ولد ماكس جاكوب في كامبير (مقاطعة بريتانيا) في الثاني عشر من تموز سنة 1876 لعائلة يهودية. وذات ليلةٍ من ليالي 1909، تجلّى له المسيح في غرفته الباريسيّة، طالعاّ فجأة من أيقونة معلّقة على الحائط، مما دفع ماكس جاكوب إلى البحث عن قسٍ ليعمّده، لكن القسّ الذي قابله تلك الليلة سخر منه. فبقي سنوات يعاني تجلّيات روحية من كل طيف غير معترف بها كنسيّاً، إلى أنْ وجد، في أواخر الحرب العالمية الأولى، من يعمّده مسيحيّاً في إحدى كنائس باريس. في الحقيقة، حياة جاكوب مملوءة بهذه القصص تارة مُفبركة وطوراً معاشة حقاً. قصصٌ كادت تغطّي على نتاجه الذي ينمُّ عن عبقرية هائلة وأصيلة.
لعب ماكس جاكوب دوراً مهماً في تعميق البعد الشِّعري للحركة التكعيبيّة. نشر عدداً من الدواوين، مسرحيات وروايات. وفي أوج حملة الاعتقالات داخل الطائفة اليهوديّة، وموت أخيه، وإرسال أخته إلى معسكرات الموت، شَعرَ جاكوب أنّ لا مفرَّ من مواجهة مصيره المأساوي: "سأموت شهيداً". وبالفعل عند خروجه من قدّاس مسيحيّ في الرابع من شباط 1944، ألقى رجال الغوستابو القبضَ عليه بتهمة أنه يهودي متنكّر. فمات في الخامس من آذار 1944 في معتقل درانسي.
حرر ماكس جاكوب في مجموعته "كوب الزّار"، فعلاً قصيدة النثر من كل البقايا الموروثة من الشعر الموزون ومن متاهات الرمزية وأحاسيس الرومانتيكية التي كانت تحدد اتجاه قصيدة النثر في القرن التاسع عشر. فقصائده بقدر ما هي متخلصة كليا من الاستعارات والتنميقات البلاغية، تتألق بطاقتها التفجيرية للهراء اللغوي حيث الجمل تبدو وكأنها خرق. ذلك أن جاكوب كان أول من شحن الشعر، هذا المختبر المركزي لخلق الصدمة المطلوبة في قصيدة النثر، بما كان يعتبره الشعراء آنذاك"ابتذالات" كعناوين الشوارع، اعلانات، كلمات عامية، الكلام اليومي العادي، العبارات الشائعة في الروايات الشعبية، والكليشهات الطفولية، مع تجاور جديد بين الكلمات أو الجمل وكأن القصيدة رقعة يرمى فوقها نردٌ، الصدفةُ قانونه. كما أن الطابع الحلمي لعدد كبير من قصائده النثرية توحي بنقطة تقارب بينها وبين القصائد السوريالية المقبلة، غير أن النصوص السوريالية المسماة بسرديات حلمية تدوّن/ تُحلل الأحلام علّها تكتشف حقيقة ما، بينما وجد ماكس جاكوب في اللغة الحلمية إمكانية جديدة يمكن لقصيدة النثر الاستفادة منها: كتابة أحلام، كجزاف لعبوي شعري لا غاية له.
غالبا ما يشار الى ماكس جاكوب وكأنه شاعر التكعيبية، وذلك لكونه أسس مع أبولينير "جمعية أصدقاء فانتوماس" و"المجلة اللاأخلاقية" التي سيتغير عنوانها منذ العدد الثاني إلى "الآداب الحديثة" وتجمع حولها بيكاسو، ماتيس ورسامون آخرون سيكون لهم، اعتبارا من هنا، دور تاريخي في خلق الحركة "التكعيبية". على أن نقطة الالتقاء بينه وبين هذه الحركة تكمن في أن قصيدة النثر مع تحرير ماكس جاكوب لها من التأثيرات الرمزية ومن كل تلميح إلى مرجعية أدبية أو حياتية شخصية، انتقلت، مع الرسم التكعيبي، من نظام مغلق مهموم بالواقع، إلى نظام مفتوح يُستخدم فيه الواقع كوسيلة وليس كغاية. أي اعتماد بناء جيومتريّ التواصل فيه من حيث الشكل وليس من حيث المعنى.
هنا النص الكامل لمقدمة " كوب الزّار" والمشهورة تحت عنوان "مقدمة 1916". وتعتبر بيانا جريئا في محاولة تخليص قصيدة النثر من من كل المفاهيم المضطربة التي كان نقاد وشعرا أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين يتواجهون بها، كاشفا عن لبنة نظرية جديدة ستصبح سمات قصيدة النثر الداخلية والخارجية: أن تكون مغلقة ومتخلصة مما هو شخصي. ولإعطاء صورة واضحة عن النموذج الجاكوبي التثويري لقصيدة النثر، قمنا بترجمة 15 قصيدة من كتابه الصامد رغم كل تغييرات الأجناس الأدبية ونكرانها: "كوب الزّار".


