معطّلة" كما يتمنى أدونيس.

7 قصائد نثر خارقة

بعد الطوفان
حالما همدتْ فكرةُ الطوفان،
وقف أرنبٌ وسط البرسيم والأزهار ذات التويجات الجرسية المتأرجحة، وصلّى لقوس القُزَح من خلال شبكة العنكبوت.
يا لَلأحجار الكريمة التي كانت تتخفّى، - والأزهار التي رنتْ لتوّها.
في الشارع الرئيسي القذر، أقيمت الأكشاك وأُجريت القوارب إلى البحر ذي التدرجات العالية كما في الرواشم القديمة.
عند "اللحية الزرقاء" جرى الدّم – عبرَ المسالخ، في السيركات، حيث امتقعتِ النوافذ بخَتْم الله (1) جرى الدم والحليب.
القنادسُ بَنَتْ. دخانُ "المازغرانيين" تصاعدَ في المقاهي (2)
في البيت الزجاجي الكبير الذي ما زال يرشحُ، نظر، إلى الصور الساحرة، أطفالٌ في حَداد.
اصطفق بابٌ ما؛ وفي ساحة الدسكرة، طوّح الصبيّ الصغير بذراعيه؛ دوّارات الريح والديوك على الأبراج في كل مكان، تحت وابل ساطعٍ من بَرَد المطر، فَهَمتْهُ.
مدام X نصبت بيانو في جبال الألب. على مذابح الكاتدرائية المائة ألف، احتُفِلَ بالقدّاس وتناولات القربان الأولى.
القوافلُ أقلعتْ. وشُيّد "أوتيل سبلنديد" في فوضى الجليد وليل القطب.
طويلاً بعد ذلك سمع القمرُ بنات آوى تتشاكى عبر صحارى الصعتر، وأناشيد الرعي (3) في قباقيبها تُهَمْدِرُ في البستان. ثمَّ، في الدوحة البنفسجية، المتبرعمة، أخبرتني يوخاريس (4) بحلول الربيع.
انبجسي، أيتها البِرْكة – أزبدي، انحدري على الجسر وانسكبي فوق الغابات؛ أيتها الملاءات السود والأراغن، البروق والرعد، شُبّي وتدحرجي؛ ارتفعي أيتها المياه والأحزان وأطلقي الطوفانات من جديد.
فمنذُ انحسارها – يا للأحجار الكريمة التي دُفنت والأزهار المتفتّحة! – أيُّ مَلالٍ – والملكة، الساحرةُ التي تُشعلُ جمرَها في آنيّة الفخّار، لن تقبل أبداً أن تحكي لنا ما تعرفهُ، ذاك الذي ندريه.

هوامش "بعد الطوفان":
1 – "ختم الله" هو القوس قزح الذي هو رمز العهد بيننا وبين الله باعادة الحياة من جديد بعد الطوفان. رامبو الذي قرأ جيدا العهد القديم حد أنه كتب في بداياته نثرا انجيليا، يلمح هنا إلى نص من سفر التكوين: "وقال ألله: هذه علامةُ العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم وبين كل ذي نفْس حيّة معكم مدى الأجيال للأبد: "تلك قوسي جعلتها في الغمام فتكون علامة عهدي بيني وبين الأرض.
2 – "مازغران" تعني القهوة الخفيفة التي تقدم في قدح كبير وليس في فنجان كما هو معروف، وهذا هو عين الاختلاف، إذ يضاف ماء كثير. يعود أصل الكلمة إلى قرية مازغران في الجزائر. ومقطع رامبو: "دخان المازاغرانيين تصاعدَ في المقاهي" رمز عودة الحياة من جديد.
3 – Eclogue شعر رعوي، جنس أدبي يتقرى أحداث الحياة الريفية، كتلك التي كتبها فيرجيل. هنا تلميح يستعيد ذكرى الأزمنة البدائية لما بعد الطوفان مباشرة.
4 – Eucharis حورية الجمال كفينوس، التي تغنى بها الشعراء، وهي أيضا إحدى شخصيات رواية فينيلون الرعوية "مغامرات تيليماك" التي تعتبر من أفضل الأعمال النثرية التعليمية في القرن السابع عشر. وأيضاً تعني الأزهار على شكل نجمة بيضاء ولها رائحة طيبة تشير إلى الربيع. وربما يسقط رامبو كل هذه المعاني في يوخاريس ربة الجمال ربة الجمال التي تخبره عبر تشخصنها كأزهار لها عطر رائع، بحلول الربيع.


