بقلم مارغريت س.مورفي

وترجمة خالدة حامد:

حينما نتناول إليوت وحالة الشعر الأنغلو - أمريكي بعد الشعر الرمزي، نكتشف أنه كان يبدي ازدواجية ما إزاء هذا الشكل مع مرور الوقت. وقد أتاحت له دراسته أن يكتشف الرمزية الفرنسية عام 1908. كما تبدى في شعره، شاباً، تأثير لافروك من بين آخرين. ولهذا نقول أن رهاب الفرنسيين لا يمت لإليوت بأية صلة. وعلى الرغم من رد فعله القوي عام 1917على هذا الجنس الأدبي بوصفه فضلة الشعر الرمزي وهُجنة من الأجناس الأدبية، نجد إن إليوت نفسه مارس التجريب بهذا الشكل؛ إذ ألف أربع قصائد نثر تقريباً ونشر إحداها ـ "هستيريا" ـ لتظهر عام 1915 في الأنطلوجيا الكاثوليكية لعزرا باوند، أي قبل سنتين من استهجان إليوت لهذا الجنس في مقال له بعنوان "تخوم النثر" (1). وبعد مرور ثلاث سنوات على مقاله الأول، نشر مقال ثاني عنوانه "النثر والنَظْم" اتخذ فيها موقفاً يتسم بتسامح اكبر إزاء التجارب التي تنتهك التخوم التقليدية للجنس الأدبي، لكنه واصل، مع ذلك، رفضه لمصطلح شعر النثر (2). ولم يؤلف مرة أخرى أية قصيدة بهذا الشكل مطلقاً مع انه ترجم لاحقاً قصيدة نثر سان جون بيرس الطويلة، "اناباز"، إلى الإنكليزية. لاشك في أن إليوت كان متأثراً جداً ببودلير، كما كتب قصائد في الفرنسية في الوقت نفسه تقريباً الذي ألف فيه قصائده المنثورة. ولعلنا نفترض، بسبب ذلك، إن قصيدة النثر أتاحت لإليوت مساراً للتجريب في الوقت الذي كان يتفحص فيه التراث الفرنسي بحثاً عن التجديد.
ومع ان إليوت لم يكتب قصائد نثر تركز على الحياة في المدينة الحديثة تحديداً، على غرار قصيدة بودلير " كآبة باريس " Spleen de Paris، لم يحاول تجريب الصهر الحديث للهلوسة أو الهوس بالمشاهد الملحوظة والمعتادة. كما تُظهر قصائد النثر الإليوتية محاولة لتحديث الشكل لغرض استعماله كأداة لوعي القرن العشرين. لكن جدل إليوت ضد الشكل لا ينفي الإنجاز الذي حققته أعمال فرنسية كبرى مثل "إشراقات رامبو" Rimbaud Illuminations، ويعكس، بدلاً من ذلك، النقد المبكر لإليوت بوصفه ناقداً، والذي يتجلى هنا في رفضه الاعتراف بشكل مغاير؛ الدرس الذي تعمله من بابت. باختصار، قدمت قصيدة النثر لإليوت خياراً خلال مرحلة تجريب أشكال وأساليب شعرية مختلفة. ومع ذلك كان عمر التجربة قصيراً بالنسبة للشاعر الشاب وتحول إليوت، الناقد، نحو التراث.
وبدلا من ان ننظر إلى هجوم إليوت النقدي على قصيدة النثر بوصفه انقلاباً تاماً على موقفه، بإمكاننا ان نبحث في مقاله عن ما حاول إليوت القيام به في قصائده النثرية المبكرة؛ إذ يبدأ في " تخوم النثر "، مثلاً، بالسخرية من حماقات الشعر الرمزي، بما فيها قصيدة النثر. ثم يستمر ملاحظاً " تفشي القصيدة نثراً، لا في فرنسا فحسب، بل في إنكلترا. لا في إنكلترا فحسب بل في أمريكاً ". إليوت لا يبدي رد فعله هنا على تكلف قصيدة النثر نهايات القرن (التاسع عشر)، بل على ما يراه بعثاً لبدعة معاصرة. ثم يواصل ثناءه على " إشراقات ريمبو " بوصفها " قطعاً نثرية قصيرة مُقنِعة على نحو مذهل ". ثم يركز إليوت على الموضوع المعين في هجومه، أي قصائد نثر ريتشارد آلدنغتون التي لا تعد " نثراً محضاً " مثل " إشراقات ريمبو "، بل " تبدو متأرجحة بين وسيلتين ". ولعله، مثل بابت، كان سيتوصل إلى " الفرق الحاد ". ويستنتج ان" كلا من الشعر والنثر ما زالا يخفيان إمكانات غير مكتشفة بعد، وأن كل ما يكتبه المرء سيتخذ هذا الشكل أو ذاك بالتأكيد بحكم الضرورة الداخلية ". لكن في الوقت الذي يجمع فيه إليوت قصيدة النثر بأعمال أخرى لشعراء رمزيين في العمل المخزي الذي قدمه بابت، مثل موسيقى البرنامج وسمفونيتيّ تيوفيل غوتييه وجيمس ماكنيل ويستلر، فإنه يتحاشى نغمة السخرية الأخلاقية التي تجدها عند بابت، ويلاحظ، ببساطة أو بذكاء، أن "الشعر الذي يشبه النثر، والنثر الذي يبدو مثل الشعر ينطويان، بلا شك، على درجة من الخزي والنجاح" (3). ترتكز حجته، عموماً، على التعليق الشكلي أو التقني، لا على التبعات "الأخلاقية" التي تتخطى حدود الجنس الأدبي، مع أن البعد الأخلاقي قد يكون نصاً فرعياً مكبوتاً لتعليقاته (4). وبينما كان شجب خطايا القرن التاسع عشر "القرمزية" يعد "قلقاً أمومياً" عام 1917، كان إليوت يهدف، بسعادة، إلى جعل "الدجل" هدفاً ثميناً للسخرية.