ماكس جاكوب
مقدّمة 1916

لكلِّ موجودٍ موقعٌ مُحدَّدٌ. ولكلِّ ما هو فوق المادة موقع مُحدَّد. بل المادة نفسها مُحدَّدةُ الموقع. ذلك أنّ موقعَ عملين يُحدَّدُ، بشكل متفاوت، إمّا بفعل حيلهما، أو بسبب عقليّة المؤلفين، فرافائيل فوق "انغرز"، "فينييه" فوق "موسيه"، مدام "إكس"... فوق بنت العمّ، الماس فوق البلّور الصخري. ولعلّ هذا راجع إلى العلاقات بين المعنويّات والأخلاق. كان يُعتقَد في الماضي أنّ الملائكة توحي إلى الفنّانين، وثمة أصناف مختلفة من الملائكة.
قال بوفون: " الأسلوب يدلُّ على صاحبه"، وهذا يعني أنّه يجب على الكاتب أن يكتب بدمِه. التعريف شافٍ، لكنّه يبدو لي غير دقيق. فما يدلُّ على صاحبه هو لغته، حسّيته. إنّنا على حق عندما نقول: "عبّروا بالكلمات التي ترضيكم". وإنّنا مخطئون عندما نعتقد أنّ هذا هو الأسلوب. لماذا ينبغي إعطاء الأسلوب في الأدب تعريفاً آخرَ يختلف عن المتعارف عليه في الفنون المختلفة؟ الأسلوب هو إرادة الكشف عن الدواخل بوسائل مختارة. إنّكم تخلطون عموماً كبوفون بين اللغة والأسلوب، إذ أنّ قليلاً من الناس يحتاج إلى الإرادة، أي إلى الفنّ ذاته، وأنّ الناس بأسرهم في حاجة إلى أنسيّة في التعبير. في الحقب الفنّية الكبرى، تشكّلُ قواعد الفنّ، المُدَّرسة منذ الطفولة، أمثلةً تمنح الأسلوب: الفنّانون هم إذنْ هؤلاء الذين على رغم القواعد المُتبعة منذ الطفولة، يعثرون على تعبير حيّ، التعبير الحيّ هذا هو فتنة الأرستقراطيّة، فتنة القرن السابع عشر. والقرن التاسع عشر يغصّ بكتّاب أدركوا ضرورة الأسلوب، بيد أنّهم لم يجرؤوا على النزول من العرش الذي بنته رغبتُهم في النقاوة. فقد شيّدوا موانعَ على حساب الحياة(1). إنّ المؤلّف الذي يكون حدّد موقع عمله يستطيع أن يستخدم كلَّ المفاتن: اللغة، الإيقاع، المَوْسقة والعقل. إذ ما إن يكون الصوت في المكان المناسب، حتّى يقدر المغنّي على أن يتسلّى بالكَرّة. ولكي أكون واضحاً جدّاً، قارنوا بين ممازحة مونتين مع تلك التي يقوم بها مغنّي بداية القرن أريستيد بروانت أو بين غثاثة جريدة رخيصة، مع خشونة الخطيب بوسويه مُناكباً البروتستانتيين.
هذه ليست نظريّة طموحة، ولا هي بالجديدة: أنّها النظريّة الكلاسيكية التي أستعيدها بكلّ تواضع. فالأسماء التي أذكرها ليست من أجل ضرب "المحدثين" بهراوة "القدماء"، إنّما هي أسماء مسلّم بها، ولو ذكرت آخرين أعرفهم، لرميتم الكتاب، وهذا ما لا أتمنّاه، أودّ أن تقرأه ليس لمدة طويلة، وإنّما غالباً. فالتفهيم تحبيب. ذلك أنّ المرء لا يقدّر إلاّ الأعمال الطويلة، بيد أنّه من التعب أن يستغرق الجميل مدّة طويلة. قد نفضّل قصيدة يابانية من ثلاثة أبيات على "حوّاء" شارل بيغي المكوّنة من ثلاثمائة صفحة، أو إحدى رسائل مدام سيفينيه الصاخبة بالحبور والجرأة والسلاسة، على واحدة من روايات الماضي المصنوعة من قِطع مَحوكة، روايات كانت تزعم بأنّها عملت ما عليها من أجل المبنى، إنْ استجابت لمستلزمات الأطروحة.