صوفيّة


على مَيْلةِ المنحدر ترفلُ الملائكةُ في أرديتها من الصوف بين مراعي الفولاذ والزمّرد.
مروجٌ من لهيب تثبُ إلى قمّة الرابية. إلى اليسار، رُغام السّنَمة الذي داس عليه كلُّ السّفّاكين وكلُّ المعارك، تترسّمُ منحناها كلّ جَلَبةٍ محمّلة بالنكبات. خلف السَنَمة التي على اليمين، خطُّ المشارقِ، التقدُّم(1).
و، بينما يتكّون الشريطُ في أعلى الصورة من الوشيش اللولبيّ والمتوثب لمحار البحار البشريّة والليالي، تتحدّرُ الحلاوةُ الزَهريّةُ للنجوم وللسماء وللبقيّة، إزاء المنحدر، تلقاء وجوهنا، مثل سلّة – وتحيل الهاويةَ، في الأسفل، فاغمةً (2) وزرقاء.

هوامش "صوفيّة"
1 – تجنبا للخلط والتشويش اللذين تتركهما كلمة التقدم في حالة الجمع: التقدمات، كما يراد في القصيدة، أرتأينا وضعها بالمفرد.
2 – Flrurant تعني مُزهرة، لكن رامبو يريد منها عطر الزهور.


إلى عقلٍ

نقرةٌ من إصبعك على الطبل لتنطلق الأصوات كلّها ويبدأ الوئام الجديد.
خطوة من خطاك، وينهض الرجال الجدَدُ ليباشروا المسيرة.
رأسك يحيد: الحبُّ الجديد! رأسك يلتفت، - الحب الجديد!
"غيّر نصيبنا، انخل البلايا بادئا بالزمان"(1) يرتّل لك هؤلاء الأطفال. "انصب جوهر قسمتنا ونذورنا أينما كان". يتضرعون إليك.
أبديّ الوصول، ستمضي إلى كل مكان.

هوامش "إلى عقل":
1- يريد رامبو من "غيّر نصيبنا، انخل البلايا" أن يتغير مصيرنا، وأن لا تقع علينا عبر المنخل، البلايا الكبيرة، بل الصغيرة منها فقط.


بربريّ

بعدَ الأيّام، الفُصولِ، الكائناتِ، والأقطارِ بوقتٍ طويل، رايةٌ من اللحم الدامي على حرير البحارِ والورود القطبيّة (إنّها غير موجودة).
بارئاً من عَجيج البطولات العتيق – الذي ما زال يهاجمُ القلبَ والرأس – بمنأى عن السفّاحين العتاق.
أَوه! رايةٌ من اللحم الدامي على حرير البحار والورود القطبيّة؛ (إنّها غير موجودة).
يا للّذائذ!
مجامرُ تمطرُ زخّاتِ صقيعٍ أبيض – يا للّذائذ! - تلك الحرائق في مطر الرّيح الماسيّة يقذفها قلبُ الأرض المتفحّم من أجلنا إلى الأبد – أيّها العالم!
(بعيداً عن التقهقرات القديمة والشُعَل القديمة التي يسمعها، التي يُحسّها الواحد)
مجامرُ وزَبد. موسيقى، تطوّحاتُ المهاوي واصطدام ذؤابات الثلج تلقاءَ النجوم.
يا للّذائذ، يا عالم، يا موسيقى! وهنا، الأشكال، العَرَق، العيون والشعر الطويل، تطفو. ودموع بيضاء تغلي – يا للّذائذ!- والصوت الأنثويّ النازل إلى قاع البراكين والمغاور القطبيّة.
الراية...