بعد هذا الهجوم الأولي على قصيدة النثر عام 1917، رقق إليوت، مع مرور الأيام، شجبه للجنس الأدبي وركز قدحه عام 1921 في مقالة "النثر والنَظْم" على مصطلح شعر النثر: "اعترض على مصطلح (الشعر المنثور) لأنه يوحي، كما يبدو، بوجود فرق حاد بين (الشعر) و(النثر) لا أقصده البتة. وإن لم يوحِ المصطلح بهذا الفرق، فإنه يصبح بلا معنى عندئذ وعقيماً طالما كان من غير الممكن وجود رابط لما هو غير قابل للتمييز". يظل إليوت منشغلاً بـ"الفرق الحاد"، مثلما كان يفعل بابت، لكنه يرغب بالاعتراف "بمصطلح جديد للجنس الأدبي: "إذا اعترفنا بالقصيدة الطويلة، يتوجب علينا، قطعاً، ان نعترف بـ"قصيدة النثر القصيرة" (5). يتحاشى هذا الاستنتاج السؤال ما إذا كان من الضروري عدّ هذا الجنس "شعرياً" أم لا، ويتهرب من الموضوع بدلاً من ذلك. وبحلول عام 1930، وفي توطئة ترجمته لقصيدة " اناباز "، يضل إليوت حتى عن توكيداته السابقة حينما يضع قصيدة بيرس المنثورة في معسكر " الشعر": "أشير إلى هذه القصيدة بوصفها قصيدة. لعله سيكون ملائماً لو كان الشعر نَظْماً دائماً ـ إما منبّراً أو جناسياً أو كمياً، لكن هذا ليس صحيحاً؛ فقد يقع الشعر ـ ضمن حد فاصل عند الجانبين ـ على أية نقطة على طول الخط الذي يكون (النَظْم ) و(النثر) حدّاه الشكليان. ومن دون تقديم أية نظرية معممة عن (الشعر) و(النَظْم) و (النثر)، فإني أقول بأن الكاتب عندما يعمد إلى استعمال مناهج شعرية معينة، مثلما فعل السيد بيرس، يكون قادراً أحياناً على كتابة الشعر بما يسمى نثراً. وبمقدور كاتب آخر، من خلال قيامه بعكس هذه العملية، أن يكتب نثراً عظيماً بالشعر" (6).
وبالنسبة لشاعر وناقد ملم بالأدب الفرنسي مثل إليوت، تبدو لامبالاته المستمرة بجنس أدبي سريع الانتشار ـ تضمن عام 1930 أعمالاً قدمها ماكس جاكوب، اندريه بريتون، بول ايلوار وغيرهم إلى جانب بيرس ـ أمراً لافتاً.