هناك الكثير من قصائد النثر كُتبت خلال الثلاثين أو الأربعين سنة، ولا أعرف شاعراً واحداً فهم ما الموضوع، أو ضحّى بطموحاته الأدبيّة في سبيل تأسيس واضح لقصيدة النثر. إنّ روعة العمل لا تكمن في الحجم، بل في موقعه وأسلوبه. وكأنّي أزعم أنّ "كوب الزّار" يمكنه أن يقدّم للقارئ وجهة النظر المزدوجة هذه.
الانفعال الفنّي لا هو بفعل حسّي ولا هو فعلٌ "عواطفي"، فالطبيعة تعطينا إيّاه، من دون هذا. الفنّ موجودٌ، ويلبّي حاجة: الفنُّ ترفيهٌ. وظنّي صحيحٌ: فهي النظرية التي منحتنا شَعباً رائعاً من الأبطال، واستذكاراً فعّالاً للأوساط حيث يُشفى غليلُ الفضول المشروع والطموحات البورجوازيّة سجينة أنفسها. لكن يجب أن نعطي كلمةَ ترفيه معنى أوسع. فالعمل الفنّي هو القوّة التي تجذب وتمتص القوى المتيسّرة في هذا الذي يدنو منه. ثمّة شيءٌ أشبه بالزواج والهاوي سيلعب فيه دور الزّوجة. ويقتضي هذا الإرادة والثبات. تلعب الإرادة، إذنْ، دوراً رئيساً في عملية الخلق. وما يتبقّى ما هو إلاّ طُعم أمام الفخ. على أن الإرادة لا يمكنها أن تعمل إلاّ في اختيار الوسائل، ذلك لأنّ العمل الفنّي ليس سوى مجموع من الوسائل. وهانحن نصل من أجل الفنّ إلى التعريفَ الذي أعطيتُه للأسلوب: الفنّ هو إرادة الكشف عن الباطن بوسائل مختارة. التعريفان يتوافقان والفن ليس إلاّ الأسلوب. الأسلوب هنا باعتباره تحويلَ المواد إلى عمل، وتركيباً للمجموع، وليس بصفته لغة الكاتب. ومفاد ما أقول إنّ الانفعال الفنّي هو نتيجة نشاطٍ في حالة تفكير صوب نشاط منتهي التفكير. أستخدم "في حالة تفكير"، من دون طيبة خاطر. لأنّني مقتنع بأنّ الانفعال الفنّي يكفّ حيث يتدخّلُ التحليل والفكر: فالتأمّل وإحداث انفعال الجمال هما شيء آخرَ. إنّي أضع الفكر مع طُعم الفَخّ.
كلّما عظم نشاط الذات، ازداد معه الانفعال الناجم عن الموضوع. على العمل الفنّي أن يكون بعيداً عن الذات. لهذا السبب يجب أن يكون مُمَوْقَعاً، مُحدَّد الموقع. قد نواجه هنا نظرية بودلير في المفاجأة. النظرية هذه غليظة بعض الشيء. إذ كان بودلير يفهم الترفيه بالمعنى العادي جداً للكلمة. ذلك أنّ الإدهاش شيء بسيط، إذ يجب أن نَزْدرع، أي أن ننقل الشتلَ من مكانه ونزرعه في مكان آخر. المفاجأة تجذب وتعيق الإبداع الحقيقي. إنّها مؤذية ككلّ المفاتن. على المبدع أن لا يكون جذّاباً إلاّ بعد انقضاء الأمر، أي عندما يتم تحديد موقع العمل وأسلوبه.