ضَحْوةُ السُكْر

أيا خيري! يا جمالاً هو لي! الأجواق الشنيعة حيث لا تنالني عَثْرة! مِخلَعةُ التعذيب الخلاّبة! (1) ليحيَ العملُ الذي لا يصدّق والجسدُ العجيب، للمرّة الأولى! لقد بدأ بضحك الأطفال، وبه سينتهي. سيبقى هذا السُّمّ في كلّ عروقنا، حتّى إذا عيدَ بنا، باستدارةٍ من موكب الأجواق، إلى اللاتناسق القديم. آه! دعونا الآن، ونحن الأجدر بكلّ هذه العذابات! نجمّع بكل ما فينا من حُميّا هذا الوعد الفائق للبشريّ المنجَز لأجسادنا وأرواحنا المخلوقة: هذا الوعد، هذا الجنون! الأناقةُ، المعرفةُ، العنفُ! لقد وُعدنا بأن تُدفنَ شجرةُ الخير والشرّ في الظلام، بأن تُنفى مراسيمُ الشرف الباغية ليتسنّى لنا أن نأتي بحبّنا النقيّ جدّاً. بدأ هذا بمقدار معيّن من القرف وينتهي – لعجزنا عن القبض على الأبدية فوراً – ينتهي بتبدّد العطور.
ضَحِكُ الأطفال، احترازُ العبيد، تقشّفُ العذارى، رعبُ وجوهِ هذا المكان وأشيائه، مباركةٌ أنت بذكرى هذه السهرة. بدأت بكل فظاظة، وهاهي ذي تنتهي بملائكة اللَهب والجليد.
يا سهرة سكْرٍ صغيرة، قُدّسْتِ! حتّى إذا كان من أجل القناع الذي وهبتِنا أيّاه. نشهد لك، أيّتها الطريقة! لن ننسى أنّكِ بالأمسِ مجدّتِ أعمارَنا كلَّها. نحن نؤمنُ بالسُمّ. نعرفُ كيفَ نعطي حياتنا كاملةً كلَّ يوم.
هذا هو زمانُ الحشّاشين.(2)

هوامش "ضحوة السكر"
1 - Chevalet التي تعني اليوم الحامل الخشبي الذي يوضع عليه اللوح الذي يرسم عليه الرسام. لكنها كانت تعني أيام رامبو: آلة تعذيب. مما اضطر المسؤولون عن الطبعة الشعبية لكتاب رامبو في غاليمار وضع إشارة لإفهام القارئ المعاصر خصوصاً الطلبة، بأنها في هذه القصيدة تعني "آلة تعذيب" وليس "الحامل الخشبي."
2 – إن كلمة assassin تعني في قصيدة "بربري" السفّاح، وما يريده رامبو عندما يقول في نفس القصيدة: "بمنأى عن السفّاحين العتاق" هو بمنأى عن العنف البربري. أما في قصيدة "ضحوة السكر"، فإن هذه الكلمة تبدأ بحرف كبير Assassin الحشاشين. إذن، ثمة تحذير يريدنا رامبو أن نأخذه في نظر الاعتبار: من الواضح ان قصيدة "ضحوة السكر" تستبق نيتشه بدعواها إلى الفكر الديونيزوسي حيث الإنسان يعدل الله، فهي تكاد تكون وصفا لليلة خمر باخوسية حيث الألم يتذاوت واللذة. ذلك أن في حفل العربدة والمجون الذي كانت تقيمه عذارى باخوس تتم افتراسات انتشائية والتهامية بغية الصيرورة إنسانا أعلى. ورامبو في كل شعره يسعى للعود إلى الحياة الأولى، حياة ماوراء الخير والشر، حياة وثنية تلغي فكرة التوحيد. إذن، بقدر ما تمثل "ضحوة السكر" ليلة باخوسية، فهي أيضاً نداء معارضة يدعو إلى الدفاع عن الحشاشين الذين اشتقت منهم بالفرنسية كلمة "قتلة". وخير دليل على هذا هو السطر التالي: " نحن نؤمنُ بالسُمّ. نعرفُ كيفَ نعطي حياتنا كاملةً كلَّ يوم. هذا هو زمانُ الحشّاشين". ولاننس أن بودلير الذي قرأه رامبو قراءة متمعنة حد أنّه لو لم يكن ثمة بودلير لما كان ثمة رامبو كما عرفناه، قد وصف طرق الحشاشين في كتابه "فراديس اصطناعية". فضلا عن أن جميع طبعات أعمال رامبو والدراسات حول شعره أكدت هذا إما بلإشارة لإفهام القارئ العادي او بتعليق مطول بغية التوسع في فهم شعر رامبو.