فهل كان إليوت ـ الناقد " الكلاسيكي " هارفاردي التعليم ـ في صراع مع إليوت الشاعر فرنسيّ الإلهام، ببساطة؟ وهل انهزمت قصيدة النثر في المعركة؟ إن قصيدة النثر الوحيدة المنشورة لإليوت، " هستيريا "، تعطينا بعض الأفكار عن ما سعى له إليوت بشأن الشكل وأسباب ابتعاده السريع عنه. لاحظنا آنفا إعجابه المبكر بإشراقات ريبمو، ولاسيّما للكيفية التي " تحقق بها [هذه القصائد] تأثيرها من خلال الانطباع الفوري والبسيط، أي الاتحاد الأكثر إقناعاً بسبب تنافر الصور الملحوظ " (7). وقصيدة إليوت المنثورة نفسها تستعمل اصطلاحاً حديثاً وتسعى وراء " الانطباع الفوري والبسيط، المؤلّف من صور مدهشة مجفلة، " متنافرة ". لاشك في أن لغة إليوت في " هستيريا " ليست مُربِكة مثل [لغة] إشراقات ريبمو، كما ان صوره ليست متنافرة جداً لكنها تتحاشى، جذلة، النغمة القديمة التي ترددها قصائد نثر داوسون أو وايلد أو، لاحقاً، آلدنغنون:

حينما ضحكتْ أدركتُ أني صرتُ متورطاً في ضحكتها وجزءاً منها، إلى أن صارت أسنانها محض طالعٍ عارض له موهبة المارش العسكري. انجررتُ إلى الداخل إثر شهقات قصيرة، مستنشقاً عند كل استعادة مؤقتة، حتى ضعتُ أخيراً في كهوف بلعومها المعتمة، منجرحاً بتمويجة رخويات عضلية لا تُرى. نادل كبير السن بيدين مرتعشتين كان يفرش على عجل مفرشاً بالأبيض والوردي فوق المائدة الخضراء الحديدية الصدئة، قائلاً: "إنْ يفضل السيد والسيدة أن يشربا شايهما في الحديقة، إنْ يفضل السيد والسيدة أن يشربا شايهما في الحديقة..." قررتُ فيما إذا ارتعاش نهديها يتوقف، عندها يكون من الممكن جمع شيء من شظايا بعد الظهيرة، وقد صببت انتباهي بدقة مرهفة على هذه الغاية (ترجم القصيدة عبدالقادر الجنابي)8.

إن هذا السرد الموجز يخص أزمة لحظة واحدة، زمناً موسّعاً بسبب عواطف متأججة و" مرض " سايكولوجي حديث. المثير أن قصائد النثر الإليوتية الأخرى، التي ظلت مخطوطة، تنطوي على إحساس مماثل بوجود أزمة سايكولوجية. وفيما عدا قصيدته " استبطان " ـ التي هي اليغوريا بالدرجة الأساس ـ فإنها تمثل سروداً داخلية تتوسع للحظات قليلة من الزمن عن طريق تضخيم الأحاسيس والإدراكات الحسية إلى نسب هائلة لتتمخض هلوسة وصدمة عند الراوي (9).
ما الذي يحدث بالضبط في "هستيريا"؟ جملها الأربع تروي كل واحدة منها مرحلة مختلفة في التجربة الهستيرية لبضع لحظات من الزمن. أما الصوت المفرد ـ الراوي المضطرب ـ فهو شخصية سلبية تحاصره ضحكة رفيقته العدوانية، أي العارض الهستيري. ومع ذلك، لا يعرف القارئ ما إذا كانت المرأة نفسها هستيرية حقاً أم لا نظراً لعدم وجود وجهة نظر موضوعية (10). وبدلا من ذلك، تثير ضحكتها "الهستيرية "، كما يبدو، نوبة هستيرية في مُحاوِرها كما لو أن المرض معدٍ. وقد جرى العرف على عدّ الهستيريا مرضاً نسائياً ناتجاً عن اختلاطات في الرحم، ولهذا يقدم إليوت انعطافة لا معتادة وأخّاذة، في الوقت نفسه، لأثر المرض في الرجل. لكن الدينامية بين المرأة والرجل تصور أيضاً انغمار الذات في الآخر؛ إذ يتصور الراوي غمرها له (11): " انجررتُ إلى الداخل إثر شهقات قصيرة، مستنشقاً عند كل استعادة مؤقتة، حتى ضعتُ أخيراً في كهوف بلعومها المعتمة، منجرحاً بتمويجة رخويات عضلية لا تُرى ". غنائية " أنا " لا تعد راوياً غير موثوق، بل راوياً تهدده امرأة يراقبها هو؛ إذ أن هستيريتها الجنسية، " اهتزاز نهديها "، يُشظي التجربة، " ما بعد الظهيرة "، بالنسبة له.