فلنميّز في عملٍ ما، إذن، الأسلوبَ من الموقع. الأسلوب أو الإرادة يخلق، أي يفصل. أمّا الموقع فإنّه يُبعد، أي يحثُّ على الانفعال الفنّي، إذ ما إن يعطي عملٌ ما إحساساً بالقَفلة، حتّى نتبيّن أنّ له أسلوباً، ونعرف، من خلال الصدمة الصغيرة التي نتلقاها والهامش الذي يؤطّره، في الجو حيث يتحرّك، بأنه مُحدَّدُ الموقع. بعض أعمال فلوبير لها أسلوب ولكن ليس من عمل واحد مُحدَّد الموقع. مسرح "موسيه" مُحدَّد الموقع ويفتقر كثيراً إلى الأسلوب. عمل مالارميه مثال العمل المُحدَّد الموقع. ولو لم يكن مالارميه مُتصنّعاً وغامضاً، لصار كاتباً نموذجياً عظيماً. ليس لرامبو موقعٌ ولا أسلوبٌ، لديه المفاجأة البودليريّة، إنّه انتصار الفوضى الرومانتيكيّة.
لقد وسّع رامبو نطاقَ الحسّية مما جعل كثيرين من الأدباء يدينون له بالاعتراف، إلاّ أنّ مؤلّفي قصيدة النثر لن يستطيعوا أخذه مثالاً. ذلك لأنّ قصيدة النثر حتّى يكون لها وجود، عليها أن تخضع لقوانين، حالها حال كلّ فن. والقوانين هذه هي الأسلوب أو الإرادة والموقع أو الانفعال. رامبو يؤدّي إلى الفوضى والسخط فحسب. كما أنّ على قصيدة النثر أن تتجنّب الامثولات Paraboles البودليريّة والمالارميّة إذا أرادت أن تتميّز عن الأحدوثة Fable. مفهوم أنّي لا أعتبر قصائد نثر دفاترَ الانطباعات الطريفة التي ينشرها من وقت إلى آخر الزملاء الذين لهم نفقات (2). صفحةُ نثر ليست قصيدة نثر، حتّى لو احتوت على لُقيين أو ثلاث. إلاّ أنني أعتبر قصائد نثر تلك المسمّات "لُقى" عندما تُقدَّم مع هامش روحي ضروري. وبصدد هذا، أُحذّر كتّاب قصيدة النثر من الأحجار الكريمة الجدّ برّاقة التي تُبهر العين على حساب المجموع. القصيدة شيءٌ مُشيَّدٌ وليس واجهة جوهري. رامبو هو واجهة الجوهري، وليس الجوهرة. قصيدة النثر جوهرة (3)
قيمة عمل فنّي تكمن في ما هو، لا في المقارنة التي قد نقوم بها مع الواقع. نقول للسينمائي: "هذا هو بالضبط". ونردد أمام موضوع فنّي: "يا له من تناغم، أيّ متانة، أيّ مبنى، يا للنقاوة". تحديدات جول رينار (4) الرائعة تسقط أمام هذه الحقيقة. ذلك لأنّها أعمالٌ واقعيّة، بلا وجود حقيقي، لها أسلوب لكنّها غير مُحدّدة الموقع. فالفتنة ذاتُها التي تعيش عليها تقتلها. أعتقد أنّ جول رينار كتب قصائد نثر أخرى غير هذه التحديدات: للأسف لم أطلّع عليها، ومن المحتمل أن يكون مخترعاً لنمط كهذا الذي أتصوّره. أمّا حالياً، فإنّي أعتبر ألويزيوس برتراند ومارسيل شووب مؤلّف "كتاب مونيل" كلاهما لديه الأسلوب والهامش. وأقصد أنّهما يؤلّفان ويُمَوقعان. ولكن لي مآخذ على رومانتيكية الأوّل المنجزة "على غرار الفنان كالوت" كما يقول، التي بتعليقها أهميّة على ألوان جد عنيفة، تحجب العمل نفسه. لقد أعترف هو، على أيّ حال، أنّه كان يتصور قِطَعه، موادّ عملٍ ما وليس الأعمال المُحدّدة. وآخذ على الثاني أنه كتب حكايات contes وليس قصائد، ويا لها من حكايات! ثمينة، طفوليّة وفنيّة! على أّنه من المحتمل أنّ هذين الكاتبين كانا مخترعي "قصيدة النثر" من دون علمهما.