مَلَكيّة

ذات صباح، في بلدٍ شعبُه جدّ وديع، كان رجلٌ وامرأةٌ رائعان يصرخان في السّاحة العامة: " أيّها الأصدقاء، أتمنى لها أن تُصبحَ ملكةً"! "أريد أن أكون ملكةً"! ضحكت واضطربت. كان يتحدّث مع أصدقائه عن إفشاء ما، عن محنةٍ مرّت. لم يتمالكا نفسيهما فاستند أحدهما إزاء الأخر.
وفعلاً كانا مَلكين طوال صباح بأصله علّقت فيه الجداريات القرمزيّة على البيوت، وطوال الأصيل بينما كانا يشقّان طريقهما صوب بساتين النخيل.

مدنٌ

مدنٌ هي! هو ذا شعبٌ نُصبَت من أجله أليغينات الحلم (1) ولبناناتُهُ هذه! أكواخٌ من كريستال ومن خشب تدرجُ على سكك وبَكْرات لا تُرى. فوهات البراكين القديمة المحاطة بعمالقة ونخيل نحاسي تهدر ميلوديّاً وسط اللهيب. عبر الأقنية المعلّقة فوق أكواخ الجبال، تضجُّ أعياد الحب. صيحاتُ قنص النواقيسِ عبرَ المعابر تعلو. أفواجُ من المنشدين المَردة تهرعُ بأرديةٍ وبيارقَ وهّاجة كأنوار الذرى. ومِن فوق منصّاتٍ وسط المهاوي أكثر من رولان (2) يبوّق بسالتهُ. على المماشي الممتدة فوق الهاوية، وعلى سقوف الحانات، توقُّدُ السماء يزين الصواري بالأعلام. انهيار شعائر التأليه (3) يلتحق بالحقول الأكثر علوّاً حيث تهيم قنطورسات (4) سيرافيّة بين الانهيارات الثلجية. وفوق مستوى غوارب الموج، بحر يُهيجُهُ ميلاد فينوس (5)الأبدي، محمّلاً بأساطيل كوراليّة وغمغمة اللآلىء والمحار النفيس –يكفهرُّ البحر أحياناً بإيماضات قتّالة. على السفوح حصادات أزهار، ضخمة كأسلحتنا وكؤوسنا، يعلو خوارُها. مواكب جنيّات من "الماب" (6) في أثواب صهباء بلون الزعفران والعقيق، تصعدُ من الوهاد. هناك، في الأعلى، ترضع الغزلانُ وأقدامها في الشلال والعوسج، من ثدي ديانا. باخوسيات (7) الضواحي ينتحبن، والقمر يضطرم ويعوي. فينوس تدخل كهوف الحدّادين والنسّاك. أسراب النواقيس البلَدية تتغنى بأفكار الشعوب (8). مِن القصور المشيَدة بالعظام تنبثق موسيقى لم تُعرف من قبل. كلّ الأساطير تتكامل وفي البَلْدات تتسارع الأيائل (9). جنّةُ العواصف تتهاوى. يرقص المتوحشون بلا كلال لعيد الليل. وثمّة ساعة. سرتُ فيها وسط الزحام في شارع ببغداد حيث كانت زُمرٌ تهزج بغبطة العمل الجديد، في نسيم مبهظ، سارحاً من دون أن أقدر على تفادي أشباح الجبال الخرافية، حيث تمَّ التلاقي.
أيّة أذرع طيّبة، أيّةُ ساعة جميلة ستعيدُ إليَّ هذه المنطقة التي تجيء منها نَوْماتي وأوهى حركاتي.

