جيل نشأ على البطالة :
كيف تكون عاطلا مصريًّا عن العمل
أحمد عبد المنعم : على بعد خطوات قليلة من مقرّ مجلس الوزراء المصري الذي يقع في وسط القاهرة جلس إلى مقهى شعبي .. الدماء التى تسير فى عروقه لاتقلّ سخونة عن الدخان المتصاعد من الشيشة التى تكاد لا تفارقه . لا يعبأ كثيرا بما يدور في المبنى القريب والذي شغل مصر بأسرها خلال الأسابيع الماضية، فمشكلته - على بساطتها - لن تحلّ بهذا التغيير الوزاري . فالوزير الجديد شأن سلفه ..لاتربطه به علاقة قرابة ومن المستبعد أن يكون على "معرفة" مع خلفه أيضا ، فهو إبن أسرة بسيطة شأن ملايين المصريين ..وكما هو معروف فإن إختيار الوزراء لا يكون من البسطاء .
يمضي نهاره نائمًا ويسهر ليله على المقهى برفقة شيشته التى يرى فيها خير رفيق ، وبين نهاره وليله يصارع طوفان من الأسئلة التى تشغل باله ، متى سأبدأ حياتي ؟ هل سأتزوج الفتاة التي أحبّ منذ سنوات ؟ كيف سأحصل على شقّة ؟ وكيف سأتمكن من تغطية تكاليف الزواج ؟
والسؤال الأكثر منطقية ،متى سأحصل على فرصة عمل تناسب إختصاصي الجامعي ؟
ستّ سنوات مضت على تخرجه من كلية التجارة ، ست سنوات كاملة مرت وهو يسترجع " ذكرى " طموحات وحماسة تملكته خلال سنوات الدراسة .هذه الطموحات التي إنهارت يوم تسلم شهادة تخرجه و التي أدرك حينها أن لا قيمة لها في بلد بات العثور على كنز علي بابا أسهل من الظفر بفرصة عمل . حمل شهادته التي أثبتت وبجدارة أنها لا تساوي أكثر من ثمن الحبر الذي كتبت به وعلقها على الحائط .. صورة عن ذكرى لا أكثر .
ليست هذه الحالة الوحيدة في مصر،على العكس، فعدد هائل من الشباب المصري يعاني من الأسوء . فبعضهم لا يملك ما يمكّنهم من إرتياد المقاهي ويلزمون منازلهم ليلا نهارا . وحين يتملكهم الإحباط واليأس قد يرفهون عن أنفسهم بالوقوف على ناصية الشارع الذي يقطنون فيه لقتل الوقت . الشيء الوحيد الذى يجمع هؤلاء الشباب هو الشعور بأنهم أتعس أجيال هذا البلد، فهم ليسوا من جيل الخمسينات والستينات الذين عاشوا الثورة الصناعية ،ولا هم من جيل السبعينات والثمانينات الذين نهلوا من ثروات بلاد النفط وعادوا ليشكلوا فئة عريضة من المجتمع المصري .
وإن كانت الهجرة هي الحل التقليدي لمشكلة أي عاطل عن العمل ،فإنها تحولت إلى "حلم " صعب المنال . فهذه النافذة أغلقت وبات السفر إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية أشبه بالمستحيل ، فالامل إنهار تماما يوم إنهيار برجي مركز التجارة العالمي فى أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بعد أن أغلقت جميع سفارات الدول الغربية أبوابها أمام الشباب المصري .
التسوّل أمام السّفارة الأميركيّة
لا يزال ذلك المشهد حاضر في ذهني .. عشرات الشباب تجمعوا أمام مبنى السفارة الأميركية ، كل ينتظر دوره للمقابلة الشخصية لإتخاذ قرارا بشأن الموافقة على سفره أو رفضه .إسطفوا في طابور طويل كاد يخترق الشارع العريض ، لم تثنِ الشمس الحارقة أي منهم عن عزمه ، فالحلم الأميركى هو الملاذ الأخير الذي سيخرجهم من اللاشيء الذي يعيشونه منذ سنوات . عيونهم مسمرة على الباب لمراقبة تعابير كل من يخرج من تلك المقابلة المصيرية . فمن تمّ قبوله يمشي مختالا وكأنه ملك الدنيا وما عليها ، ومن تمّ رفضه يحني رأسه حتى يكاد يعفر وجهه فى التراب على ما أصابه من كارثة .
مشهد يوميّ أمام مبنى السفارة الاميركية في القاهرة ، فلا يكاد يمرّ يوما ولا ترى فيه هذا الطابور ، إلا أن الأمور " إنقلبت " عقب الحادي عشر من أيلول فالسفارة الأميركية خفّضت أعداد التأشيرات الممنوحة وشددت على الضمانات المالية المطلوبة.هذه الضمانات التى لو كانت متوفرة لما وقف أي من هؤلاء على باب السفارة راجيا السفر للعمل فى محطة لبيع الوقود أو مطعم لبيع فطائر البيتزا فى أحسن الاحوال !
