نسرين عزالدين: لن ألقي باللوم على أحد . لن أعود بالذاكرة إلى طفولتي الجميلة مما صنعت والناقصة بشدة لما صنعوا هم بها .لن أنتقل من طفولتي إلى سنوات المراهقة ثم النضج وأتذكر تلك الحوادث أو البيئة أو المشاكل التي جعلت مني شخصا مرتبكًا داخليًا ومربكًا لكل من يحاول التواصل معي . لقد خلقت مشاكلي وعقدي النفسية التي لا حصر لها نتيجة جهدي الخاص .. ولا يعود الفضل بذلك لأحد سواي .
لم أكثرث خلال سنوات طفولتي لعدم وجود والدي، أو لانشغال والدتي . كنت قد قررت سلفا أنني سألعب يوميا حتى أنهار من التعب . فتنقلت بين مناصب عدة ..من عضو في عصابة ، إلى مساعد الزعيم ومن ثم إلى زعيم العصابة . وما إن وصلت إلى ذلك المنصب حتى بدأت أولى "عقدي " بالظهور . فتحولت من ذلك العضو النشيط القادر جسديا على الرغم من كوني " فتاة " ضئيلة الحجم، أن أضرب " صبي" وجعله يبكي ، وتحولت من المساعد الخدوم الذي يلبي حاجات الزعيم كلها من دون إعتراض إلى زعيم ديكتاتوري لا هم له سوى التفتيش عن " الأقل " حجما وضربهم . لم يجرؤ أحد على المطالبة بإقالتي ، لكن نمو جسدي تكفل بهذه المهمة . فقامت والدتي بنهري ومنعي من اللعب مع الصبيان الذي أخذوا يتعاملون معي بحذر و حيطة فور بروز ثديين صغيرين . لم أعد الزعيم .. تحولت إلى فتاة .
وهكذا تخليت مرغمة عن منصبي ، وإنهمك الأعضاء بمراهقتهم الجديدة وإنطلقوا يبحثون عن فتيات .. غيري طبعا .. فأنا مثلهم . لست فتاة بالمعنى الكامل بالنسبة لهم ولست أيضا مثلهم تماما لأني فتاة . معضلة مربكة .. لذا إعتكفت في غرفتي ، أقرأ روايات عبير وأخفيها تحت سريري كي لا تضبتها والدتي .. وأعاقب .
ومع إكتمال نمو الثديين ، كنت قد إقتنعت بعدم قدرتي على العودة .. لبست فستاني وخرجت .
هناك تعرفت على " صبيان" مختلفين عن أفراد عصابتي ، لم أكن الزعيم ولم أكن فتاة وغير فتاة .. كنت فتاة كاملة . وهناك أحببت أن أكون .فتعلمت التبرج وإرتديت الكعب العالي وضحكت ومرحت حتى ضبتتني أمي .. فعدت إلى غرفتي ، أقرأ روايات عبير وأخفيها تحت فراشي .
وفجأة لاحت حياة جديدة بعد إنتهاء المدرسة ، يا لي من غبية. كنت أظن أن لاحياة بعد سنوات الدراسة التي بدت وكأنها أزلية ، سأذهب الى الجامعة . هناك لن يرغمني أحد على دخول الصف أو الدرس أو ارتداء المريول . يا إلهي اذن صحيح ما يقولون .. الحرية ليست وهما .
لم أتردد لحظة واحدة في رمي نفسي بلا قيود أو ضوابط في هذه الحرية ، تجرعتها حتى الثمالة .. ولا أقصد هنا تعبيرا مجازيا فلقد تجرعت كل ما يثمل بلا توقف .أغرمت بذلك الشعور الجميل الذي " يضحكني " بلا سبب يذكر ، ويجعلني أنام وكأن ليس هناك يوما آخر .
تعلمت كل ما لا يجب أن أتعلمه ، وكنت قد أدمنت الحرية حتى ضبتتني والدتي ..فعدت إلى غرفتي أقرأ كونديرا وألعنه ثم أخفيه تحت سريري .. لا لسبب معين وإنما بفعل العادة .
إحتضنت وسادتي ، وأخذت أفكر به . يا له من شاب وسيم ، لقد رمقني مرات عدة اليوم . علي بمعاودة الذهاب إلى ذلك المكان سأتذرع بزيارة صديقي وأراه . وما العيب في ذلك لقد رأيته حين كنت أزور صديقي ، لم أتعمد الذهاب المرة الأولى لكن الثانية ستكون مقصودة . زيارة ثانية وثالثة و رابعة .. وها قد وجدت الحب . يا له من شعور جميل ، ها هو يمسك بيدي ويقبلها ويحتضنني كما لو كنت الوحيدة على هذا الكوكب . القمر جميل من غرفتي ، الحياة تبدو جميلة . كنت قد بلغت من العمر الآن ما يمكنني من التدخين أمام والدتي والإفصاح عن حبي الجديد وحتى العودة برفقته الى منزلنا ..لم تعد أمي تمانع . وكيف ستمانع وزفافنا بات قريبا . لعله لم يعد هناك ما تضبته والدتي وتعاقبني عليه .. لقد ضبطت كل ما يمكن أن يضبط .. لم تترك شيئا إلا و إكتشفته . تنفست الصعداء .. لعل الحظ السيء الذي رافق قدرتي على إخفاء الأمور قد أستنفذ .
.. " لقد وجدت ما يقارب المئة عدد من رويات عبير تحت سريرك القديم ... هل كنت تقرأين هذه الروايات خلال طفولتك .. يا لك من إبنة سيئة .. ماذا فعلت لأستحق هذا يا إلهي " .