هوامش "مدنٌ":

1-Alleghanys سلسلة جبال في أميركا الشمالية. ارتفاعها ما يقارب الألفي متر، مغطاة بنبات رائع. استعمال رامبو لهذه الكلمة ما هو سوى اندفاع لصالح الصورة الشعرية. لبنانات جمع لبنان. رؤيا رامبو للبنان كأرض كل العجائب _ أرض الأرز – تعيدنا إلى الصورة التي كثيرا ما تذكر في العهد القديم: "تشبعُ أشجار الرب / أرز لبنان الذي غرسه / حيث تعشعش العصافير" (المزامير)... "هَلُمّي معي من لبنان أيتها العروس، هلمي معي من لبنان" (نشيد الإنشاد). و"ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من إبريز وطلعته كلبنان هو مختار كالأرز" (نشيد الإنشاد). ... والخ. فاللائحة ستطول إذا أردنا تقوية هذه الرؤيا عن بلد الحلم في الأزمنة الغابرة.
2-ال Roland أحد محاربي شارلمان، الذي تغنى به شعر العصور الوسطى. وواضح أن رامبو قد قرأ "أغنية رولان" التي تروي هذه الملحمة، وموت البطل بعد أن بوّق. غير أن رامبو هذا القارئ النهم إلى حد أن يكتب أعظم قصيدة عن البحر "القارب السكران" وهو لم ير البحر أبدا وإنما اعتمد على قراءاته لكتب من بينها "عالم المحيط" لفوجييه و"البحر" لميشليه وكتاب فكتور هيغو... أقول أن رامبو كعادته يعيد تركيب كل ما علق من قراءاته في مخيلته (شخصيات أسطورية، صور، ألوان، حوادث الخ) تركيباجديدا محملا بأصالة شعرية وكأن هذا الحدث – الأسطورة كان من صنعه. وهنا تكمن عظمة رامبو التي لا تضاهى والتي تجعل من قراءته فعا خلق.
3-Apothéose هي شعائر التأليه التي تجري عادة عند موت امبراطور أو بطل، أي أن ينال نصيباً من الربوبية فيُبعث في السماء. كما جرى لاينياس بن فينوس عندما قبل جوبيتير بأن يمنحه البركة السماوية، فتمت شعائر تأليهية "بأن يغسلَ الهُ النهر ذو القرنين كل ما في اينياس من فناء حتى لم يبق من البطل سوى أسمى أعضائه. وعكفت أمه بعد ذلك على دهان جسمه بعطر إلهي ثم مسّت شفتيه بمزيج من شهد الألهة "الأمبروزيا" ونبيذها العذب "النكتار"، وهكذا جعلت منه إلها، فرحّب به أهل كوبرينوس (أحد تلال روما) ودعوه رب المكان وشيدوا له معبدا وهياكل" (انظر مسخ الكائنات لأوفيد من ترجمة ثروت عكاشة).
4- Centauresse القنطور أو القنطورات جماعة من الوحوش البرية يظن عادة أن لها رؤوس الإنسان وأجساد الخيل. وكانت تعيش في الغابات وعلى الجبال في أقاليم أبليس وأركاديا وتساليا. ويصفها هوميروس في الإلياذة بأنها حيوانات. تمثل في خيال اليونان الحياة البرية والشهوات البهيمية والحالة البربرية بوجه عام. وقد عرف عنها الشبق والكلف المفرط بالنبيذ. ومن أشهر الأساطير (انظر "نصوص النقد الأدبي" للويس عوض). يؤنث رامبو القناطير ليجعلها أكثر وثنية (قنطورسات)، وفي الوقت نفسه يمنحها لمسة انجيلية بنعتها بالسيرافيم. وهكذا يقرب رامبو بين كلمات متناقضة