تتأوج الجملة الأولى من القصيدة ـ التي تروي العملية التي من خلالها يضيع الراوي نفسه في ضحكتها ـ في صورة " أسنانها " بوصفها " محض طالع عارض له موهبة المارش العسكري ". إنه يشعر بهجوم " شُهبها" التي تتصرف كما لو إنها جنود تتدرب؛ إنها هي العدو. ثمة تورية على كلمة "أسنان" بوصفها " طالع "، في حين توحي الصورة نفسها بالقَـدَر، إذا علمنا شكل " الطالع ". وذكرت ايلين شولتر في كتابها عن الهستيريا، وعنوانه "المرض الأنثوي: النساء والجنون والثقافة الإنكليزية 1830 ـ 1980"، أن أول تفشٍ واسع النطاق للأعراض الهستيرية بين الرجال حدث خلال الحرب العالمية الأولى، وأشير له على نطاق شائع بتسمية " صدمة القذائف " [وهو اضطراب عصبي أو عقلي يتميز بفقدان الذاكرة أو الكلام أو البصر ويظهر عند بعض الجنود الذين يخوضون غمار حرب حديثاً ]. وقد فسرت شولتر الجذور الاجتماعية والسايكولوجية لهذه الهستيريا الذكورية على النحو الآتي:
لاشك في أن عدداً من أشهر حالات صدمة القذائف ـ ويلفريد اوين، سيغفريد ساسون، ايفور غورني، بيفرلي نيكولز، وهذه مجموعة قليلة من بين كثيرين ـ كانوا شاذين جنسيا. وبالنسبة لمعظمهم فإن الكرب المتأتي عن صدمة القذائف ينطوي على حصارات نفسية اكثر عمومية، بل أشد، تخص الرجولة، ومخاوف التصرف بتخنث، بل حتى رفض الاستمرار بخدعة السلوك الذكوري الرزين. فإن كان جوهر الرجولة هو ان لا تشتكي، كانت صدمة القذائف عندئذ لغة جسد الشكوى الرجولية؛ احتجاجاً ذكورياً متخفياً لا على الحرب فحسب، بل على مفهوم " الرجولة " نفسه (12).
في قصيدة النثر الإليوتية هذه نجد أن الراوي صيرّته هستيرياً بقوة، أي لا ذكورياً، امرأة متسلحة بأسنانها مثل وحش شديد الضراوة؛ إنها مصدر مخاوفه عن الذكورة. إنها صورة لشهوة جنسية عارمة وغامرة؛ صورة لـفَرْج بأسنان موحياً بحرب مفروضة حديثاً. ولم يؤلف إليوت قصيدته بعد فترة طويلة من زواجه من فيفيان هي وود الذي سرعان ما تبدت تعاسته؛ أي الفشل الذي غالباً ما تلام عليه اضطرابات فيفيان العصبية. لن أتبنى هنا مقاربة سايكوبايولوجية (13)، لكني سأركز على حقيقة ان إليوت اختار هذا الشكل الملغز أخلاقياً ـ إذا ما أردنا تصديق بابت ـ لتصوير لحظة القلق الجنسي بلغة تستدعي " تخنيث " الجزء الأعظم من الذكور الإنكليز. كما تُبدي القصيدة، بوضوح، مخاوف التصرف مثل امرأة، ومخاوف عدم الارتقاء إلى التوقعات الرجولية، ومع ذلك يعد المرض احتجاجاً على سلطة المرأة، لا الحرب.
فما تبعات هذه " النوبة "؟ مؤقتاً " تضيع " الذات المتكاملة" [للمرأة] و " تنجرح في داخلها. إنها رحلة إلى " قلب الظلام " حيث يكون بلعوم المرأة. وحينما يحول المتكلم بصره نحو الخارج؛ نحو المشهد ونحو شخصية ثانوية في هذه الدراما ـ النادل ـ يلحظ دراسة في التوتر العصبي حينما يفرش النادل مفرش المائدة بـ " يدين مرتعشتين "، بينما يكرر اقتراحه بأن يشرب " السيد والسيدة " شايهما في الحديقة " (14). ولأن الراوي غير موثوق، لا يعرف القارئ ما إذا كان النادل حقاً يرتعش ويكرر نفسه لغرض الإصرار، أو ما إذا كان ارتجافه مبالغة من الراوي شديد الهياج. وينتج التكرار عن حالة الراوي الذهنية الذي لا تصله الألفاظ إلا كاسطوانة مشروخة، كما لو أنه عالق في لحظة صدمة أبدية، وحيدة، متكررة. ولاشك في أن اقتراح النادل يوحي بأن المشهد محرج اجتماعياً ولهذا يشعر الراوي بالخزي إلى جانب كونه هستيرياً.
الجملة الأخيرة لحظة قرار حقيقية بالنسبة للمتكلم يتصور فيها استعادة ممكنة فقط إن تمكن من التصرف، مركزاً " انتباهه بدقة مرهفة " لإيقاف اهتزاز نهديها. إن هذا التفصيل، شأنه في ذلك شأن الأسنان المهاجمة أو البلعوم الجارج، يعد هزلياً لأن مخاوفه تتضخم إلى نسب مضحكة إلا أن التردد في هذه الجملة الأخيرة يعزز انطباعنا بعجز المتكلم ووقوعه ضحية أمام المرأة. لكن هذا الراوي، مثل الملك الصياد في " الأرض اليباب "، يجمع " الشظايا لهذه الغاية؛ ولهذا يجلب قصيدة النثر إلى خاتمتها.
