قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نسرين عزالدين : كنت في العاشرة من عمري حين قرر والدي تحقيق حلمه وتحويل تلك المساحة الضئيلة من الارض امام منزلنا في القرية الى حديقة . وأخيرا أعد العدة لتحقيق رغبته الابدية بزراعة تلك البذور الغريبة التي امضى سنوات بتجميعها خلال اسفاره .
لم املك خيارا سوى التحمس المفرط امام اندفاع والدي ، ففي حياة القرية الروتينية فإن الحدث الوحيد الهام هو عودته من سفره والان مشروعه الحدائقي . وهكذا انضممت الى حلفه بمواجهة امي وشقيقي اللذين رفضا المشاركة. اما شقيقتي التي لطالما التزمت الحياد في كل المواقف فأثارت نقطة مهمة غابت عن ذهن والدي ، فالتربة في باحة منزلنا غيرخصبة .
الا ان ذلك لم يثنيه عن تطبيق مشروعه ، فهو لطالما آمن ان تراب الجنوب مقدس و قادر على بعث الحياة في الجماد ، فكيف بهذه البذور التي حضرها بعناية فائقة لتنمو بهدوء وسكينة.
.. وبحماسة بالغة شرعنا نزيل الاعشاب ونحضر التربة وصوت والدي برنته الفرحة يعلو وهو يخطط بلا انقطاع عن موقع كل زهرة وكل شجرة ، وكيف ستنمو كل منهما وتثمر تلك الثمار الغريبة التي سيندفع اهل القرية لشرائها ونقوم انا وهو باستغلال ذلك ونبيعها بأسعار خيالية حتى نحقق الثروة المنشودة .. كنت اضحك بقوة على احلام والدي واتمنى من صميم قلبي الا يرددها امام احد كي لا اشعر بالحرج .كنت اظن ان والدي ساذج بأحلامه وقصصه التي يغرقني بها ،و كنت اظن انني اذكى منه.
كبرت ولازمتني تلك القناعة ، لكنني لم اعد اخجل ببساطة والدي ، على العكس كنت ابتسم حين يردد القصة نفسها التي كان يرددها حين كنت في العاشرة ظنا منه انها لا تزال تضحكني . كنت ابتسم لانني اراه امامي كما هو .. رجل خمسيني بسيط يحاول جهده ان يفرح ابنته ، فأحتفظ لها بقصص لا يريدها ان تكبر وتنضج .
بالامس ذهبت لزيارته وحملت الى قبره كعادتي وردة بيضاء ..وردة اوكل لي بعنايتها حين جلبها مع بقية شتلات الزهور بانتظار نقلها الى التربة لتزيين الحديقة .وردة احببتها _كما احببت كل شيء في حياتي_ .. اكثر مما ينبغي .
. فغنيت لها ورويت لها قصصًا وهرعت الى والدي مفجوعة باكية حين سقطت بتلاتها . وردة اخبرني والدي انها لن تموت ابدا وانها ستعود دوما الى الحياة طالما احبها واهتم بها .