بغية دفع المخيلة إلى أقصى حدود تخيلاتها. ويقال أن القنطور في علم الفلك كوكبة جنوبية موضعها في ذنب كوكبة الشجاع، فوق المجرة، ولها سبعة وثلاثون كوكبا (انظر كتاب صور الكواكب للرازي الصوفي). أما الساروفيم Seraphins فهم ملائكة ضباط في بلاط الله يتبوأوون المكانة العليا في هرمية الملأ الأعلى. ويأتي ذكرهم في سفر أشعيا: "رأيت السيد جالسا على عرش عال ورفيع، وأذياله تملأ الهيكل. من فوقه سَرافون قائمون، ستة أجنحة لكل واحد، باثنين يستر وجهه، وباثنين يستر رجليه، وباثنين يطير"... "فطار إلي أحد السرافين، وبيده جمرة أخذها بملقط من المذبح، ومسّ بها فمي وقال: "ها أن هذه قد مست شفتيك، فأُزيل أثمُكَ وكُفِّرت خطيئتك".
5- Venus ربة الحب والجمال والخصوبة وهذا هو رمزها في شعر رامبو الذي يتكرر فيه اسمها ما يقارب عشر مرات. يقال أنها ولدت من زبد البحر، فاسمها عند اليونان أفروديت مشتق من "أفروس" بمعنى "زبد" أو "ثبج" (رغوة ماء البحر). والغريب أن رامبو يقلب رمز فينوس المعروف بخروجها من الماء إلى الفضاء، إلى رمز يعبر عن حقيقة ثورية هي كوميونة باريس مما يطالب ربة الجمال هذه أن تزور بيت الحدادين حيث العرق والجهد العضلي وعزلة الزهّاد. وخير برهان على هذا هو أن السطر التالي : " فينوس تدخل كهوف الحدادين والنسّاك. أسراب النواقيس البلدية تتغنى بأفكار الشعوب" يكشف عن أحلام رامبو، بعد أن عاش أحداث كوميونة باريس، بأن أفكار الشعوب عاد لها نواقيس تؤشر إلى انتصارها وتتغنى بها.
6- ال Mabs ملكات الجن في الأساطير الآرثرية.
7-Bachantes عذارى الإله ديونيزوس رب الخمر، واسمه الآخر باللاتيني باخوس، يستولي عليهن جنون من النشوة أو الوجد. وكنّ يتزين بأكاليل اللبلاب أو أوراق البلوط أو الصنوبر ويلبسن جلود الحيوان ويظهرن قوة الإله ديونيزوس بالأغاني والألحان والرقص. وكن يتجولن في الجبال والغابات ويعشن كالحيوانات البرية متجردات من كل تقاليد البشر ومخاوفهم واهتماماتهم.
وكان يقال إن ديونيزوس يعطيهن قوة خارقة يقتلعن بها الأشجار ويصرعن بها الوحوش القوية. وكن يصدن الحيوانات ويأكلن لحمها نيئا اعتقادا منهن بأنهن يأكلن لحم الإله ديونيزوس، وبهذا يحل الإله في أجسادهن وتنتقل إليهن قوته. (انظر كتاب لويس عوض المذكور أعلاه).
8-Beffrois برج ناقوس لكن ما إن يقرع حتى يتسارع سكان المدينة للاجتماع في البلدية. إنه نصب البلدية بامتياز وهو العلامة الخاصة بحرية المدن.
9-Elans تعني أيضاً "سورات" أو حمّيات. وهنا تكمن إعجازية اللغة الرامبوية في استغلال شفافية المعنى لإعطاء امكانيات تفسير متعددة للقصيدة.

كتب المقدمة وجميع الهوامش عبدالقادر الجنابي

رامبو بريشة بيكاسو وصورة له وهو في طريقه إلى هرار حيث التنحي نهائيا عن الكتابةاحتقار الشهرة؛ أحلام الصغار.