هوامش

1 – على قصيدة النثر أن تكون حرّة وحيّة، على الرغم من القواعد التي تهذّبها أسلوباً (ملاحظة ماكس جاكوب).
2 – المقصود هنا بيير ريفيردي.
3 – في المقالة التي كتبها عن كتاب ألويزيوس برتراند "غاسبار الليل"، دافع بروتون عن رامبو ضد موقف ماكس جاكوب هذا بالحرف التالي: "إن التمييز الجذاب الذي يُلزمنا به مؤلف "كوب الزار" بين قصيدة رامبو وقصيدته، يبدو لي مرتكزاً على أساس. لكن ليترك لي فرصة إبداء الرأي مع رامبو من أجل التجزئة. إن جحيم الفن، يا عزيزي ماكس، لهو زاخر بمثل نيّاتك (يلمّح هنا بروتون إلى مثل فرنسي هو "الجحيم زاخر بالنيات الطيبة" والمقصود من هذا المثل: لا يُكفي حُسن النيّة إن لم يدعمه العمل). ليست لـ"الاشراقات"، في المقابل، أية علاقة بالنظام العروضي، كما أن أمر التواصل مع "أنا" كل واحد منا الأكثر صميميةً، قد أعطيَ لها، ولها الحق في أن تجعلنا نتذوّق ملذات هذه "المطاردة الروحية" التي ليست، بالنسبة إلينا، مجرد مخطوطة ضائعة".
3 – جول رينار روائي فرنسي (1864-1910). و"تحديدات" إشارة إلى كتابه "التاريخ الطبيعي"؛ حكايات تدور معظمها حول عالم الحيوان وأسلوبها يقترب جداً من قصائد النثر.

15 قصيد نثر


الأدب والشِعر

حدث هذا في ضواحي مدينة لوريان، كانت الشّمسُ مشرقةً، وكنّا نتنزّه، ناظرين في أيّام أيلول تلك، إلى البحر وهو يرتفع، يرتفع فيغطّي الغابات، المناظر، الأجراف. وسرعان ما لا يبقى لنا لصدّ البحر الأزرق سوى مساتل الغَلَل حيث يتعوَّجُ الماء في جرْيه بين الأشجار، فأخذت العوائل يقترب بعضها من بعض. كان ثمّة طفلٌ معنا مرتدياً بدلة بحريّة، كان حزيناً، أخذني من يدي، وقال لي: "كنتُ، يا سيّدي، في نابولي، أتعرف أنّ في نابولي الكثير من الشوارع الصغيرة، مما يمكنكَ أن تبقى وحيداً في الشوارع من دون أن يراك أحدٌ. وهذا لا يعني أنّ هناك كثيراً من النّاس في نابولي، إنّما الكثير من الشّوارع إلى درجةٍ أنّ لكلِّ شخص شارعاً واحداً". – "أيّة كذبة هذه يرويها لك الآن"، قال لي والد الطفل، "لم يكن أبداً في نابولي". ابنك شاعرٌ أيّها السيّد، وهو أمرٌ حسن، لكن لو كان أديباً للويتُ عنقَهُ. إنّ المساتِلَ التي تركها البحرُ ناشفةً جعلته يحلُم بشوارع نابولي.