تعتمد الحكاية بأكملها على المشهد الذي يكون فيه لانتهاك اللياقة الاجتماعية دوراً. ويتضح أن نوبة هستيريا الفعلية تعدّ تجربة غير لائقة أثناء " تناول الخبز المحمص والشاي " ( إذا اقتبسنا من " بروفروك " ). وتبتعد نغمة صوت المتكلم عن الحدث أشبه بنغمة صوت المراقب العلمي أو، بدقة أكبر، المشارك السلبي، أي السايكولوجي الذي يقوم بالتدوين أثناء تحليل الذات:" أدركتُ أني صرتُ متورطاً في ضحكتها وجزءاً منها ". المتكلم يُسهب، هازلاً، مع ذلك فإن تضخيمه للتفصيل وإحساسه بأنه يتعرض لهجوم يُبيان كيف شارف على الانهيار العصبي، وكيف لا يتمالك نفسه إلا عبر قدرته على تدوين التجربة؛ وبذا فهو يضع نفسه وراءها. وبوصفها مبالغة في الإدراكات الحسية المتبادلة في لحظة قصيرة، تبدو قصيدة النثر متحالفة مع تجارب سرد تيار الوعي والنظريات البرغسونية للزمن والإدراك الحسي (15). لكنها بوصفها نثراً تعدّ أقل تجريبية بكثير من قصائد نثر وليام كارلوس ويليامز وغيروترود شتاين. فهي لا تُربِك الخطاب عند مستوى النحو أو التركيب أو الدلالة، بل تكون مُربِكة بالدرجة الأساس عبر التوتر الحاصل بين حالة الراوي الهستيرية ونغمة صوته تحديداً، والإحساس بلحظة موجعة تتعاظم بنسب هائلة.
ان راوي " هستيريا" يسقط قدراً من الرعب الذي يكون غائباً في قصائد معاصرة كتبها إليوت، مثل قصيدته الهزلية " السيد أبوليناكس " التي تتمثل ثيمتها المركزية بضحكة مدوية تمثل، بدلاً من ذلك، تفوقاً فكرياً وشهوانية ذكورية عارمة، وعُته واضح:

السيد أبوليناكس
حينما زار السيد أبوليناكس الولايات المتحدة
رنّت ضحكته بين أواب الشاي.
فكرتُ بفراجيليون* لاتلك الشخصية الخجولة بين أشجار البتولا،
وبـ "برايبوس" [إله الفحولة] بين الشجيرات
يُحدق، بانشداه، بالسيدة التي في الأرجوحة.
في قصر السيدة فلاكيوس، عند البروفيسور تشاننغ ـ تشيتا **
ضَحِكَ مثل جنين لا مسؤول.
ضحكته كانت عميقة لا تُسبّر
أشبه بضحكة " الشيخ والبحر "
خفية تحت جزر المرجان
حيث انجرفتْ أجساد الغرقى القلقة إلى أعماق الصمت الأخضر،
ساقطة من أصابع الأمواج المتكسرة.
بحثتُ عن رأس السيد أبوليناكس متدحرجاً تحت كرسي.
أو مُكشراً فوق حجاب مصباح
وطحالب البحر في شعره.
سمعتُ وقع حوافز القنطور***
فوق المرج القاسي
بينما كان حديثه الجاف والشهواني يلتهم ما بعد الظهيرة.
" إنه رجل ساحر " … " لكن، الأهم، ما قصده؟ "
" أذناه مثقوبتان … إنه غير متزن ولا ريب"
" كان ثمة شيء قاله من أنني ربما تحدّيت ".
عن الأرملة النبيلة السيدة فلاكيوس والبروفيسور والسيدة تشيتا
أتذكر شريحة ليمون وقطعة معكرونة مقضومة. (16)

* اسم يوحي بالمتخنث،
** وفقا لزوجة ايليوت انه استاذ ايليوت في جامعة هارفارد
*** كائن خرافي نصفه رجل ونصفه فرس


ان كلا من "هستيريا" و"السيد أبوليناكس" مؤرختان في عام 1915، وكلتاهما تتضمن صورة لضحكة معتوهة، لكن في "السيد أبوليناكس" تكون النغمة هزلية تماماً وساخرة من الذين لا يضحكون، أي من الذين لا يشعرون بالطُرفة (17). ربما نقول ان "السيد أبوليناكس" و"هستريا" تبرزان منذ البداية؛ فالموضوع المشترك المتمثل بالضحكة المدوية يُوحد كلتيّ القصيدتين، لكنهما تواجهان اتجاهات متعاكسة في النغمة والتأثير والشكل الشعري؛ أي قصيدة النَظْم الهجائية مقابل قصيدة النثر الشجية. ومن المهم ان نلاحظ ان تصوير إليوت الأخير لنوبات الهستيريا كان نوعاً من كراهية النساء عادة، أي استعمال تفاوت الهجاء أو السخرية السوداء، كما في صورة المرأة المصابة بالصرع في قصيدته " Sweeney Erect " (18)، أو وصف الأصوات الهستيرية في "الأرض اليباب".