إنهيار الحلم الأميركي فرض على الشباب التعامل مع الواقع الذى يبتسم لهم حينًا ويقسو عليهم أحيانا .. فالدرس الأول للتعامل مع الواقع المصري هو عدم تعليق أي أهمية على جهود عمر كامل للحصول على شهادة جامعية . فمصر متخمة بالخريجين والسوق لم يعد قادرًا على إستيعاب خمس هذا العدد والحصول على مهنة تناسب المؤهل الدراسي من المستحيلات إلا في حالة واحدة وهي تدخل إحدى الشخصيات المسؤولة .. وساطة يعني . ولكن ما هو عدد الشباب الذين يستطيعون الحصول على وساطة مسؤول كبير فى هذا البلد ؟هم بالطبع قلة محدودة وربما كان أغلبهم من الفئة التى لا يمثل العمل بالنسبة لها مسألة حياة أو موت !
وأمام واقع فرض صفة عاطل عن العمل على الكثيرين ، وجد هؤلاء أنفسهم مرغمين على القبول بأيّ وظيفة من أجل تأمين قوتهم اليومي . وهذه الوظائف تتراوح بين مساعدين لعمال البناء حيث يقومون بنقل المواد المستخدمة فى البناء مثل الإسمنت والأحجار وغيرهما أو كحارس أمن لشركة أو عمارة فخمة ، ومن حالفه الحظ فسيشغل منصب مندوب للمبيعات التي قد تكون عطورًا مقلدة أو ساعات أو ماكينات حلاقة أو لعب أطفال .
والمفارقة المثيرة للسخرية هي صعوبة الحصول على هذه الوظائف لحملة الشهادات الجامعية ، فهذا الخريج الذي رضي بوظيفة كحارس لشركة ما ، عليه أن يسعى و يجتهد و يتمنى أن يسعفه الحظ للظفر بها . فالمنافسة حادة خاصة من حملة الشهادات المتوسطة أو حتى أولئك الذين لا يحملون أي شهادات كونهم الأكثر خبرة ومهارة في هذا النوع من الأعمال .
إن أزمة البطالة التى برزت فى الثمانينات وإستفحلت فى التسعينات والتي وصلت إلى ذروتها خلال الأعوام السابقة تبدو وكأنها بلا حل ، فكل عام يمر يجر معه آلاف الخريجين إلى قائمة العاطلين عن العمل .
كافة التخصصات
حتى وقت قريب كانت تلك الأزمة مقتصرة على بعض التخصّصات فقط مثل خريجي كليات التجارة والحقوق ،لكنها ما لبثت أن زحفت إلى بقية الإختصصات فلم ينجُ منها أحد . فحتى خريجي كليات الطب والصيدلة تمّ جرهم إليها .فالإعتقاد السائد حول تمتعهم بحصانة ضد البطالة تحول إلى أسطورة وصار طلاب تلك الكليات يضربون أخماسا فى أسداس حول مصيرهم بعد التخرج .
ورغم حالة السواد الحالك التى يعيشها الشباب المصري فإن بعضهم فضل إضاءة شمعة بدلا من أن يلعن الظلام ألف مرة .
تلك الشمعة أخذت أشكالا عدة لعل أبرزها المشاريع الصغيرة التى تبناها عدد منهم بعد الحصول على قروض من أحد البنوك أو الصندوق الإجتماعي للتنمية الذي أنشأته الحكومة المصرية .خطوة غاية في السهولة نظريا أما من الناحية العملية فعلى الراغب الإقدام على هذا المشروع تحمل التعقيدات البيروقراطية قبل الحصول على القرض المطلوب لتبدأ بعدها مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع الذي عادة ما يكون خاص بتصنيع الجلود الملابس ،أو محل لإستخراج عسل النحل ، إلى غير ذلك من المشروعات التى لا تحتاج أكثر من خمسة عشر ألف جنيهٍ (2000 دولار ) لتنفيذها .
يقدّر عدد الشباب المستفيدين من مشروعات الصندوق الإجتماعي للتنمية فى مصر بخمسين ألف شاب وفتاة أغلبهم ممن تقلّ أعمارهم عن الخامسة والثلاثين ، ورغم الدور الذى يقوم به الصندوق فى حل أزمة البطالة المتفاقمة بين حملة المؤهلات العليا،إلا أنه يظلّ عاجزًا عن مساعدة ملايين الشباب فى مصر والذين لا يجدون مأوى لهم سوى أقرب مقهى شعبي من منازلهم يجلسون إليها ويمسكون بالشيشة .. " ينفخون عليها علها تنجلي" ..



التعليقات