حياتي

المدينة التي علينا أخذُها تقع في غرفة. غنيمة العدو ليست ثقيلة ولن يحملها معه لأنّه ليس في حاجة إلى نقود، إذ أنّ الأمرَ حكايةٌ مجرّد حكاية. للمدينة أسوارٌ مصنوعة من خشب مصبوغ: نقطّعه حتّى نلصقه على كتابنا. ثمّة فصلان أو قسمان. ذا هو ملكٌ أحمرُ ذو إكليل ذهبيّ يرتقي منشاراً: هذا الفصل الثاني، أمّا بصدد الفصل الأوّل فإنّي لم أعد أتذكّر.

شارع رافينيا

"لا ينزل الإنسان مرتين في النهر ذاته"، كما كان يقول الفيلسوف هيراقليطس. ومع هذا، فإن الأشخاص الذين يصعدون الشارع هم الأشخاص عينهم! يمرون في الساعة ذاتها، فرحين أو حزينين. يا عابري شارع رافينيا، أعطيت جميعكم أسماء موتى التاريخ! هذا أغاممنون! هذه السيدة هانسكا! عوليس لبّان! باتروكل عند أسفل الشارع، بينما فرعون قرب بيتي. كاستور وبولوكس سيدتان تسكنان الطابق الخامس. لكن أنت، يا عزيزي جامع الخرق، أنت الذي، في صباح خلاب، تأتي لرفع نفايات لا تزال حيّة، عندما أطفئ مصباحي الجيد الكبير، أنت الذي لا أعرفه، يا جامع الخرق المسكين والغامض، أنت، يا جامع الخرق، أعطيتك أنبل اسم وأشهر من علم، سميتك دوستويفسكي.

شحاذة نابولي

عندما عشت في نابولي، كان عند بوابة قصري، امرأة شحاذة كنت القي إليها بقطع نقدية قبل الدخول إلى مآربي. ذات يوم، مستغربا من أني لم أتلق أيّ شكر منها نظرت إلى المرأة الشحاذة. الآن، بعد أن نظرت، رأيت أن ما كنت اعتبره امرأة شحاذة، كان صندوقا خشبيا مصبوغا بلون اخضر، يحتوي على طين احمر وبضع موزات نصفها فاسد.


ليلة جهنمية

يسقط على كتفي، شيءٌ باردٌ بشكل فظيع. شيءٌ لزج يلتصق بعنقي. يصرخ صوت من السماء "وحش!" دون أن اعرف إذا كان يقصدني ويقصد عيوبي أو يرشدني إلى الكائن اللزج الملتصق بي.

نجاح الاعتراف

في الطريق المؤدي إلى ساحة السباق، كان هناك شحاذ لا يختلف عن خادم: "اشفقوا عليّ، يقول، انا ذميم، سألعب بالفلوس التي تعطوني إياها". هكذا اعترف بسرعة. حقق نجاحا كبيرا، وكان يستحقه.


الخراب الحقيقي
عندما كنت شاباً كنت اعتقد أن الجن والجنيات كانوا يعانون لإرشادي، ومهما كانت الشتائم التي تنهال علي، بقيت معتقدا أن شخصا ما كان يوحي للآخرين بكلمات غرضها لصالحي وخيري فحسب. أفادني يُعلِمني الواقع والكارثة اللذان جعلاني مغنّيا في هذه الساحة، أن الآلهة كانت دائما تتخلى عني. أيها الجن! أيتها الساحرات! أعيدوا إلي اليوم وهمي.


تناسخ

هنا ظلامٌ وصمتٌ! لبرك الدم شكلُ الغيم. زوجات القاتل ذي اللحية الزرقاء، السبْع، لم يعدن موجودات في خزانة الحائط. لم يبق منهن شيء سوى قبّعة الراهبات هذه المصنوعة من الشَّاش. لكن انظروا هنالك، هنالك، في المحيط، سبع سفن شراعية، سبع سفن شراعية حبالها تتدلّى من أشرعة الصواري في البحر مثل جدائل على أكتاف النساء. إنها تقترب، تقترب! إنّها هنا!