ربما يكون إليوت قد نبذ قصيدة النثر بسبب قربها من المذكرات والسيرة الذاتية، أي الإحساس بالهتك، مثلما تصف غنائية " أنا " ألمه، وإن كان بهدوء. وربما شعر بعدم الارتياح من طبيعة هذا الجنس الأدبي اللاغنائية، ولا سيما تلك التي تتجلى في النغمة شبه التحليلية التي تتخلل " هستيريا ". إليوت يتحاشى الأسلوب الحالم لقصائد نثر تشابه ما كتبه آلدنغتون؛ أي محاولات إضفاء الغنائية على النثر أو إدخال إيقاعات ملحوظة أو القافية الداخلية أو اللازمة، والتخييل المستعار من القدماء على نحو يبرز الشعرية. وتكمن أعظم قدرة جمالية، وقد يقول البعض سياسية، لقصيدة النثر في لعبها بالنثر بوصفه نثراً؛ تركيبها ومواضعتها الخطابية وعلاقتها الواضحة بعالم الحقيقة. وقد أدرك إليوت أهمية مصادر النثر للنَظْم، مثلما حصل مع باوند. إذ كتب في "النثر والنَظْم" يقول: "النَظْم يناضل دائما، مع أنه يبقى نظماً، كي يدرك الكثير والكثير من ماهية النثر، كي يأخذ من الحياة ويحوله إلى "لعبة" (19).
وعلى الصعيد نفسه، دعا باوند إلى شعر"مكتوب بعناية مثل النثر" مفسراً، في رسالة إلى هارييت مونرو في كانون الثاني 1915: " لغته ينبغي أن تكون راقية لا تبتعد مطلقاً عن الكلام إلا بكثافتها المتصاعدة ( أي بساطتها ). لا ينبغي أن تكون ثمة كلمات من الكتب، لا إطناب، لا تغييرات في الوضع السوي للكلمة، بل أن تكون ببساطة أفضل نثر كتبه موباسان، وبصعوبة أفضل نثر ستاندال " (20). لكن إليوت نفسه لم يحاول تجريب المزيد من قصائد النثر الأصيلة، وناضل، بدلاً من ذلك، من أجل إضفاء المزيد من النثر، والمزيد من "الحياة" على "نَظْمه". لا يستطيع المرء أن يمنع نفسه من التساؤل عما إذا كانت مذكرات إليوت عن تحذيرات البروفيسور بابت الصارمة لطلاب هارفارد غير الخريجين من مخاطر تأنيث الأجناس الأدبية المختلطة قد أثنت الشاعر الشاب عن القيام بالمزيد من التجارب، ولا سيما بخصوص محتجزة في قبضة هواجسه الجنسية " الهستيرية "، أي خوفه من أن تغمره امرأة ما وتجرده من رجولته [ تخنثه ]. وإذا علمنا مكانة إليوت وتأثيره في جيله من الشعراء والنقاد، وفي الأجيال اللاحقة من أساتذة اللغة الإنكليزية، فإني أتساءل أيضاً عما إذا كان افتقاده إلى الاهتمام الدائم بقصيدة النثر، وبقصائد عزرا باوند، قد ساعد على إبقاء الشكل عند هوامش الشعر الحداثي بالإنكليزية، أي بين أيدي خياليين ثانويين في مدرسة آمي لويل الصوريون، ومتمردين على التقاليد] مثل غيرترود شتين و ويليام كارلوز ويليامز؟
وقد كتب إدوارد سعيد عن الثقافة بوصفها " نسق اقصاءات " رداً على ملاحظات ماثيو آرنولد الشهيرة عن الثقافة بوصفها "أشد أعداء الفوضى"، يقول: "حتى كمثال بالنسبة الى ارنولد، فيجب أن تُرى الثقافة بقدر ما لا هي وما تنتصر عليه عندما تكون مكرسة من قبل الدولة، يجب ان تُرى ما هي ايجابيا. وهذا يعني أن الثقافة هي نظام من التمييزات والتقييمات – ربما على الأغلب جماليا، كما قال ليونيل تريلنغ، لكن ليس أقل قوة وطغيانا لطبقة معينة في الدولة قادرة على ان تتذاوت واياها؛ ويعني هذا أيضا أن الثقافة نظام اقصاءات تم تشريعها من فوق لكنها مُسنّة في نظام الحكم، التي بواسطتها تم تحديد أشياء كالفوضى، اللانظام، اللاعقلانية، الأدنى منزلة، الذوق الرديء واللاأخلاق، وودعت خارج الثقافة وأبقتها هناك سلطة الدولة ومؤسساتها." ["العالم، النص، الناقد"، المقدمة، ص11 " ] (21)

وبعد الانتقال الإشكالي لقصيدة النثر من جيل وايلد إلى أجيال الشعراء التي أعقبته، ولا سيما شعراء الحداثة الراقية، يتوقع المرء وصمة الفوضى الثقافية، أي الاضطراب وفوضى الشكل الشعري واللا أخلاق في الفن، التي ألحقتها المحاكم بهذا الشكل تحديداً؛ فالصراع بين ثقافة الصحف، أي ثقافة الطبقة الإنكليزية الوسطى المحترمة لذاتها، والثقافة الجمالية التي حاول وايلد تجسيدها على كل صعيد، تحول إلى صراع داخل مؤسسة الفن أو "الأدب" نفسها. وبالنتيجة، بدا أن قصيدة النثر، بوصفها جنساً " مشوشاً"، قد طُرِدت من الأكاديمية وتم تمييزها عن الشعر بذاته بسبب انتهاكاتها للحدود وتهديدها بالانحلال الأخلاقي والجنسي. وبسبب استهجان هذا الشكل بوصفه "آخر" Other، فقد بقي مهمشاً وتمت إحالته لتجارب الطليعة الهامشية في النصف الثاني من القرن.

الهوامش
(1)Bernard, Le Poéme en prose .
(2) أفكر، أيضاً، بالعمل الأخير الذي قدمه فرانك لينترشيا عن تأنيث الشعر الأمريكي من خلال شخصية المؤلف التافه " شبيه السيدة "، وقدرة المحررين المتكلفين التي واجهها شعراء حداثيون ذكور شباب مثل والاس ستيفن، روبرت فروست، إليوت، عزارا باوند، وشعروا بضرورة التغلب عليها. ينظر:
Lentricchia, "Patriarchy Against Itself -- The Young Manhood of Wallace Stevens," Critical Inquiry 13.4 (Summer 1987): 742-86, and "The Resentments of Robert Frost," American Literature 62.2 ( June 1990): 175-200.
(3) ظهرت خمس قصائد لإليوت في الأنطلوجيا الكاثوليكية لباوند، هي:" أغنية حب الفريد بروفروك " و" صورة للسيدة " و " مخطوط أمسية بوسطن " و" الآنسة هيلين سلنغسبي " ( العمة هيلين ")، و"هستيريا". وتبعاً لما ذكره دونالد غالوب، " لاحظ باوند لاحقاً أن السبب الرئيس لنشرها هو " طبع ست عشرة صفحة من إليوت في لندن ". ينظر:
Gallup, T S. Eliotand Ezra Pound: Collaborators in Letters ( New Haven, Conn.: Wenning, 1970) 6. "The Borderline of Prose" appeared in The New Statesman 9 ( 19 May 1917): 157-59.
(4)Eliot, "Prose and Verse," The Chapbook: A Monthly Miscellany 22 ( April 1921: 3-10, esp. 9.
(5)Eliot, "The Borderline of Prose"158, 159.
(6) عنوان المقال نفسه قد يلمح لنا بمثل هذا النص الفرعي. وتلاحظ ايلين شولتر في كتابها الأخير، " الفوضى الجنسية "، انه في إنكلترا أواخر القرن التاسع عشر " تعرف الأطباء النفسيون على نوع جديد من العصاب الذكوري اسمه " التخوم ". وبعد تأليف قصيدة النثر " هستيريا "عام 1915، انتقد إليوت عام 1917، وبقسوة، هذا الجنس الأدبي بسبب مكانه عند " التخوم ". التطابق مذهل بين مصطلح إليوت الذي يشخص قصيدة النثر وهذا المصطلح السايكولوجي للعصاب الذكوري. ينظر:
Showalter, Sexual Anarchy: Gender and Culture at the Fin de Siécle ( New York:Viking, 1990)10.
(7)Eliot, "Prose and Verse" 9, 5-6.
(8)Eliot, preface to Anabasis, by St. John Perse ( London: Faber, 1930) 8-9.
(9)Eliot, "The Borderline of Prose"158.
(10)Eliot, The Complete Poems and Plays, 1909- 1950 ( New York: Harcourt, 1971.
(11) مخطوط " هستيريا " وغيرها من قصائد النثر غير المنشورة تعد جزءاً من مجموعة بيرغ لمكتبة نيويورك العامة. وقد أوحى لي مقال دونالد غالوب، " مخطوطات ت. س. إليوت " المفقودة "، بوجودها.
(12) يعلق أ. د. مودي على هذا الجانب من القصيدة قائلاً: في " هستيريا " تُعرَض علينا تجربة خام وعاطفة مقلقة من دون الإفادة من المسافة الجمالية. ربما يكون الأمر هو أن السيدة هستيرية؛ فما الذي يثير ضحكها؟ أم أنه هو؟ لكن المتكلم يمنح نفسه، بوضوح؛ انه منهار إلى حالة عصبية بسبب شهوتها الجنسية العارمة. ضائعاً في صراعه من اجل الاستحواذ على الذات ليس إلا، أي على النثر ببساطة، "أنا" وبذا فهو دون مستوى إتقان الوعي الشعري.
ينظر:
A. D. Moody, Thomas Stearns Eliot: Poet ( Cambridge: Cambridge UP, 1979) 39.
ومثلما سأؤكد، فان الراوي يفترض مسافة ساخرة من المشهد نغمته التحليلية المراقبة لذاتها، لكن لا شك في أن " المسافة الجمالية " التي يمنحها النَظْم كانت غائبة، وربما كان الغياب إشكالياً لإليوت.
وقد تنبع فكرة الفرق المفقود بين الذات والآخر، أو بين الذات والموضوع، من دراسة إليوت لفلسفة برادلي؛ فقد كان إليوت يعمل على أطروحته للدكتوراه، " الخبرة وموضوعات المعرفة في فلسفة ف. هـ. برادولي " حينما كان في أوكسفورد. ويلاحظ هيو كينر وجود هذا المفهوم في أطروحة إليوت " الشعور بأن الذات والموضوع واحد"؛ إذ يبين إليوت، بوضوح، في أطروحته لعام 1916، مقتبساً عن وصف برادلي للـ " خبرة الفورية ". ويكتب برادلي: "إن كل ما نعانيه ونفعله ونكونه في أي وقت يشكل كلاً نفسياً واحداً. وسيتم خبر ذلك كله بوصفه كتلة معايشة، ولا يتم تصوره منفصلاً ومتصلاً حتى بعلاقات التعايش. انه يتضمن العلاقات كلها والفروق وكل موضوع مثالي يكون في تلك اللحظة موجوداً في النفس". ينظر:
Hugh Kenner, The Invisible Poet: T S. Eliot ( New York: McDowell, 1959) 49.
(13) للاطلاع على مثل هذه المقاربة، ينظر:
Elaine Showalter, The Female Malady: Women, Madness, and English Culture, 1830- 1980 ( 1985; New York: Penguin, 1987) 171-72.
(14) تُعدّ "آلات"، إحدى قصائد النثر المتروكة بين المخطوطات، مشابهة من حيث إن اقتباسها المباشر يدخل قصيدة النثر بعد الإدراكات الحسية ودور أفعال الراوي الأولية، كما تنتهي بمحاولة فاشلة لإعادة تأليف نمط معين من خبرة ما بعد الكلام المقتبس.
(15) تبعاً لما يذكره ليندال غوردون، حضر إليوت سبع محاضرات ألقاها هنري برغسون في الكوليج دي فرانس عام 1911. وكتب، بعد عودته إلى هارفارد، مقالاً عن فلسفة برغسون يركز فيه على " الفرق بين الصفات المتغايرة التي تخلف بعضها الآخر في إدراكنا الحسي الملموس، أي إدراكاتنا الحسية اللامستمرة، والتناغم الضمني الذي ينبغي للمرء ان يستنبطه ".
(16) هذه القصيدة تصف الفيلسوف برتراند رسل وآذانه الناتئة. انظر: Eliot, Complete Poems and Plays .

(17) تبعاً لما يذكره ليندال غوردون فان "السيد ابوليناكس" هو برتراند رسل خلال مهمته بصفة أستاذ زائر في هارفارد. وتسخر القصيدة من الهيئة التعليمية المغرورة في هارفارد التي عرفها إليوت حينما كان يدرس الفلسفة. المشهد هو حفلة شاي الأستاذ فولر؛ إذ كان رسل مصدر حيرة لمضيفيه وللسيدة فلاكوس المهيبة ". ينظر:
Gordon, Eliot's Early Years19-20.
(18) في قصيدة" Sweeney Erect" يتم خلط الجنس بالصرع لفضح " سيدات الرواق " اللواتي يستنكرن فقدان الذوق، يلاحظن ان الهستيريا / يمكن إساءة فهمها بسهولة.
(19) "Prose and Verse".
(20) he Letters of Ezra Pound, 1907- 1941, ed. D. D. Paige ( London: Faber, 1951).
(21) ward Said, "Introduction: Secular Criticism," The World, the Text, and the Critic (Cambridge, Mass.: Harvard UP, 1983) 11.


[email protected]