رواية شعبية

لم تبق سوى كلمة أو كلمتين وأنتهي. عليّ أن أجيب قاضي التحقيق عوضاً عن صديقي. أين المفاتيح؟ إنها ليست في المشجب. عفوك يا حضرة القاضي، يجب أن أعثر على المفاتيح. هاهي، وجدتها! ياله من وضع بالنسبة للقاضي! بصفته عاشقاً أخت الزوجة، كان مستعداً للتخلي عن أخذ القضية على عاتقه، لكنها جاءت تترجاه أن يصدر حكماً بابطال المحاكمة، وهي ستكون له. في العمق، القاضي جد منزعج من هذه القضية. فهو يتوقف عند التفاصيل: لماذا كل هذه الرسوم؟ أخذُ درساً حقيقياً في علم الجمال. ففنان حوله كثير من الأعمال يبحث عن أشكال. يحل المساء؛ القاضي لا يفهم، يتكلم عن تزويرات. أصدقاء يصلون. زوجة المتَّهم تقترح على الجميع نزهة بالسيارة، يقبل القاضي على أملِ أنْ يعرفَ المتَّهمُ كيف يهرب.


الحرب

في الليل، الشّوارع الخارجية مغمورة بالثلج؛ قطّاع الطرق جنود؛ يهاجمونني بالضحكات والخناجر، ينهبونني: أنجو لكي أسقط ثانيةً في مربّع آخر. أهو فناءُ ثكنةٍ أم حوشُ نزلٍ؟ مجرّد خناجر! مجرّد رمّاحين! الثلج يتساقط! أُنخَزَ بمزرقٍ: إنّه سُم لقتلى؛ رأسُ هيكلٍ محجب ببرقع الحداد يعضّ إصبعي. مصابيح غير مُحددة تُسقِطُ على الثلج نورَ موتي.

صمتٌ في الطبيعة

عندما نذهب، كلبي وأنا، بين التلال المشجّرة لصيد الطيور، كان راتو يتسلّى برسم ثمانية إزاء خطواتي، وكلّما أسرعتُ ازدادت متعتُه، وكم طار فرحاً، ما إن ركضتُ. إنه كلب أوكار، كانت له بقعة سوداء على أذنه اليسرى، وأخرى على الذيل.

معجزات حقيقية

القس الطاعن في السن، بعد أن رحل عنّا، رأيناه يطير فوق البحيرة وكأنّه خفاش الليل. كان غارقاً في أفكاره حتّى أنّه لم يلاحظ أنَ هذا الطيران معجزةٌ. حاشيةُ مُسوحه تبلَّلت، وكلُّهُ عَجَبٌ.

لغز السّماء
عند عودتي من الرقص، جلستُ إلى النافذة، ورحت أتأمّل السماءَ: خُيّلَ لي أنّ الغيوم كانت رؤوساً ضخمة لمسنّين جالسين حول مائدة وقُدّم لهم طيرٌ أبيض متحلّ بريشه. نهرٌ طويلٌ عَبَر السّماء. خفضَ أحدُّ المسنّين نظرهُ صوبي، بل إنه راح يكلّمني، عندما انقشعت الروعةُ، تاركةً النجومَ الصافية تتلألأ.

المفتاح

عندما عاد سيّد فرامبوازي من الحرب، عنّفته زوجته، فردّ عليها: "هاكِ، يا سيّدتي، مفتاح كلّ ما أملك، فأنا ذاهب إلى الأبد". وبسبب نعومتها، أسقطته على بلاطة المعبد. ثمّة راهبةٌ، في زاوية، كانت تصلّي لفقدانها مفتاح الدير، ولم يعد في قدرتها الدخول. "فلنر إن كان هذا القفل يلائمه هذا المفتاح". لكن المفتاح لم يعد هناك. إذ هو، الآنَ كتحفة في متحف "كلوني". كان مفتاحاً جسيماً أشبه بجذع الشجر.

تدنٍّ عالٍ

المنطاد يرتفع، إنّه لامعٌ ويحمل نقطةً أكثر لمعاناً. ما مِن شيء يمنعه من الارتفاع! لا الشمس المائلة التي تُلقي وميضاً مثل وحش شرّير يُلقي سحراً، ولا صراخ الجموع، كلا! فهو والسماء ليسا سوى نفْس واحدة: السماء لا تفتح نفسَها إلاّ له. لكن، حذاركَ أيّها المنطاد، حذارك! أيّها المنطاد التعيس، في قبّتك الاسطوانيّة ثمّة ظلال تتحرّك! المنطاديون سكارى.

انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص

ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف